دفتر أبوي الاسود حكايات شروق خالد ١
دفتر أبوي الاسود حكايات شروق خالد ١
كنت رايح للشقة رقم 4B وأنا ناوي أطرد الست اللي ساكنة فيها، عشان بقالها تلات شهور مش دافعة الإيجار. لكن بدل ما ألاقي ست مستعدة تتخانق أو تتوسل، فتحتلي الباب بنت صغيرة عندها سبع سنين، وأطراف صوابعها عليها دم. وبعدها رجعت على طول لماكينة الخياطة، عشان أمها المريضة كانت محتاجة الدوا.
كنت فاكر إني خلاص شوفت كل حاجة في الدنيا، ومفيش حاجة ممكن تفاجئني.
لحد ما سمعت صوت من ورا باب أوضة النوم، بيناديني بالاسم الوحيد اللي محدش ناداني بيه بقاله تلاتين سنة.
اسمي حسن.
وفي القاهرة، الناس كانت عارفة كويس إيه اللي بيحصل لما حد يتأخر في فلوسه معايا.
كنت بمتلك مطاعم، وكافيهات، وعمارات سكنية، وكام مشروع تاني مكنتش بحب اسمي يظهر فيهم بشكل رسمي.
وعشان كده، لما الشقة رقم 4B اتأخرت في الإيجار تلات شهور، قررت أروح بنفسي.
طلعت وخبطت على الباب خبط جامد.
سمعت خطوات صغيرة بتقرب.
وبعد ثواني، الباب اتفتح.
بنت صغيرة وقفت قدامي.
كان شكلها حوالي سبع سنين، شعرها بني منكوش، ولابسة هدوم قديمة وباينة عليها آثار التعب. وأطراف صوابعها كان عليها نقط دم صغيرة.
بصيتلها وقلت:
“فين مامتك؟”
ردت بصوت هادي:
“تعبانة.”
دخلت جوه.
لقيت زجاجات أدوية كتير فوق الترابيزة، والتلاجة تقريبًا مفيهاش حاجة. جنب الشباك كانت فيه ماكينة خياطة قديمة.
سألتها:
“اسمك إيه؟”
قالت:
“بسمة.”
بصيت حواليّ وبعدين سألتها:
“وفلوس الإيجار؟”
اختفت كام لحظة، وبعدها رجعت وهي ماسكة ظرف متبهدل.
فتحته.
كان جواه تلاتة وأربعين جنيه بس.
بصيتلها باستغراب.
قالت بسرعة:
“أنا هكمّل الباقي.”
بصيت لها.
“إنتِ؟”
هزت راسها، وأشارت لماكينة الخياطة.
“أنا بخيط حاجات للناس اللي ساكنين تحت.”
راحت قعدت قدام الماكينة، وحطت رجليها الصغيرين على الدواسة، وبدأت تخيط وهي بالكاد قادرة تفتح عينيها من التعب.
وفجأة، الإبرة دخلت في صباعها.
شهقت من الوجع.
بصت لصباعها، ومسحت الدم بسرعة.
ورجعت تكمل خياطة.
قلت لها بحزم:
“وقفي.”
ردت من غير ما تبصلي:
“مينفعش.”
سألتها:
“ليه؟”
قالت:
“ماما محتاجة الدوا.”
ساعتها حسيت بحاجة غريبة جوايا.
أنا شفت رجالة كبار بيتوسلوا قدامي، وشفت ناس بتعيط عشان فلوس، وعمر الموضوع ده ما حرّك فيا حاجة.
لكن فجأة افتكرت نفسي وأنا صغير.
افتكرت أمي، وفاكرة قد إيه كانت بتقعد قدام ماكينة الخياطة لحد نص الليل، تخيط هدوم للناس، وبعدها تقعد تعد الفلوس اللي في إيدها وهي عارفة إنها مش هتكفي.