صـ.ـرخه مظـ.ـلوم
صرخه مظلوم
كان المخبز في أول السكة صغيراً، ريحته دافية وبترد الروح مع كل طلعة فجر. الست حكمة كانت بتراقبني من تحت لنظارتها وهي بتشوفني بعجن العجين بكل غل، كأني بعاقب العجين على القسوة اللي شفتها من الدنيا.
قربت مني بخطوات ثقيلة وحطت إيدها الدافية على كتفي وقالتلي بنبرة حازمة بس فيها حنية الأم
براحة يا يسرا.. العجين ده رزق، والرزق يحب اللين مش العافية. إنتي بتفرغي غلك فيه ليه يا بنتي؟
نزلت عيني في الأرض وجاوبت بسوت واطي ومكسور
مش غل يا ست حكمة.. بس حاسة إن الدنيا كلها زقتني، وما حلتيش غير الشغلانة دي أطلع فيها حرتي.
ابتسمت الست حكمة وربطت على ظهري وقالت
الدنيا ما بتزقش غير اللي يقبل يستسلم يا يسرا. إنتي جيتيلي هنا خايفة وبتبصي تحت رجليكي، بس أنا شايفه في عينيكي صبية عفية. المخبز ده مش بس للعيش والكيك، ده للمطحونين اللي زينا عشان يقفوا على رجليهم من تاني. تعالي أدخلي معايا جوة وعلميني شطارتك.
مرت الأيام والشهور، والمخبز بقى بيتي وملاذي. الست حكمة ما كانتش بس صاحبة شغل، دي كانت الظهر اللي اتسندت عليه لما كل الناس كسرتني. علمتني أسرار الصنعة، إزاي أعجن، وإزاي أظبط النار، وإزاي أقف قدام الزبون وأنا مرفوعة الرأس. مع الوقت، بقيت أطلع من حسرة الماضي شيئاً فشيئاً، وبقت ضحكتي اللي غابت سنوات ترجع تسلم على وشي من تاني.
في يوم، ودخل المخبز شاب في التلاتينيات من عمره، لبسه بسيط ووشه بشوش وطيب، اسمه طارق. طارق كان مهندس ديكور شغال في موقع قريب من المخبز، وكان متعود يجي كل يوم الصبح ياخد الفطار لزمائله روايات_مشيره_محمد
دخل وبصلي بابتسامة هادية وقال
صباح الخير يا آنسة يسرا.. كالعادة، عشرة قرص بالسمسم وكيلو عيش طازة، بس يا ريت المرة دي الكيكة اللي بالبرتقال تسلم إيديكي، زمايلي في الموقع انبهاروا بيها إمبارح.
رديت وأنا بحاول أداري كسوفي وأحط الطلبات في الشنطة
صباح النور يا أستاذ طارق.. حاضر من عينيا، الكيكة لسه طالعة من الفرن حالا وسخنة.
وقف طارق يتأملني بتركيز غريب، وكأنه شايف ورا سكوتي ده حكاية طويلة وموجعة. بادر بالحديث وهو بياخد الشنطة
تعرفي يا يسرا.. إنتي شاطرة أوي في شغلانة المخبز دي، بس عينيكي دايماً فيها نظرة حزن بعيدة.. زي ما تكوني شايلة هم جبل على كتفك.
اتربكت وجاوبت بسرعة وأنا بداري وشي عنه
ما فيش حاجة يا أستاذ طارق.. ده بس مجهود الشغل والتعب.
لكن طارق ما يئسش، بقى يجي كل يوم، ومش بس عشان القرص والعطاء، كان بيجي عشان بيتكلم معايا، يسمعني، يحسسني إن فيه إنسان في الدنيا دي شايفني كإنسانة محترمة وليها قيمة، مش كجرم أو وصمة عار زي ما أهلي وطليقي حسسوني.
مع مرور الوقت، بقيت أستنى طلته كل صبح، قلبي يتنطط من الفرحة لما أسمع جرس الباب وهو داخل، بس كنت دايماً بأدب نفسي وأقول
فوقي يا يسرا.. إنتي وحدة معيبة في نظر المجتمع، لو عرف حقيقتك هيسيبك ويمشي زي الباقيين.
في ليلة من ليالي الشتا الثقيلة، كانت الست حكمة قاعدة معايا بعد ما قفلنا المخبز وبنتشرب شاي، بصتلي وقالت بصراحة
طارق بيحبك يا يسرا.. وعينيه بتقول كدة من زمان. إنتي مستنية إيه؟
دمعت عيني وهزيت رأسي بنفي وقبل ما أرد وقاطعتني
إنتي فاكرة إني مش فاهمة الخوف اللي جواكي؟ فاكرة إنك هتفضلي هاربة من خيالك طول العمر؟ طارق راجل ابن ناس وطيب، ولازم تصارحيه بقراراتك وحياتك عشان ترتاحي.
قلت بصوت مخنوق بالبكاء
خايفة يا ست حكمة.. خايفة أقوله السر اللي دمر حياتي يهرب ويشوفني زيهم.. خايفة يفتكرني خاينة أو مش شريفة زي ما أحمد قال علي في البلد.
قربت مني وحضنتني وقالت بقوةروايات_مشيره_محمد
اللي حصلك وأنتي طفلة ده جريمة اتعملت في حقك، ومش ذنبك! واللي عمله أحمد ده نذالة وجبن عشان يداري على عيبه أو خايف من حاجة. لو طارق راجل بجد، هيفهم وهيعرف إنك أشرف من ألف واحدة.
بعدها بأيام، طارق طلب يقابلني برة المخبز في مكان هادي. قعدنا قدام النيل، وكان الهواء بارد بس كلامه كان دافي. بص في عينيا وقال بوضوح
يسرا.. أنا بقالي سنة كاملة بعرفك.. شفت فيكي الجدعنة والنظافة والعفة اللي ما شفتهاش في حد. أنا عايز أتقدم لك وأتجوزك، عايز نبني بيت مع بعض ونبدأ حياة جديدة.
دموعي نزلت غصب عني، ومسكت كوباية الشاي بأيد بتترعش. قلتله بصوت متقطع
طارق.. إنت ما تعرفش عني حاجة.. أنا مش البنت اللي إنت فاكرها.. أنا ليا ماضي لو عرفته ممكن تكرهني وتكره اليوم اللي شفتني فيه.
اتعدل طارق في قعدته وحط إيده على الترابيزة وقالي بثقة وحزم
أنا شايف يسرا اللي قدامي، البنت الشريفة الصابرة الشقية.. مش مهتم بأي ماضي، مهتم بإنتي مين دلوقتي.
رديت بانهيار وأنا بحكي السر اللي كتمته في قلبي سنين
لازم تعرف! أنا اتجوزت وأنا عندي 15 سنة.. وفي الصباحية جوزي رمى هدومي في الشارع وقال للناس كلها إني مش بنوتة وخاينة.. أهلي اتبروا مني ورجموني بالكلام، أمي مسكتني وسكتتني وأنا صغيرة لما راجل قذر هتك طفولتي، ولما كبرت اتظلمت تاني.. أنا هربت وجيت هنا بشنطة هدومي عشان أعيش بس مستورة! إنت تقدر تتحمل تتجوز واحدة الناس قالوا عليها كدة؟
ساد الصمت لثواني كانت بالنسبة لي أطول من دهور. كنت مستنية أشوف علامات القرف أو الصدمة في وشه، مستنية يلم حاجته ويمشي. بس طارق عمل حاجة ما توقعتهاش خالص.
طارق مسح الدمعة اللي نازلة على خدي بوابل من الحنية، وعينيه كانت مليانة غضب على الظلم اللي شفته، ومش عليا أنا.
وقال بنبرة صلبة