تضحيه اخواتي بقلم اماني السيد

تضحيه اخواتي بقلم اماني السيد

ابتسمت لنفسي في المراية، وقلت بصوت حاسم:

ـ “لأ يا ابن أمي.. أنا ما اتطفيتش.. أنا يلا دوبك ببدأ أنور!”

دخلت أوضتي القديمة اللي مسحوا ملامحها وجددوا بوياها عشان تبقى صالون، بس المرة دي ما حسيتش بالخنقة ولا الغربة فيها.. حسيت إن المكان بيطهر، إن حيطانه بتتنفس معايا من جديد.

سحبت الكراتين من الممر ودخلتها، وبدأت أفك السوليتيب بالراحه. بطلع حاجتي حتة حتة.. الهدوم، ملايات السرير اللي غسلتها بإيدي سنين، كتاب أذكاري القديم، والمصحف اللي هدتهولي أمي قبل ما تموت..

كل حتة بطلعها كانت بترجع الروح للبيت، وكأني بفرش عرشي من جديد، مش بلم باقي حياتي!

طول الليل ما جاليش نوم، بس ما كانش أرق الخوف ولا قهر الظلم.. كان أرق الانتظار.

كنت قاعدة على الكرسي قبال الشباك، بصل للشارع الساكت، وبفتكر كل نقطة عرق نزلت من جبهتي عشان أشتري طوبة في البيت ده، كل جنيه وفرته من أملي وأكلي عشان أدفع أقساطه، وكل طموح ألتغى وحلم اندفن عشان “إخواتي يتربوا وما يحسوش باليتم”.

الشمس طلعت، ونورها غمر الصالة.. وقفت قدام الشباك وشربت كباية الشاي الدافي بثبات لم أعهده في نفسي من سنين.

على الساعة اتناشر الضهر، الشارع تحت بدأ يتحرك..

صوت عربيات بتعدي، وبعدها سمعت صوت خطوات تقيلة وكتيرة طالعة على السلم.. خطوات نابعة من الهيبة والتقدير، مش من الجشع والخيانه.

الباب انخبط.. خبطة راقية، هادية، فيها استئذان واحترام.

ربطت طرحتي، وطالعت أفتح بثبات ورأسي مرفوعة للسما.

فتحت الباب.. لقيت عبد الرحمن واقف، جنبه راجل كبير بلحية بيضا ولابس جلباب أنيق ماسك في إيده الشنطة الجلد بتاعة المأذون، ووراهم كبارات العيلة وحبايب أبويا القدام اللي كانوا عارفين أصل القصّة من أولها.

عبد الرحمن أول ما شافني، وشه ينور.. نزل عينه في الأرض باحترام وقال بصوت دافي هز العتبة:

ـ “السلام عليكم يا ست البنات.. يا أصل الخير والجدعنة. مستأذنين ندخل بيتك المكرّم؟”

دمعة سخنة هربت من عيني، بس كانت دمعة عزّ..

وقفت على الجنب ووسعت لهم الطريق وقلت بصوت جلي:

ـ “خطوة عزيزة يا عبد الرحمن.. البيت بيتكم، ودخلتكم دي على راسي من فوق.”

دخلوا الصالون المذهب، الصالون اللي أخويا افتكر إنه هيذلني بيه.. وجلسوا بثبات.

الشيخ فتح دفتره المذهب، وحط القلم على الطاولة، وبصلي بابتسامة أبوبة وقالي:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *