مرات اخو جوزي استخدمت بيت جدتي ٢

مرات اخو جوزي استخدمت بيت جدتي ٢

نزلت من العمارة والدم في عروقي بيغلي، بس غليان هادي ومحسوب، من النوع اللي يخليك تقيس كل خطوة بميزان دهب. الشارع كان زحمة، وصوت الكلاكسات والدوشة حاسة إنهم في عالم تاني بعيد عني. ركبت عربيتي، حطيت الشنطة جنب على الكرسي، ودورت المحرك. التليفون كان عمال يرن ويكركب في الشنطة.. نغمات متواصلة من أحمد، وأمه، وأرقام تانية مجهولة واضح إنها من قرايبهم اللي بدأوا يصحوا على المهزلة اللي نزلت على الجروب.
عملت للتليفون كله صامت. مش وقتكوا خالص. الوقت ده وقت الفعل، ومش وقت الرغي الفارغ.
مسكت الطريق الصحراوي وأنا ضاغطة على دواسة البنزين. الطريق لبيت البحيرة كان حافظه عقلي قبل عينيا. كم مرة مشيت الطريق ده وأنا صغيرة مع بابا وماما عشان نروح نقضي الويك إند مع جدتي؟ كم مرة كبرت وأنا بشوف الشجر على جانبي الطريق وبيزيد شغفي إني أوصل للبيت اللي برتاح فيه من هري الدنيا؟ البيت ده كان الملجأ الوحيد اللي بيهديني.. ودلوقتي تحول لساحة حرب سارة قررت تخوضها معايا بقلة أدب، بس هي مكنتش تعرف إني مش بس هحارب، أنا همحي كل أثر لغرورها.
وصلت بوابة الكومبوند بعد حوالي 45 دقيقة.
أول ما قربت من البوابة الرئيسية، شفت اليافطة المكسورة. البوابة الحديدية الجانبية للكومبوند، اللي مخصصة لخروج وتجميع المخلفات، كانت متنية ومخلوعة من المفاصل بتاعتها! واضح إن عربية نقل ثقيلة تبع البوفيه أو الإضاءة ردت بظهرها بغشومية ودبش، فخلعت البوابة ودخلت. الأمن كان واقف برة ووشوشهم مقلوبة.
أول ما أمن البوابة شاف عربيتي، فتح بسرعة وجالي الجارد الرئيسي، اسمه عم إبراهيم، راجل كبير وشغّال في المجمع من سنين وعارف جدتي الله يرحمها كويس.
نزلت الزجاج وقلتله:
— صباح الخير يا عم إبراهيم.
عم إبراهيم هز رأسه بأسى وقال:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.. يا أستاذة ريم، إيه اللي حصل ده البارحة؟ البيت بتاع الحاجة الله يرحمها يتعمل فيه كدة؟ إحنا بقالنا سنين هنا عمرنا ما شفنا المنظر ده! دوشة وخمر وزعيق للصبح، وعربيات واقفة على النجيلة العامة للكومبوند، وغير البوابة اللي الاتوبيس دخل فيها كسرها ومهربش! إحنا بلغنا إدارة المجمع فوراً.
قلتله بنبرة جادة:
— ولا يهمك يا عم إبراهيم. التلفيات دي كلها هتتدفع بالقرش. بس أنا محتاجة منك خدمة حالا.
— أؤمري يا أستاذة.
— أستاذ سامح كلمني وبلغني بالغرامة. أنا عايزة تفريغ كاميرات البوابة من أول ما تجهيزات الفرح بدأت تنزل يوم الخميس الصبح، لحد ما آخر عربية مشيت النهارضة الصبح. عايزة فيديو واضح بيبين أرقام العربيات اللي دخلت وخرجت، والعمال اللي كسورا البوابة، والناس اللي كانوا بيرموا أكياس الزبالة في البحيرة.
عم إبراهيم طبطب على عربيتي وقال:
— كل حاجة متسجلة يا بنتي على السيرفر المركزي، وأستاذ سامح مجهز وحدة ذاكرة (فلاشة) عليها كل الفيديوهات ومعاها التقرير الرسمي المكتوب بتلفيات الكومبوند. هي مستنياكي في مكتب إدارة الجمعية.
— تسلم يا عم إبراهيم.
تحركت بالعربية جوة الكومبوند. الشوارع النظيفة اللي متعودة أشوف فيها الهدوء والشجر المتنسق، كانت فيها آثار مهزلة. أكياس بلاستيك متطايرة هنا وهناك، وعلب عصير فاضية مرمية على الرصيف اللي قدام بيتي. ولما وصلت قدام الفيلا.. وقفت العربية ونزلت.
المنظر في الشباك وفي النهار كان أفظع بمراحل من بالليل.
النهار يكشف المستور. الشمس لما طلعت أظهرت القرف اللي سارة وعازيمها سابوه. النجيلة اللي جدتي بذلت فيها دم قلبها عشان تفضل خضراء وناعمة، بقت عبارة عن برك طين حفريات. عجلات عربيات النقل سابت أثار غائرة جوة الأرض كأن الدبابات مرت من هنا. والأحواض.. الأحواض الخاوية كانت بتصرخ. الطين الجاف المردوم مكان الورد البلدي والياسمين اللي اتخلع من جذوره كان بيبصلي وكأنه بيسألني: “ليه سمحتي ليهم يعملوا فينا كدة؟”.
دمعة واحدة نزلت من عيني، بس مسحتها فوراً بظهر إيدي. الضعف ده كان امبارح.. النهاردة فيه حساب.
فتحت باب الفيلا ودخلت. الريحة جوة كانت مزيج كريه من الشامبانيا المسكوبة على الخشب، وريح الأكل العفن المتساب من امبارح، وسجاير مطفية في كل مكان. الصالون الأنتيك اللي جدتي مخيطة المخدات بتاعته بنفسها، كان عليه بقع سودا وواضح إن حد دلق عليه مشروب غازي وسابه ينشف ويكتم.
سمعت صوت عربية برة وضرب كلاكس.
طلعت البلكونة وشفت عربية نقل كبيرة تابعة لشركة “الجمال لتنسيق الحدائق”، ونزل منها المهندس معاه أربع عمال ومعاهم معدات ومعاينات. وفي نفس اللحظة وصلت عربية ثانية تابعة لشركة التنظيف الفندقي المتخصصة اللي طلبتها بالليل.
مهندس الحدائق، اسمه البشمهندس طارق، نزل وبص على الجنينة وهز رأسه بذهول:
— إيه ده يا أستاذة ريم؟! ده تجريف! ده مش مجرد دمار بفعل ناس مشيت على الزرع! ده فيه حد جه بآلات حادة واقتلع جذور مشاتل ورد كاملة عمرها يزيد عن عشرين سنة!
قلتله وأنا ماسكة القلم والملاحظات:
— كل حرف بتقوله يا باشمهندس يكتب في التقرير الفني المرفق مع الميزانية. أنا عايزاك تكتبلي تكلفة إعادة التربة لسابق عهدها، وتكلفة استيراد ورد بنفس العمر والحجم والنوعية، وتكلفة رصف النجيلة الطبيعية من جديد.
طارق بصلي وقال:
— التكلفة هتعدي الـ 300 ألف جنيه للجنينة بس يا أستاذة، غير الشغل الميكانيكي لشفط الطين وتسوية الأرض.
— اكتب كل حاجة بالقرش.. ومتبخلش بأي تفصيلة.
دخلت جوة مع فريق التنظيف. المشرفة بتاعتهم كانت بتصوّر كل بقعة على الأثاث الخشب والأرضيات الباركية قبل ما يلمسوها. الباركية اتجرح بآلات حادة، وواضح إن سارة جابت ناس يثبتوا المسرح بتاع الـ DJ بمسامير في أرضية الصالة الباركية! مسامير اتق/تلت في الخشب الناعم اللي اتصنع يدوي من سبعين سنة!
وأنا واقفة في وسط المعمعة دي، سمعت صوت عربية بتفرمل بغشومية برة. صوت صرير العجل على الأسفلت كان عالي ومستفز.
طلعت البلكونة، وشفت عربية حسام أخو جوزي.
نزل حسام من العربية وهو وشُه أحمر من الغضب، وصدره بيطلع وينزل كأنه طالع جبل. ووراه نزل أحمد، جوزي، اللي كان شكله مرهق ووشه باهت ومردود. ومن الباب الثاني للعربية، نزلت سارة!
سارة كانت لابسة نظارة شمس كبيرة اغتطت نص وشها، ولاابسة طقم فخم كأنها طالعة فسحة، بس مشيتها كانت مليانة غضب وتوتر. كانت طالعة تبصلي بكبرياء المزيف، لكن النظارة مكنتش قادرة تخفي الرعشة اللي في إيديها وهي ماسكة شنطتها.
حسام صرخ من تحت وهو واقف في الجنينة المدمرة:
— ريم! انزلي هنا حالا! إيه الفضيحة اللي إنتِ عملتيها دي؟! إنتِ اتجننتي؟!
أنا مأتحركتش من مكاني في البلكونة. وقفت بكل ثبات، ساندة إيديا على السور، وبصيتلهم من فوق لتحت.
— انزل ليه يا حسام؟ ما تطلعوا إنتو.. البيت مفتوح، اتفضلوا شوفوا الخراب اللي هانم جوزك سابتهولنا عشان تتفرجوا على إنجازاتها.
أحمد بصلي وصرخ:
— ريم! انزلي اتكلمي معانا بعقل! اللي إنتِ عملتيه على الجروب ده قلة قيمة لينا كلنا! أمي محجوزة في الضغط من الصبح بسببك!
رديت عليه ببرود قاتل:
— سلامة طنط. بس محدش جاب لها الضغط غير المستهترة اللي واقفة جنبك، اللي استخسرت تدفع حق القاعة ووجبت على قفايا وعلى حساب اسم العيلة.
سارة ماقدرتش تمسك نفسها، شالت النظارة وسقف بإيديها بزعيق:
— استخسرت إيه يا بتاع إنتِ؟! إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تتكلمي معايا كدة؟! بيت قذر وقديم وكركبة، وأنا عملت فيكِ جميلة إني نظفته وعملت فيه فرحي! إنتِ مفروض تشكريني إني أديت للبيت ده قيمة بدل الكراكيب اللي كنتِ حاطاها فيه!
في اللحظة دي، العمال بتاع شركات التنظيف والمهندس طارق خرجوا وقفوا في البلكونة وجنب الباب يتفرجوا. حسام بص حواليه وشاف العمال ورجال الأمن بتوع الكومبوند اللي بدأوا يتجمعوا قدام السور لما سمعوا الصريخ.
حسام وشه جاب ألوان:
— ريم.. امسحي الصور اللي على الجروب دي فوراً، وكلمي الشركات دي تلم قرفها وتمشي. المشاكل العائلية مابتتحلش في الشوارع ولا عند أمن الكومبوند!
قلتله وأنا بنزل من السلالم بهدوء لحد ما وقفت قدامهم في الصالة:
— مين قال إن دي مشكلة عائلية؟ دي قضية إتلاف ممتلكات وإضرار عمدي يا حسام. سارة دخلت البيت ده بشرط إنه يرجع زي ما استلمته. هي مش بس دمرت البيت، دي جابت غرامة من إدارة الكومبوند بـ 150 ألف جنيه بسبب كسور البوابة والزبالة اللي اترمت في البحيرة.
سارة صرخت:
— كدابة! أنا مالي بالبحيرة والبوابة! دي الناس هي اللي كانت بتتحرك!
— والناس دي معزومة في فرح مين يا سارة؟ فرح أختي؟ الناس دي معزومة في فرحك، وعلى حسك، وفي بيتي! القانون بيقول إن الداعي والمستفيد هو المسؤول عن تصرفات معازيمه.
أحمد قرب مني، وحاول يوطي صوته ويمسك إيدي قدام أخوه:
— ريم.. عشان خاطري أنا. الشغلة كبرت أوي. حسام أخويا ومش هنعرف نبص في وش بعض تاني. أمي بتقول لو الموضع ده ما اتقفلش النهاردة بصلح، هي هتقطع علاقتها بيا ولن ترضى عني. إنتِ عايزة تخربي بيتي؟
بصيت في عينين أحمد.. العينين اللي كنت بحبهم وبارتاح لما أشوفهم. بس النهاردة مكنتش شايفه فيهم غير الخوف والضعف والهروب من الحق.
قلتله بصوت واطي بس يسمعه حسام وسارة:
— إنت اللي بتخرب بيتك يا أحمد لما بتهين مراتك وتبدّي ظلم أخوك ومراته على حق مراتك وكرامتها. البيت ده بيت جدتي، الذكرى الوحيدة اللي فاضلة لي من أهلي. لما مرات أخوك تدخل تدوس على الذكرى دي ورجليك فوق دماغها، وإنت تقولي “معلش وعشان خاطر أمي”، يبقى إنت اللي بيعك بيت ورضيت بالإهانة.
حسام اتعصب وقرب مني ورفع أصبعه في وشي:
— بقولك إيه يا شاطرة! حركات اللواية دي متمشيش علينا! إحنا مش هندفع مليم واحد! وإعلى ما في خيلك اركبيه! وريني هتصلحي البيت إزاي أو هتعملي إيه بالورق الهبل اللي باعتاه ده! يلا يا سارة.. يلا يا أحمد نمشي وسيبوها مع كراكيبها!
سارة ابتسمت بانتصار وشماتة، ولبست النظارة تاني وقالت:
— يلا يا حبيبي.. خلوا البؤس يق/تلها هنا. أبقى لمي الورد الميت واعملي بيه شاي يا ريم!
أحمد وقف محتار.. يبصلي ويبص لأخوه ومراته. حسام شده من إيده:
— يلا يا أحمد! ولا إنت هتفضل واقف جنب اللي بتفضحنا؟
أحمد بصلي بقلة حيلة وقال:
— ريم.. دي أخر فرصة. لو مشيت دلوقتي من غير ما تسحبي الكلام ده.. مش هعرف أرجعلك.
بصلته بنظرة أبرد من الثلج، وقلتله:
— مع السلامة يا أحمد. الباب يفوت جمل.
أحمد اتصدم من ردي. كان فاكر إني هخاف، إني هتهز لما يهددني ببيتي وجوازنا. بس هو نسى إن البني آدم لما بيشوف أعز ما يملك بيدهس قدام عينيه ومحدش بيدافع عنه، بيتحول لكتلة من الصخر مش بتهزها أي تهديدات.
مشوا هم التلاتة، وسابوا العربية وخرجوا برة البوابة.
أول ما خرجوا، تلفوني رن. كانت رسالة بريد إلكتروني من الأستاذ سامح رئيس جمعية الكومبوند.
فتحت الرسالة. كان فيها تقرير محضر التلفيات الموثق بالصور، ومرفق بيه وحدة الذاكرة التفصيلية للفيديوهات، ومعاهم قرار الغرامة الرسمية بـ 150 ألف جنيه باسم مالك الفيلا (اللي هو أنا)، مع ملاحظة قانونية تؤكد إن التلفيات تمت أثناء استخدام عقار مستأجر/مستضاف من قبل السيدة “سارة الفولي” والسيد “حسام الدين”.
بتسمت.
رحت على الباشمهندس طارق ومشرفة شركة التنظيف، وقلت لهم:
— التقرير النهائيات للميزانية يجهز في خلال ساعتين. كل المبالغ تتدون بالفواتير والضرائب الرسمية والختم.
طلعت تليفوني واتصلت بالأستاذ إبراهيم، محامي العيلة الخاص اللي كان ماسك تركة جدتي وموثق كل شبر في البيت ده.
— ألو، أستاذ إبراهيم؟
— أيوة يا ريم يا بنتي.. خير؟ أنا شفت اللي نزلتيه على الجروب العائلي، والدنيا قايمة عندك في العيلة!
— أستاذ إبراهيم، أنا مش بتكلم في عيلة دلوقتي. أنا عايزاك تجهزلي دعوى قضائية عاجلة: إتلاف عمدي لممتلكات خاصة، وتعدي على عقار، ومطالبة بتعويض مادي ومعنوي بقيمة مليون و200 ألف جنيه.
إبراهيم سكت لحظة على الخط وقال:
— مليون و200 ألف؟! يا ريم يا بنتي ده أخو جوزك! الحسابات دي هتولع الدنيا أكتر!
— أستاذ إبراهيم.. أنا معايا تقرير معتمد من الهيئة الهندسية للكومبوند، معايا تفريغ كاميرات بيثبت دخول وتفريغ المعدات والسرقة الصريحة لزهور ونباتات نادرة معتمدة في حصر التركة، ومعايا رسالة صوتية من سارة بتقولي فيها بالنص “ده بيتك ونظفيه بنفسك” بعد ما اعترفت إنها اقتلعت الورد لفرحها. غير غرامة المجمع السكني.
إبراهيم اتنهد وقال:
— القضية مضمونة يا ريم.. الكاميرات والاعتراف والتقرير الفني للشركات يخلي المحكمة تحكم بالتعويض والتلفيات فوراً، وبشكل عاجل كمان. بس إنتِ متأكدة إنك عايزة تصلي للدرجة دي؟ أحمد جوزك موقفه إيه؟
— أحمد اختار يتفرج يا أستاذ إبراهيم. واللي يتفرج يلبس مع اللي خرب. ارفع القضية فوراً، وعايزة إعلان بالدعوى يوصل لحسام وسارة على بيتهم الجديد في خلال 24 ساعة.
— تم يا بنتي.. اعتبريه حصل.
قفلت مع المحامي، وحسيت براحة عجيبة.
البيت كان لسه مكركب، والريحة لسه وحشة، والورد لسه مش موجود.. بس كنت حاسة إن روح جدتي واقفة جنبي في المطبخ، بتطبطب على كتفي وبتطمني. جدتي مكنتش ست ضعيفة، كانت ست قوية بتعرف تاخد حقها بالأصول والقانون، وكانت دايماً تقول لي: “يا ريم.. بيتك هو عرضك وكرامتك، اللي يدخل بيتك بقلة احترام، يخرج منه بقلة قيمة”.
ساعة ورا ثانية، والنهار بدأ ينتصف.
عمال التنظيف بدأوا يلموا الزبالة في أكياس سودا كبيرة ورصوها قدام الباب. والمهندس طارق بدأ يقيس أبعاد الأحواض عشان يجهز طلبية المشاتل الجديدة.
تليفوني رن تاني.
المرة دي مكنش أحمد ولا حماتي. المرة دي كانت “إنجي”، بنت عم أحمد الكبيرة، والشخصية الوحيدة في العيلة اللي لها كلمة مسموعة والناس بتعمل لها ألف حساب لرجاحة عقلها ومكانتها.
رديت:
— ألو، إنجي؟
إنجي قالت بنبرة هادية بس مليانة صدمة:
— ريم.. أنا لسه شايفه الصور والتقرير اللي نزل على الجروب. أنا مكنتش مصدقة عينيا! هو الكلام ده بجد؟! سارة عملت كل ده في بيت الحجة الله يرحمها؟!
— أيوة يا إنجي.. وال صور مش بتكذب. والفواتير اللي نزلت دي التكلفة الحقيقية لإصلاح الخراب ده.
إنجي اتنهدت بأسى وقالت:
— سارة دي طول عمرها متكبرة وشايفة نفسها، وأنا حذرت حسام منها قبل الجواز وقلت له دي واحدة أنانية وهتعمل مشاكل في العيلة.. بس هو كان معمي. وعمتي (حماتك) طبعاً بتدافع عنها عشان خايفة على شكل ابنها قدام الناس! بس اللي حصل ده ج/ريمة يا ريم.. ده مش مجرد زعل عائلي.
— للأسف يا إنجي، أحمد وحسام جايين يهددوني دلوقتي هنا في البيت، وأحمد قال لي لو ما سحبتش الفواتير واعتذرت هينفصل عني.
إنجي صرخت في التليفون:
— أحمد قال كدة؟! أحمد اتجنن؟! يعتذر على إيه؟! على الخراب اللي سارته عملته؟! ريم.. أوعي تتنازلي! أنا مكلماكي عشان أقولك إن أعمامي الكبار شافوا الصور، وعمك طارق كبر العيلة زعلان جداً من اللي حسام وسارة عملوه، وطالب اجتماع عاجل للعيلة النهاردة بالليل في بيت عمتي!
— اجتماع؟ إحنا مش في مجلس عرب يا إنجي. الموضوع بقى عند المحامي.
— عارفة يا ريم، وحقك.. بس تعالي الاجتماع ده. تعالي وهاتي معاكي التقرير الهندسي وتفريغ الكاميرات وكل الفواتير. خليهم يشوفوا الوساخة بالأرقام والدليل قدام كبار العيلة. خليهم يعرفوا إن سارة مش بس دمرت بيتك، دي طينة سمعة العيلة كلها في الكومبوند!
فكرت لحظة. كلام إنجي صح. القانون هياخد مجراه كدة كدة، بس كسر كبرياء سارة وحسام قدام العيلة كلها، وتعرية ضعف أحمد قدام أعمامه، هيكون الهدية الثانية اللي مش هينسوها طول حياتهم.
قلت لإنجي:
— تمام يا إنجي. أنا هاجي الاجتماع.. بس أقسم بالله لو سارة فتحت بقها بكلمة قلة أدب، أنا مش هكتفي بالقضايا، أنا هفضحها بأسماء معازيمها اللي سكروا وكسروا الكومبوند قدام أهاليها هم كمان.
— حقك يا بنتي.. مستنياكي الساعة 8 بالليل.
قفلت مع إنجي، ولفيت للعمال:
— يا شباب.. اشتغلوا بنظام. كل حاجة تترتب، والبيت ينظف من القرف المبدئي ده.. والتقرير النهائي يستلمني الساعة 6.
قضيت باقي اليوم وأنا بشرف بنفسي على كل زاوية.
شفطوا البقع من على السجاد، والمطبخ اتغسل واتطهر بالكامل، والحيطان اللي كان متثبت فيها الخطافات واللزق الشفاف اتصنفرت واتدهنت بشكل مبدئي. بس الأحواض برة فضلت خاوية.. والجنينة فضلت حزينة. الأرض المحفورة كانت شاهت على الوقاحة.
الساعة جاب 7 بالليل.
رجعت شقتي الأساسية في القاهرة. دخلت غيرت هدومي. لبيت فستان أسود أنيق، حطيت مكياج خفيف بس محدد يبرز ثباتي، ولميت شعري لورا. مكنتش طالعة واحدة مكسورة أو معتدى عليها.. كنت طالعة ست رايحة تاخد حقها وتدوس على اللي ظلمها.
أخدت الملف الأسود الكبير اللي جواه:
* تقرير معاينة شركة اللاندسكيب (320 ألف جنيه).
* تقرير شركة التنظيف والأثاث والباركية (280 ألف جنيه).
* إشعار الغرامة الرسمي من إدارة الكومبوند (150 ألف جنيه).
* فلاشة فيديوهات الكاميرات المفرغة من البوابة والشارع.
* حافظة صور عالية الدقة متبوعة بالتاريخ والوقت لكل الأضرار.
حطيت الملف في الشنطة، ونزلت.
وصلت بيت حماتي الساعة 8 بالضبط.
أول ما طلعت السلم وفتحت الباب المفتوح اصلاً، سمعت أصوات الزعيق والنقاش الحاد جاية من الصالون الكبير.
أعمام أحمد الثلاثة كانوا قاعدين: عمي طارق (كبير العيلة)، وعمي مجدي، وعمي سعيد. وحماتي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط وتندب، وحسام وسارة قاعدين جنبها، وسارة وِشها متجهم ومربوعة الإيدين. وأحمد كان واقف جنب الشباك، بيبص للشارع وشكله كأنه شخص ميت ملوش رأي ولا قيمة.
أول ما دخلت الصالون.. الصوت انقطع تماماً.
الكل بص ناحية الباب.
حماتي وقفت بسرعة وصرخت:
— أهي جت الهانم! جت اللي فضحتنا وخربت بيت ابن أخو جوزها في يوم دخلته!
عمي طارق رفع إيده ووقف، وقال بصوت جهوري هز الأوضة:
— بس يا أم حسام! اقعدي وسكتي! إحنا مش جايبين الناس عشان نصرخ!
عمي طارق بصلي بنظرة هادية وقال:
— اتفضلي يا ريم يا بنتي.. اقعدي.
مشيت بكل ثبات وقعدت على الكرسي المفرد اللي في وش سارة وحسام مباشرة. سارة بصلتي بنظرة قرف ولفت وشها، بس أنا كنت شايفه الخوف في رجفة رجلها.
عمي طارق بص لأحمد وقال:
— أحمد.. اقعد هنا جنب مراتك.
أحمد أتحرك ببطء وجاء قعد على الكرسي اللي جنبي، بس مكنش قادر يحط عينه في عيني.
عمي طارق وجه كلامه ليا:
— ريم يا بنتي.. الصور اللي نزلت على الجروب الصبح وجعتنا كلنا. بيت الحجة الله يرحمها إحنا عارفينه، وعارفين قيمته عندك وعندنا كلنا. بس الفواتير اللي بعتيها لسارة والأرقام دي.. هل دي أرقام حقيقية ولا إنتِ عاملة كدة من زعلك؟
طلعت الملف الأسود من شنطتي، وحطيته على الترابيزة الزجاجية في نص الصالون بزعة خفيفة أحدثت صوت رنان.
قلت بصوت واضح، يسمعه كل اللي في الشقة:
— عمي طارق.. الملف ده فيه الحقيقة كاملة بالأرقام، والأختام، والشهادات الرسمية من شركات معتمدة.
فتحت الملف، وبدأت أطلع الورق ورقة ورقة وأعرضه على عمي طارق وأعمامي التانيين:
— دي معاينة شركة تنسيق الحدائق. سارة ما داسيتش على الورد يا عمي.. سارة جابت عمال واقتلعوا 40 شتلة ورد بلدي ونباتات زينة نادرة من جذورها عشان يزينوا بيها قوس الفرح اللي وفرت ثمنه! التكلفة الإجمالية لإعادة الجنينة واستيراد الشتلات ورصف الأرض: 320 ألف جنيه.
سارة صرخت:
— كدب! الورد كان دبلان وأنا شلته عشان المنظر يبقى حلو!
بصلتها وقلت بنبرة كفيلة تسكت دولة:
— الورد مكنش دبلان يا سارة، ومعايا تقرير زراعي بيثبت حالة التربة والنباتات قبل الفرح بيوم واحد بس لما أختي راحت تجيب شنطة من البيت! وسواء دبلان أو مش دبلان.. مين إدالك الحق تلمسي شبر في بيتي؟!
عمي مجدي مسك الورقة الثانية وقال بذهول:
— إيه ده؟ غرامة إتلاف من إدارة المجمع بـ 150 ألف جنيه؟!
— أيوة يا عمي مجدي. المعازيم بتوع سارة كسروا البوابة الجانبية للكومبوند بأتوبيس الخدمة، ورموا زبالة الفرح وخمر في البحيرة العامة للمجمع. والتقرير ده مرفق بيه فلاشة كاميرات الأمن، بتثبت كل شخص بدخوله وخروجه ورقم عربيته.
حماتي صرخت:
— وإنتِ جاية تحسبينا على معازيم الفرح؟! هو اللي يعمل فرح يتحاسب على الناس؟!
— اللي يعمل فرح في مكان مش بتاعه، ومن غير ما يدفع مليم واحد، ومن غير ما يستأذن صاحبة المكان احتراماً، يبقى يتحمل قلة أدب معازيمه. سارة قالتلي في التليفون بالنص لما طلبت منها ترجع تنظف الخراب اللي عملته: “ده بيتك إنتِ ونظفيه بنفسك، وابدئي لمي الزبالة أحسن ما تضيعي وقتك”.
عمي طارق بص لسارة بغضب ساطع:
— الكلام ده حصل يا سارة؟ إنتِ قولتيلها كدة؟!
سارة وِشها جاب ألوان، وبصت لحسام عشان يدافع عنها.
حسام وقف وقال بعصبية:
— يا جماعة ريم بتهول الموضوع! سارة كانت متوترة يوم الفرح وكان قصدهم يظبطوا المكان! وبعدين إحنا عيلة واحدة! إزاي تبعتلي فواتير بـ 750 ألف جنيه وتعزم الشركات على حسابنا؟! أحمد.. ساكت ليه؟! قولي لمراتك تلم الدور!
أحمد بص لل أرض وقال بصوت واطي:
— ريم.. خلاص بقى، الأعمام موجودين وهنوصل لحل وسط..
وقفت من مكاني، وبصيت لأحمد ولحسام ولسارة وللعيلة كلها.
— حل وسط؟ مفيش حلول وسط في قلة الأناقة والاعتداء على الممتلكات. الملف ده منه نسخة أصلية وصلت لمكتب المحامي الأستاذ إبراهيم الساعة 5 عصرًا. والقضية اترفت خلاص برقم حصر إتلاف عمدي وتعدي على ملكية خاصة ومطالبة بتعويض مليون و200 ألف جنيه.
الصدمة نزلت على الأوضة كأنها صاعقة.
حماتي قامت وقفت وهي بتلطم على وشها:
— قضية؟! رفعتِ قضية على أخو جوزك يا فاجرة؟!
عمي طارق قام وقف وضرب التربيزة بإيده:
— اسكتي يا أم حسام! اسكتي خالص!
عمي طارق بص لحسام ولسارة وقال بصوت صارم:
— الشغلة دي ملهاش غير حل واحد. سارة وحسام يكتبوا شيك بمبلغ التلفيات الموثقة بالورق دي لريم بكرة الصبح، ويعتذروا لها قدام العيلة كلها على الكلام اللي اتقال.
سارة صرخت بهيستيريا:
— شيك بـ 750 ألف جنيه؟! إنت اتجننت يا عمي؟! أنا مش دافعة مليم! حسام اتكلم!
حسام بص لأعتمامه وقال بتحدي:
— أنا مش هيدفع، ومش هسمح لمراتي تعتذر لحد! واللي عندها تعمله! المحاكم قدامنا وأنا هجيب أحسن محامي!
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وأخدت الشنطة والملف.
بصيت لحسام وسارة وقلت لهم:
— تمام يا حسام.. المحكمة هي المكان المضبوط اللي هيعلمكوا إزاي تحترموا أملاك الناس وذكرياتهم. وعشان تبقوا عارفين.. البلاغ مش بس فيه التلفيات، فيه كمان الفيديوهات اللي بتثبت استخدام الفيلا في نشاطات مخالفة للائحة الكومبوند بدون ترخيص، وده معناه غرامات جنائية ثانية خالص.
بصيت لأحمد اللي كان قاعد مصدوم ومش قادر يتكلم.
— وأنت يا أحمد.. ورقتك هتوصلك من المحامي مع أوراق القضية. لأن الراجل اللي ما يقفش في ضهر مراته وهي بتاخد حقها من اللي أهانوا بيتها وذكرى أهلها، ما يلزمنيش أكون مراته.
خرجت من الصالون بكل هدوء وثبات.
سمعت ورايا صريخ حماتي، وزعيق عمي طارق في حسام وسارة، وصوت أحمد وهو بيجري ورايا على السلم وينادي باسمي:
— ريم! استني يا ريم! ارجعي يا ريم نتكلم!
مشيت وما بصيتش ورايا ولا خطوة واحدة. نزلت الشارع، ركبت عربيتي، ودورت المحرك.
الليل كان ساكن، والهواء كان بارد وصافي. حطيت إيدي على عجلة القيادة، ولأول مرة من يوم الفرح، حسيت إن صدري اتفتح وأني قادرة أتنفس.
بيت البحيرة هيرجع أحسن من الأول، والورد هيتزرع تاني وتطلع ريحته تملأ المكان، بس سارة وحسام وأحمد.. اتعلموا الدرس اللي عمرهم ما هينسوه في حياتهم. الدرس اللي بيقول إن فيه خطوط حمراء لما تتداس، صاحبها مش بيبكي.. صاحبها بيبيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *