ليلة فرح بنتي الوحيده ، نمت ساعتين زمن وشفت حلم غريب شوفتها نفسها تاكل بس معندهاش اسنان ابدا في بقها ، قمت مخضوضه على صوت التليفون اللي بلغني ان بنتي ، وقتها اصريت اوقف على غسلها بنفسي واللي شوفته خلاني فقدت الوعي من الذهول !!! ليلة فرح بنتي ريهام كانت الليلة اللي حلمت بيها العمر كله. أنا أم أرملة، من بعد وفاة جوزي ما حيلتيش في الدنيا غيرها، كبرتها وسهرت عليها ودعيت ربنا يقر عيني بيها. ولما جه عريسها مروان، زميلها في شغلها، راجل مرتاح مادياً، ابن ناس وذوق وأخلاق، وفوق ده كله كان يبان عليه بيحبها وهيه كمان. سنة كاملة خطوبة كان يعاملها بما يرضي الله وما يرفضلهاش طلب. وليلة الفرح… كانت ليلة زي ألف ليلة وليلة، فرح كبير وفخم الكل كان بيحسدنا عليه. ريهام كانت طالعة زي القمر، عروسة ما فيش بأناقتها ولا جمالها، طرحة بيضا وطرحة من الفرحة مغطية على كل حاجة. وصلتها لحد باب شقتها، وسلّمتها للشخص اللي اختارته واطمنت إنها في إيد أمينة. رجعت بيتي الفاضي. صح البيت كان ساكت ويوجع من الفراغ، بس جوايا فرحة متتوصفش؛ أخيراً أديت أمانتي، وبنتي مرتاحة وفي حضن راجل بتحبه ويحبها. دخلت غيرت هدومي، صليت ركعتين شكر لله، ورميت جسمي على من التعب. نمت حوالي ساعتين زمن… بس الساعتين دول كانوا أطول من العمر كله. شفت في نومي كابوس ميتوصفش. شفت بنتي جاية عليّ، لابسة هدوم دبلانة إيه؟ صحيت من الحلم مفزوعة، على صوت التليفون جنب رأسي. بقيت استعيذ بالله وانا مرعوبه و مسكت الموبايل وخوفت اكتر لما لقيت اسم العريس منور على الشاشة. رديت وأنا حاسة بإن قلبي بيتخلع من مكانه. وياريته وقف قبل ما اسمع اللي قاله: “الحقيني يا طنط… بنتك ، إحنا في المستشفى!” انا ولا كنت مستوعبه ولا مصدقه توقف إيه؟ وعضلة إيه؟ كنت بصرخ فيهم زي ، مع الممرضين والدكاترة، بضرب فيهم وبقولهم: “أنتو ! بنتي عايشة، وسعوا من وشي عايزة أشوفها!” أهل العريس مسكوني بالعافية، طلعوني من المستشفى وهما بيبكوا، وأخدوا جثمان بنتي في عربية إسعاف ورجعنا على البيت. في الوقت ده، كان العريس اتصل بأخوالها وأعمامها. البيت اللي كان امبارح مليان زغاريد وأغاني، بقه في لحظة مليان صراخ وصوان وعياط. أعمامها جهزوا كل حاجة ونادوا للمغسلة… أنا كنت قاعدة وسطهم مزهولة، مش قادرة أستوعب. الليلة اللي فاتت كانت عروسة بالفستان الأبيض… ودلوقت بيشترولها أبيض تاني عشان تتكفن بيه؟ بقيت أبص حواليا، للناس اللي داخلة تعزي ولأخواتي اللي بيعيطوا قمت زي فتحت باب أوضة الغسل ودخلت. كان كل شيء طبيعي؛ المغسلة واقفة جنب السرير، والمية النازلة، وبنتي متغطية بملاية بيضا. قربت منها بخطوات تقيلة، قلبي كان بيتقطع ونفسي بس أخدها في حضني مرة أخيرة، أشم ريحتها وأقولها قومي يا حبيبتي ما تسبنيش لوحدي… بس أول ما قربت وشلت الغطا من على وشها ورفعت راسها عشان أحضنها… اللي شوفته بعيني خلاني أقف متسمرة في مكاني. منظر يتعدى حدود العقل …كنت ، كانت مسكت إيد المغسلة بقوة وصرخت وأنا بجز على أسناني نازلة زي النار على وشي: “أوقفي الغسل فوراً! محدش يمس قطرة مية تاني! بنتي… بنتي المغسلة اتخضت ورجعت لورا وهي بحيرة، وأختي، الصدمة مأثرة عليكِ، اتقي الله واستر الميت، جوزها والدكتور أكدوا إنه ومسكت فيا!” عمها مسك مروان من إيده وفجأة لاحظ الخدوش الشديدة اللي في رقبتة وتحت ياقة قميصه، والنظر بين الناس بدأ يتغير من شفقة عليا لشبهة وريبة فيه. أعمامها أدركوا إن المنظر مش طبيعي، وعمها الكبير قال بصوت حاسم: “وقفوا كل حاجة، اتصلوا بالنجدة والشرطة حالاً، وبلاغ للنيابة، الجث\ة مش هتدفن قبل ما الطب الشرعي يشرحها ويشوف علامات الخنق والخدوش دي إيه سرها!” مروان أول ما سمع كلمة “طب شرعي وتشريح” رجله خارت، وبدأ يبص حواليه للباب كأنه يدور على مخرج، بس أعمامها حاصروه ومنعوه يتحرك. خلال نص ساعة، كانت عربيات الشرطة والنيابة ماليين الشارع، والضباط دخلوا المكان وشافوا قبل ما تنام في ترابها. وبدأت التحقيقات في النيابة، وهناك كانت المفاجأة الأولى التي زلزلت الكيان كله… في مقر النيابة، كانت جدران غرفة التحقيق باردة كالثلج، وأنا قاعدة على الكرسي وجسمي كله بيلتعش، مش من الخوف، لكن من القهر والغل اللي بينهش في صدري. أعمامها وأخوالها كانوا واقفين برة، والهدوء المريب يخنق أنفاس المكان، لحد ما دخل وكيل النيابة وبإيده ملف، ووراه طبيب شرعي بملامح جادة. رفع وكيل النيابة رأسه وبصلي بصة مليانة شفقة وحزن، وقال بصوت خفيض: “يا أم ريهام… تقرير الطب الشرعي المبدئي وصل، وبلاغك كان في محله. بنتك الله يرحمها ما ماتتش بسكتة قلبية، التقرير أثبت وجود آثار خنق يدوي على الرقبة، وانسداد تام في المجاري الهوائية، بالإضافة للجلد والأنسجة اللي كانت تحت ضوافرها، وبتحليل الـ DNA المبدئي أثبتت إنها متطابقة مع العينات الأوليّة فرحتها وحرمها مني… بس ليه؟! عملت له إيه؟ ده كان يبان بيحبها ويبوس التراب اللي تمشي عليه!” وكيل النيابة هز رأسه وقال: “هنا المفاجأة الكبرى اللي كشفتها تحريات المباحث وتفتيش شقة الزوجية وفتح تليفونات المتهم…” سكت لحظة، وبص في الملف وكأنه مش مصدق الكلام مكتوب إزاي، وبعدين كمل: “مروان مكانش مرتاح مادياً زي ما فهمكم، ولا رجل أعمال ناجح ولا حاجة. مروان غرقان في ديون شيكات وإيصالات أمانة بملايين الجنيهات لشركاء وتجار خطرين، وكان على وشك السجن وتدمير حياته بالكامل. وقبل الفرح بأسبوعين بس، عمل وثيقة تأمين على حياة ريهام بمبلغ خيالي يغطي كل ديونه ويزيد، وثيقة تدفع للمستفيد -اللي هو هو- في حالة وفاة الزوجة في حادث أو بشكل مفاجئ!” الكلمات نزلت على دماغي زي المرزبة. أغمضت عيني والحلم يرجع يضرب في عقلي تاني… ريهام وهي جاية لي دبلانة، وحاضنة بطنها من الجوع، وبقها فاضي ما فيهوش ولا سن… الجوع في الحلم مكانش جوع أكل، ده كان جوع للأمان! والطعام اللي كان في إيدها ومش عارفة تأكله بأسنانها المفقودة، كان طمع الوحش اللي اتجوزته، اللي حرمها من حياتها وأسنانها اللي بتدافع بيها عشان يأكل هو من دمها ويقضي ديونه! في الوقت ده، اتفتحت باب الغرفة ودخلوا مروان وهو متكلبش بالحديد، حارس من اليمين وحارس من الشمال. كان وشه شاحب زي الأموات، عينيه زي الزجاج المكسور، ويده المعلمة بالخدوش المتغطية بالشاش بتترعش. أول ما عيني جت في عينه، قمت وقفلت عليه الخطوة. كل حزن الدنيا اتحول لوحش جائع للقصاص جوايا. قربت منه، والحراس حاولوا يمسكوني بس وكيل النيابة أشار لهم يسيبوني. خرجت من النيابة وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. الناس كانت بتعزيني وتبارك لي إن الحقيقة بانت، بس أنا ما كانش يهمني غير حاجة واحدة بس… ريهام. رجعت البيت، ودخلت أوضة الغسل تاني، لكن المرة دي المكان كان هادي، وجثمان بنتي كان جاهز ومغسول بأيدي مغسلة ثانية أمينة، ومكفنة بالأبيض الناصع. قربت منها، مسكت إيدها الباردة، وبست رأسها. قلت لها بصوت واطي ودموعي بتنزل على كفنها: “حقك بان يا حبيبتي… السر اللي جيتي تقولهولي في النوم كشفناه، وما خليتش وبعد ساعات، خرجت جنازة ريهام… كانت منطقة كاملة تبكي عليها، اندفنت عروسة السماء تحت التراب. بس القصة ما انتهتش هنا… لأن بعد بأيام قليلة، وأنا قاعدة في بيتي الفاضي وسط ذكرياتها وصورها بفستان الفرح، جالي طرد مقفول على عنوان البيت باسم ريهام، مبعوث من مكتب بريد محلي قبل وفاتها بيوم واحد بس! مسكت الطرد المقفول وإيدي بتترعش زي أوراق الشجر في عاصفة. فتحت الغلاف الورقي المقوى بخوف وذهول، يخرج منه دفتر صغير مذكرات بجلدة سوداء، وجلاشة (فلاش ميموري) صغيرة، ومعاهم ورقة مكتوبة بخط ريهام… خط بنتي اللي أعرفه كويس جداً، بس الكلمات كانت متلخبطة ومكتوبة بسرعة تحت تأثير رعب قعدت على الأرض وركبي مش شيلاني، وقريت الجواب اللي كتبته ريهام قبل وف بساعات قليلة: “أمي الحبيبة… لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا بقيت في مكان أحسن، أو مروان نفذ لوحده، في ناس كبار هما اللي أمروا بالزيجة دي عشان يستغلوا اسم عيلتنا الهادي ويداروا بيه، وهما اللي أمروه يخلص مني أول ما عرف إني اكتشفت سرهم، ووثيقة التأمين كانت مجرد غطاء عشان يهرب هو بالفلوس برة مصر قبل ما يتخلصوا منه هو كمان! الفلاشة دي فيها المظلمة كلها… خديها واجري يا أمي، متأمنيش لحد، حتى أقرب الناس لينا!” جمعت نفسي بالعافية، الدموع جفت في عيني واتحولت لشرار يتطاير. مسكت الفلاشة والمذكرات وضمتهم لصدري. إذن، مروان مكانش الوحيد اللي كتم نفس بنتي وخنقها… كان مجرد أداة تنفيذ لشبكة كبيرة من الوحوش اللي ظنوا إن أم أرملة ومكسورة مش هتكون قادرة تقف في وشهم! ما كملتش ساعتين، ولقيت الباب بيتخبط بصوت مزعج وعنيف هز أركان الشقة. قمت بالراحة، حطيت الفلاشة والمذكرات في جيب جلابيتي الداخلي، وقربت من الباب وبصيت من العين السحرية. كان واقف برة شخصين باين عليهم الصرامة والقسوة، لابسين بدلات رسمية أنيقة جداً، وملامحهم باردة وثابتة زي الصخر. واحد منهم مسك الميكروفون الصغير في إيده ورن الجرس تاني، وتكلم بصوت واطي بس يخوف: “يا أم ريهام… افتحي الباب بالهدوء. إحنا عارفين إن في طرد وصلك النهاردة الصبح. الطرد ده فيه أمانة تخص ناس كبار أوي، حاجات لو فضلت معاكِ مش هتكملي ليلتك دي، وهتحصلي بنتك في نفس التربة قبل ما الصبح يطلع.” أنا في اللحظة دي ما خفتش… الخوف مات في قلبي يوم ما شفت بنتي في حادة وبسرعة وبدون ما يعملوا دوشة للتقلق الجيران! عرفت إن دقيقتين بس ويكونوا جوا الشقة. جيراني في العمارة كانوا ناس طيبين، بس الشارع كان ساكت. جريت فوراً على البلكونة الخلفية اللي بتطل على منور العمارة والشارع الجانبي، ونزلت على سلم الخدمة القديم الخشبي بخطوات سريعة وحذرة، وأنا سامعة صوت كسر الباب الرئيسي للشقة فوقي والرجال بدأت تفتش الشقة وتكسر العفش بجلبه وعنف! نزلت الشارع الجانبي وأنا بتدارى في الضلمة، قلب يسبق رجلي، أتنفس بصعوبة والجلباب بيتلف حوليا. جريت على أقرب شارع رئيسي، وركبت أول تاكسي قابلني، وقلت للريس بصوت مرعوب بس مصمم: “على مبنى الأمن الوطني والنائب العام فوراً يا أستااااذ!” سائق التاكسي بصلي في المراية بذهول لما شاف منظري ودموعي، بس داس بنزين وطار بالعربية. وصلت المبنى ورسيت هناك، وبمجرد ما دخلت وطلبت مقابلة المفتش المسئول، وسلمته الفلاشة والمذكرات وحكيت له على اللي حصل في الشقة والناس اللي بيتي، حالة طوارئ اتعلنت في المبنى كله في أقل من عشر دقائق! شفت ريهام في المنام تانية… بس المرة دي مكانتش دبلانة ولا كان بقها فاضي. كانت لابسة فستان أبيض ينور في الضلمة، أسنانها متراصة كاللؤلؤ، وابتسامتها تملأ وشها، وفي إيدها طبق أكل مليان، وأول ما شافتني قربت مني، باست إيدي وقالتلي بصوت صافي يفيض بالسلام: “شكراً يا أمي… أنا دلوقتي شبعت، ومرتاحة.” صحيت من النوم والدموع مالية عيني، بس المرة دي مكانتش دموع حصرة ولا قهر، كانت دموع راحة وأمل.. شفت بنتي مرتاحة وشبعانة وابتسامتها منورة، وده كان أكبر دليل إن حقها استريح في تربتها. أنا بقيت قاعدة في بيتي الفاضي، بس المكان ما بقاش موحش زي الأول. صورة ريهام وهي بتضحك كعروسة بقت منورة الصالة، وكل ما أبص لها أحس إنها معيا في كل لحظة. وفي يوم من أيام الجمعة المباركة، وأنا قاعدة بقرأ سورة يس وبدعي لبنتي بالرحمة، سمعت جرس الباب يرن. قمت فتحت، لقيت واقف قدامي شاب في الثلاثينات من عمره، ملامحه هادية وبسيطة، ومسك في إيده شنطة ورقية صغيرة وبيصلي في الأرض بأدب. بصيت له باستغراب وقلت له: “أيوه يا بني؟ أؤمر، بتدور على حد؟” الشاب رفع رأسه وبصلي بعيون مليانة تأثر، وقال بصوت خفيض: “حضرتك والدة الشهيدة ريهام؟” قلت له ونبرة صوتي اتغيرت: “أيوه يا بني، أنا أمها.. خير؟ أنت مين؟” اتنهد الشاب وقال: “أنا اسمي كريم يا طنط.. أنا المهندس اللي كان شغال مع ريهام في نفس الشركة. أنا آسف إني جيت لحضرتك بدون ميعاد، بس كان لازم أجيلك.. في أمانة ريهام سابتهالي قبل وفاتها بيومين، وقالتلي لو حصلي أي حاجة، وما قدرتش أرجع الشغل، اسلم الأمانة دي لأمي بأيدك شخصياً ومحدش يعرف عنها حاجة!” قلبي دقاته سارعت، وحسيت إن شريط الذكريات والحلم بيرجع يلف تاني.. أمانة إيه تاني اللي ريهام سابتها عند زميلها؟ ومروان هل كان عارف بالأمانة دي ولا لأ؟! دخلت كريم الصالون، وقعد يفرك إيديه بتوتر، وطلع من الشنطة علبة خشبية صغيرة مقفولة بقفل نحاسي صغير، ومفتاحها المربوط بشرطة حمرا. الدنيا دارت بيّا.. رأسي بقى يلف، الحيطان كأنها بتقرب مني وتخنقني! بنتي الوحيدة عاشت سنتين في جحيم سر مكتوم؟ اتجوزت في السر وسابوها يتحكموا فيها ويهددوها بضناها؟! مسكت كريم من قميصه وصرخت بهستيريا والدموع مغرقة وشي: “أين الطفل؟! ابن بنتي فين يا كريم؟! قولي ضنى بنتي فين؟!” كريم نزل رأسه وقال بصوت خفيض: “الطفل عايش يا طنط.. مروان كان حاطه في دار أيتام خاصة في محافظة تانية تحت اسم مستعار، وبيصرف عليه عشان يضمن إن ريهام تفضل تحت إيديه وما تنطقش بحرف.. والدار دي هي نفسها اللي كانت بتستخدمها الشبكة لغسيل الأموال!” في اللحظة دي، عرفت إن رحلتي ما انتهتش بعد.. وإن بنتي لما جاءت لي في الحلم وهي حاضنة بطنها ومكسورة، مكانتش بس بتقولي على خنقها… كانت بتصرخ وتقولي: “احمي ابنـي يا أمي.. انقذي ضنايا من بين إيديهم!” طوال الطريق إلى تلك القرية النائية، كانت ضربات قلبي تتسابق مع سرعة الميكروباص المتهالك الذي يستحث السير وسط طرق ترابية مظلمة. العلبة الخشبية كانت بين أحضاني، أعتصرها بقوة كأنها الجزء المتبقي من روح ريهام. كان كريم يجلس بجواري، وعيناه تترقبان الطريق بوجل وتركيز، بينما هاتف المفتش في جيبه مفتوحٌ على خط ساخن مع قوة الدعم التي حصن منيع يحجب ما بداخلها عن أعين العالم. المزرعة كانت تبدو من الخارج ، لكن الضوء الخافت المنبعث من نوافذ الملحق الداخلي والأصوات المكتومة للسيارات القادمة من الخلف تؤكد أن المكان يعج بالحركة والأسرار. وقف كريم بالميكروباص على مسافة آمنة بين الأشجار الكثيفة، ونظر إليّ بقلغ: “يا طنط، القوة الأمنية على بعد دقائق، الأفضل ننتظر هنا لحد ما يقتحموا المكان.” نظرت إليه بصرامة وصوت خرج من أعماق ألمي: “مش هقدر أقعد ثانية واحدة يا كريم وده الساعات الأخيرة اللي ممكن ابن بنتي يضيع فيها! لو أحسوا بقدوم الشرطة ممكن يهربوا بيه أو يؤذوه.. أنا هدخل بصفتي ست كبيرة غريبة بتدور على مساعدة، وأنت ادخل ورايا من السور الخلفي زي ما اتفقنا.” ترجلت من السيارة، بخطوات ثقيلة ولكن متماسكة. اقتربت من البوابة الحديدية الضخمة للمزرعة، وضغطت على الجرس القريب. بعد لحظات، فتح شباك صغير في البوابة، وظهر وجه رجل جهم الملامح، تتطاير من عينيه الشكوك والشر. صرخ بحدة: “أنتِ مين يا ست أنتِ؟! وجاية هنا في وقت زي ده تعملي إيه؟ المكان ده ملكية خاصة!” تظاهرت بالضعف والانكسار، وانحنيت كأنني امرأة عجوز أضلت طريقها في الظلام: “يا بني الحقني، العربية عطلت بينا على الطريق الرئيسي وسبت ابني بيحاول يصلحها وجيت أدور على مية أو حد يساعدنا.. أرجوك يا بني أنا ست كبيرة ورجلي مش شيلاني.” نظر الرجل إليّ بقلة صبر، ثم التفت للداخل وكلم شخصاً آخر بصوت خفيض، وقبل أن يرد، سمعت صوت بكاء طفل صغير يأتي من أعماق الملحق الداخلي… بكاء خافت ومتقطع ينبض بالخوف والوحدة! في تلك اللحظة، لم تعد هناك رحمة أو انتظار في جسدي. لم تكن هذه مجرد صرخة طفل غريب، كانت صرخة ابن ريهام، صرخة الجينات التي تجري في دمي! زقيت البوابة بقوة غير متوقعة المكان قبل أن يستوعب الرجل الحارس. صرخ فيّ وحاول إمساكي، لكن في تلك اللحظة بالضبط، قفز كريم من أعلى السور الجانبي واشتبك معه ليفتح لي الطريق! جريت في الممر المؤدي للملحق الداخلي، وأنا أصرخ بأعلى صوتي: “يا يونس! يا ابن ريهام! أنا تيتة يا حبيبي.. أنا جيتلك!” فتحت باب الملحق بقوة، لأجد أمامي مشهداً يقشعر له الأبدان: صالة واسعة مليئة بصناديق خشبية وأجهزة اتصالات حديثة، وامرأة قاسية الملامح تصطحب طفلاً صغيراً في الثانية من عمره، تحاول إغلاق فمه بقطعة قماش وإدخاله عبر باب خلفي يؤدي لسيارة دفع رباعي مشغلة ومستعدة للهرب! الطفل أول ما رآني، رغم أنه لم يعرفني من قبل، صرخ بصوت هز جدران المكان: “ماما! ماما!” كان الشبه بينه وبين ريهام قاتلاً… نفس العيون الواسعة، نفس الملامح البريئة، ونفس البكاء الذي رأيته في حلمي وفجأة، تحشمت الأبواب الزجاجية للمزرعة، وانطلقت صيحات التحذير وأصوات أجهزة اللاسلكي تعلو في كل مكان، بعد أن قوات الأمن الوطني والعمليات الخاصة المزرعة من كل الاتجاهات! انطلقت أعيرة نارية في الهواء، وسقطت المرأة على الأرض بعد أن حاصرها الضباط وسيطروا على سلا\حها في ثوانٍ معدودة. ارتميت على الأرض، وأخذت الطفل الصغير بين أحضاني. ضممته لصدري بكل ما فيّ من شوق وحرمان وحب.. غطيت وجهه بدموعي وبوساتي، وهو يتشبث بجلابيتي ويبكي باشتياق وكأنه وجد الأمان الذي حرم منه منذ ولادته. المفتش دخل الملحق وهو ، تنفس الصعداء وقال بصوت ملؤه التأثر: “الحمد لله على سلامتكم يا أم ريهام.. يونس في أمان خلاص، والمزرعة دي كانت المقر الأخير لغسيل أموال وإخفاء الأدلة للشبكة بالكامل.” رفعت رأسي ونظرت إلى وجه الطفل الصغير، ثم نظرت إلى السماء… شعرت في تلك اللحظة بنسيم دافئ يلامس وجهي، وكأن روح ريهام تحوم حولنا، تبتسم بسلام وتطير نحو السماء بعد أن أنقذنا طفلها وأعدنا الحق لنصابه. لكن، وأنا أحتضن يونس وأخرج به إلى ساحة المزرعة وسط حراسة الشرطة، اقترب مني المفتش وقدم لي مظروفاً أصفر مغلقاً تم العثور عليه داخل الخزينة السرية للمزرعة… وقال بنبرة صدمة جديدة: “يا أم ريهام… الأوراق دي كانت مجدولة باسم بنتك ريهام… وفيها وثيقة تنازل غريبة جداً مكتوبة باسم شخص ثاني غير مروان، شخص من أفراد عيلتكم أنتم!” تجمّد الدم في عروقي، وشعرت برعشة تسري في كل جسدي وأنا أسمع كلمات المفتش. “من عيلتنا إحنا؟!” رددت الجملة بصوت مبحوح لا يكاد يُسمع، وأنا أحتضن يونس بكل قوتي وكأنني أحميه من أشباح لا تراها إلا عيني. سحبت المظروف الأصفر من يد المفتش بإيدين بتترعش. كان المظروف ثقيلاً، ومختوماً بشمع أحمر قديم. فتحته ببطء شديد وسط حراسة ضباط العمليات الخاصة، واستخرجت الأوراق التي كانت بالداخل. كانت الورقة الأولى عبارة عن وثيقة تنازل رسمية عن نصف ممتلكات وأراضي والدي -رحمه الله- ومبنى السكن الذي أعيش فيه، المكتوب باسم ريهام منذ صغرها! والاسم المكتوب في خانة المتنازَل له… كان عمها الكبير! “عبد الجواد”! عمها عبد الجواد… الرجل الذي كان يبكي في العزاء بحرقة، والذي صرخ في وجهي يوم وفاتها وقال لي “استهدي بالله واستر الميت وسيبك من الجنان!”.. الرجل الذي كان يمسك مروان ويحاول تهدئة الأمور ليتم الدفن بسرعة وبدون شوشرة! الغل والحسرة أكلوا صدري، بس في نفس اللحظة حسيت بقوة جبارة تملأ قلبي. احتضنت يونس، وبست رأسه، وقلت للمفتش بنبرة صلبة كالحديد: “عبد الجواد لازم يتقبض عليه فوراً، ولازم يتربى في القفص جنب مروان وباقي العصابة!” في نفس الليلة، وصدرت أوامر فورية من النائب العام بضبط وإحضار عبد الجواد. داهمت القوات بيته في منتصف الليل، وجرّوه بالكلابشات أمام جيرانه وأولاده، وهو يصرخ ويتوسل ويحاول الإنكار، حتى واجهته النيابة بالأوراق والوثائق المضبوطة في المزرعة، ومواجهة مروان له في اللي يتمك وداس على شرفك لكن… في ليلة الجلسة الختامية الحاسمة للطق بالحكمزوجته وحرم طفله من أمه. أما عبد الجواد، فقد سِيقَ في الصباح الباكر إلى قاعة المحكمة تحت حراسة مشددة. كان وججهه أحمر وشاحباً، وجسده يرتجف كالورق اليابس في الريح. جلس في قفص الاتهام وحيداً بعد شريكه، وكانت نظرات الحاضرين في القاعة تحاصره كالسياط. وقفتُ في الصف الأول، أرتدي ثوبي الأسود، ومسكة بيد يونس الصغير الذي كان ينظر حوله بفضول وبراءة، متمسكاً بيدي بكل قوة. اعتلى القاضي الخشبة، ودق بمطرقته ثلاث دقات هزت جنبات القاعة، ثم قرأ الحيثيات الحاسمة: “بعد الاطلاع على كافة الأوراق، وما ثبت قطعيًا من صيحات التكبير والعدالة شقت صمت القاعة، بينما سقط عبد الجواد مغشياً عليه داخل القفص، ليتذوق مرارة الذل قبل تنفيذ القصاص. خرجت من المحكمة وأنا أحمل يونس بين ذراعي. كانت في المساء، ذهبت إلى المقابر، ووقفت أمام قبر ريهام. وضعت يدي على التراب الندي، وجعلت يونس يلمس التراب بيده الصغيرة، وقرأت لها سورة الفاتحة بصوت ناعم يفيض وفي تلك الليلة، نمتُ لول مرة منذ سنوات طويلة بنوم عميق وهادئ. قربت مني ريهام، واستلمت يونس من إيدي، وقبلت رأسي وقالتلي بصوت ينبض بالحب والنور: “شكراً يا أمي… أنا دلوقتي استريحت، وأنتِ أديتِ الأمانة وزيادة.” اختفت الصور في نور أبيض دافئ، واستيقظتُ على صوت أذان الفجر، وأنا أشعر أن قلبي ملئ بالسلام، وأن طفل ريهام هو النبتة الصالحة التي سترعى عمري القادم. تمت