العشق
العشق
وقفتِ مكانك كأن الأرض اتسمرت تحت رجليكي. الصوت اللي كان بيهز الحارة كلها ، والخطوات الثقيلة اللي خلّت الناس تقفل الشيش وتستخبى ورا الستاير، كانت بتقرب منك أنتِ بالذات. العربيات السوداء الضخمة كانت سادة مدخل الشارع الضيق، ورجالته الحراسة واقفين ببدلهم ووشوشهم الخالية من أي رحمة يراقبوا الأسطح والشبابيك. بس هو.. هو ما كانش شايف أي حد في الشارع غيرك.
كان واقف على بعد خطوة واحدة بس. ريحة البرفان الفخم الممزوجة بريحة العز والقسوة كانت مالية المكان، طيرت ريحة التراب والبخور اللاتيني اللي متعودة عليه الحارة. شعره الرمادي الغامق المشدود لورا، والوشوم اللي طالعة من تحت لياقة القميص الأسود وممتدة على رقبة حادة وعريضة، كل حاجة فيه كانت بتصرخ إنه مبقاش الولد بتاع زمان اللي كان بيقاسمك رغيف العيش الحاف. بقى راجل بيحرك البلد بكلمة، راجل لو أشر بإيده ممكن يهد بيوت ويخفي ناس.
بس لما عينيكي التقت بعينيه، حسيتِ بشيء مرعب؛ القسوة اللي كانت مغطية وشه ذابت في ثانية واحدة بس لما بصلك، وحل محلها نفس الهوس اللي سابه زمان وهو ماشي، بس المرة دي كان أعنف، أعمق، وكأنه انحفر جوا قلبه على مدار السنين اللي فاتت.
كريم مال عليكي شوية، ونبرة صوته لما اتكلم كانت واطية، رخيمة، وفيها بحة تخلي الجسم يقشعر. بص في عينك بثبات وقال: “فاكرة لما قلتلك تعالي معايا ورفضتِ؟ فاكرة لما سبتيني أمتشي لوحدي في السكة دي؟”.
أنتِ بلعتِ ريقك بالعافية، لسانك اتعقد وما كنتيش عارفة تنطقي ولا كلمة. جسمك كان بيترعش من الهيبة والموقف، وكأنك واقفة قدام شبح راجع من الماضي بس في صورة ملك الموت.
كمل كريم وهو بيحط إيده ببطء شديد على كتفك، لمسة دافية وثقيلة في نفس الوقت، صوابعه اللي متغشية بوشوم سوداء كانت حاسة بكل رشة في جسمك. ابتسم ابتسامة خفيفة جداً، خالية من أي أمل لكي في الهروب، وقال بصوت حاسم كأنه حكم مفيش فيه نقاش: “المرة دي يا سما.. أنا مش هسألك. ومش هسيبك تختاري. أنتِ راجعة معايا، والبيت ده والحارة دي خلاص.. بقوا تاريخ”.
التفت لرجاله اللي واقفين وراه كأنهم تماثيل، وأشر بإيده إشارة واحدة خفيفة من غير ما يبصليها. في ثانية، اتحركوا اتنين من الحراسة وفتحوا باب العربية الجيب الفخمة اللي واقفة على راس الشارع. بص لك كريم تاني، وبنظرة مليانة تملك وإصرار لا يمكن كسره، مسك إيدك بقوة بس من غير ما يؤذيكي، وبدأ يسحبك معاه باتجاه العربيات.. والسؤال الوحيد اللي كان بيلف في دماغك وأنتِ ماشية جنبه ومذهولة: يا ترى كريم راجع ينقذك من الفقر اللي هرب منه، ولا راجع يسحبك معاه لقلب الجحيم اللي عايش فيه؟خطواته كانت ثقيلة ومحسوبة، كأن الأرض تحت جزمته الفخمة بتستسلم لهيبته. إيده اللي مسكت إيدك كانت دافية بشكل يخوف، قوية بس ناعمة، مفيهاش آثار الشقا بتاع زمان، بس فيها بصمة السيطرة والتحكم. أنتِ كنتِ بتتحركي معاه زي العروة المربوطة بخيط، مش قادرة تقاومي السحر المرعب اللي طالع منه، ولا قادرة تستوعبي إن الولد اللي كان بينام على الرصيف جنبك زمان، بقى يمشّي الحارة كلها على عجين مابيلخبطوش.
الناس من ورا الشيش كانوا بيبصوا بزهول وخوف، الهمس كان مالي البيوت المتقاربة: “ده كريم.. كريم رجع! بس طالع شكله عامل كده ليه؟.. يا ساتر يا رب، دي سما ضاعت خلاويص!”
أول ما وصلتم للعربية الجيب، الحارس فتح الباب الفاميه بكل احترام وهز رأسه لأسفل. كريم بصلك بحدية ساحرة، ونبرة صوته كانت أوردر مش مجرد عزومة: “اركبي يا سما.. الحارة دي خلاص مبقتش مقامك، ولا مكانك”.
ركبتِ وأنتِ جسمك كله بيترعش، الباب اتقفل وراكي بصوت مكتوم عزلك تماماً عن صوت الشارع والأرض اللي اتولدتِ عليها. كريم قعد جنبك في الكنبة الخلفية الواسعة، التكييف كان ساقح وريحة الجلد الفخم مالي المكان. العربية اتتحركت بموكب كامل، ثلاث عربيات سوداء قدام وثلاثة ورا، وكأن الرئيس نفسه هو اللي ماشى في الشارع.
ساد السكوت جوة العربية لثواني، سكوت تقيل يخنق. أنتِ كنتِ باصة على إيديه المتغطية بوشوم الغراب والأشكال الهندسية الغريبة، والقميص الأسود المفتوح منه أول زرارين المبيّن جزء من جرح قديم طولي على صدره.
كريم لاحظ نظراتك، لف وشه ليكي، وعينيه الرمادية كانت مركزة على وشك كأنه بيمسح ملامحك وياخد منها تار السنين اللي فاتت.
“خايفة مني؟” سأل بصوت هادي جداً، بس النبرة كان فيها ثقة تخض.
أنتِ بلعتِ ريقك بالعافية وتكلمتِ بصوت مهزوز: “أنت بقيت حد تاني يا كريم.. أنا مش عارفة الراجل اللي قاعد جنبي ده. أنت سبت الحارة زمان عشان تدور على نفسك، راجع دلوقتي ليه؟ وعايز مني إيه؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها كمية وجع وقسوة متقاطعين سوا، وقرب منك لدرجة إن أنفاسه لمت خدك: “أنا مسبتش الحارة عشان أدوّر على نفسي يا سما.. أنا سبتها عشان أعمل القرش والقوة اللي تخيلني آخدك وأحميكي من الدنيا كلها. زمان كنت عيل فاشل ومحيلتيش لقمة، ولو كنت فضلت كان الفقر هيفترسنا إحنا الاتنين. دلوقتي أنا بقيت أنا.. الراجل اللي مفيش مخلوق يقدر يقف قدامه، والمرة دي أنا مش جاي أستأذنك.. أنا جاي آخد حقي اللي سيبته أمانة عند السنين”.
العربية كانت بطير بيكوا على الطريق الصحراوي، أضواء القاهرة بتجري ورا الزجاج الأسود، وأنتِ حاسة إنك بتتسحبي لعالم مليان بالغموض، الدم، والنفوذ.. عالم كريم هو الملك فيه، وأنتِ بقيتِ الأسرية بتاعته من غير ما تحسي.العربية كملت طريقها لحد ما وقفت قدام بوابة حديد ضخمة لقصر معزول على أطراف الصحرا. البوابة اتفتحت تلقائيًا ورجالة الحراسة واقفين طابور منتظم بيضربوا تعظيم سلام. المكان من جوة كان يرهب؛ فخامة مرعبة، رخام أسود، وإضاءة خافية بتعكس هيبة وسلطة مش لشخص عادي، دي سلطة ملك غير متوج في عالم الظلام.
كريم نزل من العربية وفتحلك الباب بنفسه. مسك إيدك بتملك وحنان مناقض تمامًا لشخصيته، ومشيكي جنبه جوة القصر وهو مش سايب صوابعك لحظة واحدة. كل خطوة كانت بتاخدك أعمق جوة عالمه، وكل ركن كان بيصرخ إنك بقيتي جوة مملكته خلاص.
أول ما الباب الخشبي الضخم للقصر اتقفل وراكم بصوت تقيل أعلن نهاية حياتك القديمة، كريم لف ليكي وبصلك بعيون مليانة هوس وشوق سنين مكتوم. قرب منك لحد ما بقى بينك وبينه سنتيمترات بسيطة، وحط إيده على خدك بنعومة تخوف.
“أنتِ هنا في أمان يا سما.. محدش يقدر يلمس شعرة منك ولا يرفع عينه فيكي. أنتِ ملكي، وزي ما قدرت أهد الدنيا وأبني اسمي من العدم عشان أوصل للمكانة دي.. مستعد أهد الدنيا كلها تاني لو حد فكر ياخدك مني.”
أنتِ بصلتِ في عينيه بثبات اختلط بالرهبة، وسألتيه بصوت مبحوح: “ولو رفضت يعيش في القفص ده يا كريم؟ ولو رفضت أكون جزء من عالمك الدموي ده؟”
ابتسم ابتسامة هادية جداً، ابتسامة راجل عارف إنه خلاص كسب اللعبة ومفيش خطوة للرجوع، ومال على ودنك وهامس بنبرة حاسمة هزت كيانك:
“الرفض مابقاش خيار يا سما.. أنتِ هتعيشي معايا، وهتحبيني من تاني زي زمان، حتى لو اضطريت أغير شكل العالم ده كله عشان يناسبك.. أنتِ بقيتي أسيـرة قلبي، والخروج من هنا.. مش مطروح.”