وقف عصام في مكانه زي الصنم ووشه بقى أصفر زي الليمونة المقطوعة، ورجليه مقتدرتش تشيله من الصدمة، عيونه كانت رايحة جاية بين المنشاوي بيه وبيين يوسف عامل النظافة اللي كان لسه من لحظات بينفض التراب عن ثياب العجوز. رجال الأمن اللي كانوا ماسكين يوسف سابوا إيديه فوراً ورجعوا خطوات لورا من الخوف والرعب، وكل واحد فيهم كان بيتمنى الأرض تتشق وتبلعه قبل ما المنشاوي بيه يلتفت ليهم. المنشاوي كان حاضن يوسف بقوة، ماسك فيه وكأنه خايف يصحى من حلم جميل، وعيونه بتخر دموع الصبر والفرج اللي استناه تلاتين سنة كاملة، يوسف كان حاطط راسه على صدر أبوه وبيعيط بصوت مكتوم، مش مصدق إن الراجل اللي دافع عنه واقتسم معاه الشطيرة هو نفسه الأب اللي أمه حكت له عنه طول حياتها، وهو نفسه صاحب المكان والأملاك دي كلها. المنشاوي رفع راسه وبص ليوسف بحنان وهو بيمسح دموعه بإيديه المرتعشة وقال له بصوت حنين ومبحوح يااااه يا يوسف.. تلاتين سنة يا بني وأنا عايش جثة من غير روح.. تلاتين سنة بقلب الدنيا عليك في كل شبر، وأتاري ربنا شايل لي اللحظة دي عشان أعرف إنك مش بس ابني، أنت راجل جدع واصيل وابن أصول زي ما تمنيتك بالظبط. رد عليه يوسف وهو بيشهق من البكاء والذهول أنا مش مصدق يا عمي.. قصدي يا أبايا.. أمي الله يرحمها كانت كل يوم قبل ما تنام تقول لي أبوك مش نسينا يا يوسف، أبوك يدور علينا، والقلادة دي أوعى تخلعها من رقبتك عشان هي اللي هترجعك لحضنه في يوم من الأيام.. بس أنا عمري ما تخيلت إنك تكون صاحب المطاعم دي كلها وأنا بكنس أرضها بيدي! المنشاوي ابتسم بكسرة وهو بيطبطب على كتفه وقال الملك والمال كله فداء لظفرك يا بني.. ربنا جابني لحد عندك عشان أشوف معدنك الشريف، وعشان أطهر المكان ده من الأشكال الضالة اللي سيبتها تتطاول على خلق الله. هنا التفت المنشاوي ناحية عصام، ونظرته تحولت في ثانية من الحنان والشفقة لشعلة نار وغضب يهز الجبال. خطى خطوتين ناحية عصام اللي كان واقف بيترعش وجسمه كله بيلف بيه، والعرق نازل من جبهته زي المطر. المنشاوي بص له بكبرياء وقال بصوت جمهوري هز فناء المطعم كله أيه يا عصام بك؟ فين لسناك اللي كان بيقطر سم من شويه؟ فين رجلك اللي ركلت بيها راجل عجوز في سن أبوك؟ فين هيبتك وحذائك الفاخر اللي خايف عليه من شوية مية؟ عصام اتلجلج في الكلام وجسمه كأنه اتجمد، وقعد يقطع في الحروف وهو بيمد إيديه بترجي ا.. المنشاوي بيه! والله ما كنت أعرف.. وحياة عيالك يا باشا ما كنت أعرف إن حضرتك أنت.. أنا.. أنا كنت فاكرك عامل جديد وبختبر حزمك في الشغل.. والله أنا بشتغل لصالح المكان وبحافظ على الهيبة والنظام! المنشاوي ضحك ضحكة عالية مليانة سخرية واستحقار، وقرب منه لحد ما بقى بينه وبين عصام شبر واحد وقال له بتختبر حزمي؟ ولا بتطلع عقدك النفسية وساديتك على الغلابة اللي أكل عيشهم في إيدك؟ أنت فاكر إني عشان لبست رخيص ووقفت اغسل أطباق بقى من حقك تشتمني وتركلني في جنبي؟ فاكر إن إكراميات العمال اللي بتسرقها وتدنس بيها جيبك دي مش هتوصل لي؟ فاكر إن أكل الشخصيات الهامة اللي بتلتهمه في المطبخ ده هيفوت عليا؟ عصام وشه جاب ألوان وقعد ينزل على ركبه في الأرض ومسك في جزمة المنشاوي وهو بيصرخ ويبكي أبوس إيدك يا باشا! ارحمني واسترتي! أنا عندي عيال وبربي كوم لحم.. سامحني المرة دي ومش هتشوف مني غير كل خير، أنا خدام تحت جزمتك وجزمة يوسف بيه! المنشاوي زق إيد عصام برجله بمنتهى القرف والاشمئزاز وقال له بصوت قاطع زي السيف تخسأ يا عصام.. اللي ما يرحمش الضعيف ما يستاهلش الرحمة، أنت مش بس مطرود من المطعم ده، أنت من اللحظة دي محروم من العمل في أي مؤسسة تابعة لسلسلة المنشاوي في جمهورية مصر كلها! ومش بس كده.. الأموال اللي سرقتها من إكراميات العمال والأرباح اللي اختلستها هتترد للعمال بالمليم، ورجال الشؤون القانونية بتوعي هيرفعوا عليك قضية خيانة أمانة واختلاس، وهتتقفص في السجن عشان تتعلم يعني أيه تظلم بني آدم ضعيف. التفت المنشاوي لرئيس رجال الأمن اللي كان واقف خايف ومرعوب وقال له بحزم أنت والشرذمة اللي معاك.. تلموا حاجتكم وتغوروا من قدام وشي فوراً! شغل البلطجة والتفرعن ده مش عندي، والشركة الأمنية اللي بعتاكم هيلغى التعاقد معاها النهاردة بالليل.. جردوا عصام من كل حاجة تابعة للمطعم، واطلبوا البوليس يستلمه من هنا فوراً! رجال الأمن اتنططوا ينفذوا الأوامر، ومسكوا عصام من قفاه وهو بيصرخ ويولول وبيترجى، وسحبوه لبره زي الكلاب الضالة وسط حسرة وندم ما ينفعوش بعد فوات الأوان. في الوقت ده، العمال بتوع المطبخ والجرسونات وعمال النظافة كانوا ملمومين ورا الأبواب والشباك، يتفرجوا على اللي بيحصل بذهول وفرحة مكتومة. المنشاوي التفت ناحيتهم ونادى بصوت عالي تعالوا هنا يا رجالة.. قربوا ما تخافوش! العمال خرجوا بالتدريج، كل واحد فيهم باصص للأرض وخايف من الهيبة الكبيرة للراجل اللي كانوا فاكرينه عم كمال العجوز البطيء. وقف المنشاوي وسطهم وبص لوشوشهم المجهدة والتعبانة وقال بصوت دافئ أنا بعتذر لكم جميعاً.. بعتذر لكول واحد فيكم اتظلم أو اتهان في المكان ده تحت لمحة نيوز إدارتي وأنا مش داري. الشركات والمطاعم دي ما قامتش على إيدي أنا بس، قامت على عرقكم وشقاكم وتعبكم كل يوم. ومن النهاردة، الأوضاع كلها هتتغير. واحد من الجرسونات القدامى اتكلم بصوت مرتعش وقال ربنا يحفظك يا بن المحترمين يا باشا.. احنا كنا بنتعامل معاملة العبيد، وكان عصام بيه بياخد نص مرتباتنا ويهددنا بالطرد لو فتحنا بقنا. المنشاوي طق بصباعه وقال بكل قوة كل مليم اتخصم منكم زور أو اتقطع من إكرامياتكم هيرجع لكم أضعاف مضاعفة في مرتب الشهر ده! ومن النهاردة، يوسف ابني.. يوسف المنشاوي.. هو اللي هيمسك إدارة الفرع ده رسمياً! العمال كلهم شهقوا من المفاجأة، وبصوا ليوسف اللي كان واقف مش مجمع ومندهش ومش مصدق الكلام. يوسف قرب من أبوه بسرعة وقال بذهول أنا يا أبايا؟ أنا أ مسك إدارة أضخم فرع في القاهرة؟ بس أنا عمري ما دراست إدارة ولا أعرف غير النظافة والمسح والتعب! المنشاوي مسك كتف يوسف وبص في عينيه بفخر واعتزاز وقال له اللي يعرف يجبر خاطر راجل عجوز غريب، ويقسم معاه لقمته العيش والحاف، ويقف بدفعه عن الضعيف ويضحى بقوته عشان يحميه.. يبقى هو الوحيد اللي ينفع يدير البشر! الإدارة يا بني مش شهادات ورقية بيكتبوها على الورق، الإدارة أصل ورحمة وأخلاق.. والشهادات والتكتيكات العلمية أنا هجيب لك أكبر الخبراء يعلموهالك في ست شهور، لكن أصلك النظيف ومعدنك الدهب ده حاجة ربنا زرعها فيك ومحدش يقدر يعلمها لك. العمال بدأوا يصفقوا ويهتفوا بفرحة عارمة، والدموع في عيونهم، يوسف بص للعمال اللي كانوا زمايله في الشقا والتعب وقال بصوت ثابت وواثق أنا أوعادكم يا رجالة.. إني هكون أخ لكم قبل ما أكون مدير عليكم، ومفيش بني آدم في المكان ده هيتهان تاني ولا يضيع حقه طول ما أنا حي على وش الأرض! بعد ساعات قليلة، كانت الأخبار اتشرت في القاهرة كلها زي النار في هشيم القش؛ صاحب سلسلة مطاعم المنشاوي يكتشف فساد إدارته وهو متنكر، ويعثر على ابنه المفقود في هيئة عامل نظافة بسيط. في نفس الليلة، أخد المنشاوي ابنه يوسف وطلعوا على الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس. يوسف كان داخل وهو خايف ومكسوف، بيبص للسجاد الفاخر والنجف الكريستال والتماثيل اللي مالية المكان، وحاسس إنه غريب عن العالي ده كله. المنشاوي لاحظ خجل يوسف، فمسك إيده ودخله جوه المكتب الخاص بتاعه. القاعة كانت مليانة صور قديمة، وفي النص كانت فيه صورة كبيرة جداً للست أمه وهي شابة صغيرة. يوسف أول ما شاف الصورة جرى عليها ووقع على ركبه يبكي بحرقة أمي.. يا حبيبتي يا أمي! ليتك كنتي عايشة وشوفتي اليوم ده.. شوفتي أبايا وهو بيرد لي اعتباري وبيرجعني لحضنه زي ما كنتي بتقولي لي دايماً! المنشاوي قعد جنبه على الأرض وحضنه وهو بيبكي معاه وقال أمك كانت أطهر ست قابلتها في حياتي يا يوسف.. الخلافات والمكائد اللي حصلت زمان هي اللي بعدتنا عن بعض، وأنا دورت عليها وعليك في كل شبر في مصر بس الظروف كانت أقوى مني.. احكي لي يا بني، عاشت إزاي؟ وقضيتوا السنين دي كلها إزاي؟ قعد يوسف يحكي لأبوه عن رحلة العذاب والشقا؛ إزاي أمه كانت بتشتغل في البيوت والغزل عشان توفر له لقمة العيش، وإزاي رفضت تتجوز بعد المنشاوي وفضلت عايشة على ذكراه، وإزاي مرضت بالكانسر وفي أخر أيامها وصته بالقلادة وقالت له إن أبوه راجل شريف ومحترم وأكيد دافع قوي كان السبب في غيابه. يوسف قال ودموعه بتنزل لما أمي ماتت من سنتين، الدنيا اسودت في وشي.. ملقيتش شغل غير في النظافة، وكنت بين يوم وليلة بتطرد من مكان لمكان عشان ماليش ظهر ولا سند.. لحد ما ربنا جابني لمطعمك، وكنت بتبهدل كل يوم من عصام، بس كنت بستحمل عشان ألاقي لقمة ناكلها أنا وأمي في قبرها بالدعاء والصدقة. المنشاوي كان بيسمع وقلبه بيمييز من الألم والندم، لكنه مسح دموعه وقال له بكل عزم خلاص يا يوسف.. العذاب انتهى، والشقا غار بلا رجعة. ربنا اختبرنا وصبرنا، والنهاردة بداية حياه جديدة.. حقك وحق أمك الله يرحمها هيرجع لك أضعاف. أنت مش بس هتمسك الفرع ده، أنت من النهاردة شريكي الرسمي في كل أملاكي ورأس مالي، واسمك هيرجع يلمع في السوق زي ما كان لازم يكون من زمان. مرت الأيام والشهور بسرعة، ويوسف أثبت إنه مش بس صاحب قلب رحيم، ده كمان بيمتلك ذكاء فطري وعقلية جبارة في الإدارة. بفضل المدرسين والخبراء اللي أبوه جابهم له، قدر يتقن علوم الإدارة والبيزنس في وقت قياسي. مطعم الفرع الكبير في القاهرة اتغير حاله تماماً؛ بقى من أكبر وأنجح الفروع وأكترهم ربحاً، مش بس عشان الأكل الممتاز، لكن عشان المعاملة الراقية اللي بقوا الجرسونات والعمال يعاملوا بيها الزبائن، بفضل البيئة العادلة اللي يوسف خلقها لهم. المرتبات اتضاعفت، والإكراميات بقت تتوزع بالعدل، ومفيش عامل بقى خايف من الظلم أو الطرد التعسفي. وفي يوم من الأيام، كان يوسف قاعد في مكتبه المكيف الفاخر بالفرع الرئيسي، لابس بدلة سوداء أنيقة جداً وبيمضي على أوراق ومستندات بآلاف الجنيهات، انفتح الباب ودخل المنشاوي بيه وهو مبتسم وباصص لابنه بفخر لا يوصف. المنشاوي قرب وقعد قدام يوسف وقال له أيه الأخبار يا يوسف بيه؟ تقارير الأرباح بتاعة الشهر ده بتقول إنك كسرت كل الأرقام القياسية في تاريخ السلسلة كلها! يوسف قام من على مكتبه فوراً وقبل إيد أبوه بكل احترام وقال له الخير ده كله بفضلك يا أبايا بعد ربنا.. النعمة والنجاح ده بسبب البركة اللي أنت زرعتها لما جيت المكان ده بقلب راضي وتبحث عن الحق. وفجأة، خبط باب المكتب ودخل أحد الموظفين وهو باصص للأرض وقال بتردد يوسف بيه.. فيه راجل بره في الاستقبال طالع عينيه ورث الثياب، بيبكي وبيترجى عايز يقابلك.. بيقول إنه مش لاقي أكل عيش وعياله بيموتوا من الجوع وبيعرض يشتغل أي حاجة حتى لو يلم الزبالة من قدام المطعم. يوسف وبص لأبوه المنشاوي، والاتنين فهموا بعض من غير ولا كلمة. يوسف قال للموظف بحزم وحنان في نفس الوقت دَخّلوه فوراً.. ولا تعاملوه بقلة أدب أو احتقار، أي بني آدم يدخل المكان ده يتشال على الراس من فوق! الموظف خرج، وبعد لحظات دخل الراجل.. وشرقت المفاجأة في المكان! الراجل ده مكنش حد غريب.. كان عصام المدير المطرود! عصام كان هدومه مقطعة، ووشه دبلان وجسمه خاسس النصف، بعد ما تسجن ست شهور في قضية الاختلاس واتحكم عليه ورد كل الفلوس، ومحدش رضى يشغله في أي مكان بسبب سمعته الوسخة وسابته مراته وعياله اتدمروا. عصام أول ما رفع راسه وشاف يوسف بالبدلة الفاخرة وجنبه المنشاوي بيه، وقع على الأرض وصرخ بكاء وندم يوسف بيه! المنشاوي بيه! ارحموني.. أنا بقيت في الشارع، شحات ومستعد ألحس الأرض تحت جزمكم، بس ادوني لقمة عيش أطعم بيها عيالي.. أنا اتعاقبت واعتدلت وعرفت إني كنت ظالم وحقير! المنشاوي بص لعصام بنظرة هادية خاليه من أي انتقام، والتفت لابنه يوسف عشان يرى رد فعله. يوسف قام من على كرسي المكتب بالراحة، وقرب من عصام المشرد على الأرض، ومسك إيديه وقومه يقف على رجليه، وبص في عينيه وقال له بصوت هادي وواثق أنا مش هسيبك تموت من الجوع يا عصام.. لأن ربنا ما خلقناش عشان ننتقم من بعض، خلقنا عشان نتعلم ونسامح لما نقتدر. عصام بص ليوسف بذهول ومش مصدق عينيه وقال وهو بيشهق أنت.. أنت هتسامحني بعد كل اللي عملته فيك وفي أبوك؟ رد عليه يوسف بإبتسامة عريضة وهو بيطبطب على كتفه هسلك لك شغلانة شريفة في مخازن الشركة بعيدة عن التعامل مع العمال أو الفلوس، بمرتب يعيشك أنت وعيالك كرام.. بس بشرط واحد يا عصام! عصام مسح دموعه بسرعة وقال له بل متلهف شرط أيه؟ أنا موافق على أي شرط حتى لو كان أيه! قال له يوسف بصرامة ونبرة مليانة درس وعبرة شرطك إنك كل يوم الصبح قبل ما تبدأ شغل، تبص لنفسك في المراية وتفتكر إن العظمة والكبرياء لله وحده، وإن أقوى بني آدم في الدنيا ممكن يقع في لحظة تحت رجلين أضعف بني آدم.. تفتكر إن الرحمة هي القوة الحقيقية، وإن العدل هو اللي بيبني البيوت مش الظلم والافتراء. عصام نزل على إيد يوسف يبوسها وهو بيبكي بكاء مرير من الخجل والندم، وعارف إن الدرس ده كان أعظم درس يتعلمه في حياته كلها. المنشاوي حضن ابنه يوسف من ضهره وهو حاسس بقمة الفخر والسعادة، وعارف إن امبراطوريته وثروته وسلسلة مطاعمه في إيدين أمينة.. إيدين راجل ذاق طعم الفقر والظلم، فعرف قيمة العدل والرحمة، ورجع الحق لأصحابه وعاش العمر كله مرفوع الراس والقامة. تمت... روايات_مشيره_محمد