في المطار
في المطار
في المطار، بنتي فريدة اللي عندها تسع سنين فتحت حافظة جواز السفر ولقتها فاضية.
من ورا ظهرنا، حماتي ميرفت ابتسمت وكأنها كانت مستنية اللحظة دي بالظبط، وقالت: “يمكن ده يعلمها الأدب والاحترام بقى وتعرف قيمتنا”. روّحت بنتي البيت وهي عمالة تعيط في صمت في الكنبة الورانية في العربية. بس بالليل، صورة واحدة من دبي كشفت الحقيقة كلها. ولما جوزي كريم، اللي مبيتكتمش على
حاجة عادةً وبيمشي جنب الحيط، فتح الحسابات البنكية بتاعة
العيلة، بطل يدافع عن أمه لأول مرة في حياته.
فسحة بنتي انتهت قبل ما تبدأ، تحت أنوار المطار الشديدة، وهي ماسكة حافظة الجواز فاضية وإيديها بتترعش. فريدة كان عندها تسع سنين بس، والليلة اللي قبل السفر جهزت شنطة ظهرها الصغيرة بنفسها عشان كانت عايزة تثبت لنا إنها “بقت كبيرة ومسؤولة”.
قعدنا خمس شهور بنخطط لرحلة العيلة لدبي، وكنا مجهزين لبس طقم، وتسالي للسفر، ونتيجة بنشطب فيها على الأيام اللي باقية مرسوم عليها نخل بنفسجي ومتعلقة على الثلاجة. فريدة كانت بتتكلم عن السفرية دي كل يوم، وفجأة موظفة الطيران طلبت تشوف جواز سفرها.
فريدة فتحت الحافظة.. كانت فاضية!
همست بصوت مخنوق والدموع في عينيها: “ماما، كان هنا والله.. أنا متأكدة إنه كان هنا”. قلبت الدنيا عليه؛ في كل جيب، كل سوستة، شنطتها، شنطة إيدي، الشنط الصغيرة، وحتى كل هدومنا المطبقة. الجواز ملوش أي أثر.
وعلى بعد كام خطوة مننا، كانت حماتي ميرفت واقفة وعلى وشها ابتسامة خبيثة.. نفس الضحكة الصفرا اللي بتضحكها لما حد بيتحط في موقف محرج أو بيتبهدل. موظفة المطار كلمتنا بهدوء ولطف، بس قالت إن من غير الجواز، فريدة مش هتعرف تركب الطيارة.
بنتي انهارت من العياط في لحظتها وقالت: “أنا مضيعتوش.. والله العظيم ما ضيعته”. أخدتها في حضني وهمستلها: “أنا مصدقاكي يا حبيبتي، مش محتاجة تتأسفي”.
ميرفت قربت واتنهدت تنهيدة تمنظر وقالت: “يا عيني.. يمكن دي تكون فرصة عشان تتعلم إزاي تاخد بالها من حاجتها المهمة بعد كده”.
لفيت وبصيتلها بحدة: “مش وقته خالص يا طنط ميرفت”.
جوزها عم صلاح ربع إيده وقال: “بس يعني مش ذنب بقية العيلة تضيع عليها السفرية كلها عشان طفلة مهملة”.
وبعدها أخت جوزي، جيهان، قالت: “طب ما تسافري معانا إنتي يا طنط؟ وكريم ممكن يجيب فريدة ويحصلنا بعدين لما يتصرف”.
فريدة سمعت كل كلمة اتقالت، وبصتلي والدموع مغرقة وشها، وكأنها مستنية تشوف لو كنت هسيبها وأمشي فعلاً. شيلت شنطتها وقلت: “احنا راجعين البيت”.
روايات رولا
طريق الرجوع كان يقهر. فريدة عيطت لحد ما دموعها نشفت، وبعدها فضلت قاعدة ساكتة ورا وهي حاضنة الدبدوب بتاعها جامد، وكل كام دقيقة تهمس: “أنا آسفة”.
لما وصلنا، اترمت على الكنبة وشدت عليها البطانية. قلتلها: “إنتي مش غلطانة في حاجة يا حبيبتي”.
”بس أنا بوظت السفرية على الكل”.
”لأ”، قلتلها بحسم. “في حاجة غلط حصلت لجواز سفرك، وهنعرف إيه هي”.
جوزي، كريم، رجع البيت بعد الساعة ستة بشوية. وأول ما شاف فريدة نايمة على الكنبة وعينيها منفوخة من العياط وحاضنة الدبدوب بتاعها، ملامح وشه اتقلبت تماماً. حكيتله كل اللي حصل بالتفصيل؛ الجواز الضايع، كلام أمه، إصرار أبوه إن الباقيين يسافروا، واقتراح جيهان إننا نسيب فريدة، والساعات اللي بنتنا قضتها بتلوم في نفسها على ذنب هي متأكدة إنها معملتوش.
كريم قعد جنبها وشال الشعر من على وشها بحنية. لسنين، كان بيفضل ساكت كل ما ميرفت تعدي حدودها وتتدخل. ربيته إنه يكون الابن المطيع والمحترم، الابن اللي بيشيل المسؤولية، اللي بيحل كل المشاكل ومن غير ما يشتكي أبداً. في نفس الوقت اللي كانوا بيعاملوا فيه جيهان على إنها البنت المدللة المفضلة، وكريم كان بالنسبة لهم مجرد “حساب طوارئ” للعيلة؛ هو اللي بيدفع فواتير التليفون، وفيزا المشتريات، وإيجار الشقة، ومصاريف السفر، والقروض “المؤقتة” اللي عمرها ما رجعت. ميرفت كانت بتسمي ده “سند العيلة”، وأنا كنت بسميه “سيطرة وتحكم”.
بالليل، بعد ما فريدة نامت أخيراً في أوضتها، تليفوني رن بصوت رسالة. كانت صورة جديدة مبعوتة على جروب العيلة على الواتساب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فتحتها.. جواز سفر فريدة كان مرمي على السرير في أوضة الفندق في دبي! وتحت الصورة رسالة مكتوب فيها: “بصوا لقينا إيه! كان جوة شنطة تيتة.. شكلها أخدته معاها بالغلط وهي بتلم حاجتها”.
لثواني، نفسي اتكتم ومبقتش قادرة أتنفس. كريم سحب التليفون من إيدي وفضل مبحلق في الصورة، وبعدها اتصل بأمه فوراً.
ميرفت ردت بكل برود وفرحة: “أهلاً يا حبيبي، هتيجوا بكرة؟ الأوتيل هنا يجنن”.
كريم اتكلم بصوت هادي ومرعب: “أمي، جواز سفر فريدة بيعمل إيه في شنطتك؟”
الخط هدي خالص لثواني، بعدها ميرفت اتنهدت وقالت: “يعني.. يمكن دلوقتي تفهم وتتعلم الأدب”.
كريم وقف في مكانه ومتحركش: “أفهم إيه بالظبط؟”
”هي عارفة كويس هي عملت إيه”.
قربت منه وقلتله: “خليها تشرح وتوضح”.
كريم كرر السؤال تاني، فصوت ميرفت بقى ناشف وقاسي: “رفضت تحضني وتسلم عليا وتقرب مني.. أنا مش هسمح لحتة عيلة صغيرة تقلل من احترامي قدام الكل”.
الأوضة كلها سكتت. فريدة أوقات مكنتش بترتاح للسلام بالأحضان والتقريب الجسدي، واحنا علمناها إن من حقها تقول “لأ، شكراً” لو مش حابة حد يلمسها، وده كل اللي البنت عملته بالظبط.. رفضت الحضن بكل أدب. وعشان كدة، ميرفت خبت جواز سفرها، ووقفت تتفرج على رعبها وانهيارها في المطار، وسابت الكل يلومها ويقسي عليها.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
كريم مرفعش صوته خالص. بص بس ناحية الطرقة اللي فيها أوضة فريدة، وقفل السكة.
فضل ساكت لثواني ومقالش ولا كلمة، بعدها فتح اللاب توب بتاعه ودخل على الحسابات البنكية بتاعة العيلة، وبدأ يراجع سنين من الفلوس والتحويلات اللي دفعها ليهم: فواتير الفيزا، باقات التليفونات، مصاريف الشقة، قسط التمويل العقاري، والتحويلات السريعة بتاعة الطوارئ. كل قرش كانت ميرفت بتستغله عشان تفضل مكلبشاه ماديًا وعاطفيًا.
كريم بصلي بملامح هادية وباردة عمري ما شفتها فيه قبل كده، وقال: “هي كانت عايزة تعلم فريدة الاحترام؟”
وراح ضاغط على الماوس ولغى أول عملية دفع تلقائي وقال: “تمام.. من بكرة، هي اللي هتتعلم يعني إيه عواقب”.
الجزء الثاني:
فريدة طول عمرها كانت حساسة ناحية أي لمس مفاجئ، واحنا علمناها إن من حقها تقول بكل أدب “لأ، شكراً” وتكتفي بإنها تشاور بإيدها بس.
ميرفت سرقت جواز سفرها عشان البنت رفضت تحضنها!
كريم قالها وهو مصدوم: “إنتي عملتي كده قاصدة!”
ميرفت ردت ببرود: “إنتوا مدلعين البنت دي زيادة عن اللزوم، ومخلينها متمردة ومبتسمعش الكلام”.
كريم قفل السكة في وشها من غير ولا كلمة.. وبعدها فتح الحسابات البنكية بتاعتنا.
سنين من التحويلات والمبالغ ظهرت قدامنا على الشاشة؛ فواتير تليفونات، فيزا مشتريات، مصاريف سكن، وفلوس لجيهان أخته. في آخر 12 شهر بس، كنا دافعيلهم 28,740 دولار (أو ما يعادلها)!
المبلغ ده كان كفيل يعمل لفريدة تقويم الأسنان اللي محتاجاه، ويدخلها المعسكر الصيفي اللي كان نفسها فيه، ويحوشلنا قرشين للزمن كنا دايماً بنفشل نحوشهم.
كريم فضل مبحلق في الرقم الإجمالي، وقال بحسم: “لحد هنا وبس”.
وفي لحظتها، لغى كل عمليات الدفع التلقائي، وشال ميرفت من باقة التليفون بتاعتنا، وجمد الفيزا اللي كانت بتستخدمها وبتسحب منها براحتها.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
تليفونه مبطلش رن من وقتها.. بس هو طنش تماماً ومردش.
لأول مرة في حياتي، أشوف جوزي مش في صورة الابن الخايف من أمه.. لأول مرة أشوفه في صورة الأب الحقيقي اللي بيحمي بنته وبيجيب حقها.
الجزء الثالث والأخير:
تاني يوم الصبح، البيت كان هادي بس مشدود.
فريدة صحيت مكسورة وخايفة، بس كريم أخدها في حضنه وقالها: “يا فريدة، إنتي مغلطتيش في أي حاجة.. جواز سفرك كان مع تيتة وهي اللي أخدته، وجبنا حقك خلاص”. البنت ملامحها نورت لأول مرة وبدأت تصدق إنها مش السبب في بوظان السفرية.
على الضهر، التليفونات بدأت تتجنن.
ميرفت وجيهان وعم صلاح اكتشفوا في دبي إن الفيزا اتجمدت، وباقات التليفون والنت اتفصلت، وعمليات الدفع التلقائي لإيجار شقتهم وفواتيرهم كلها وقفت.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رنة ورا رنة وكريم رافض يرد، لحد ما بعت رسالة واحدة على جروب العيلة كتب فيها: