حكايه سيف وفرح سهر محمد ١
حكايه سيف وفرح سهر محمد ١
عذاب وندم، وانتوا عارفين إن ليا لحم ودم مرمي بره؟
كمال الحديدي، أبوه، فك إيد سيف ببرود مستفز، وبصله بنظرة خالية من أي شفقة وقال
نزل إيدك يا سيف واتكلم معايا باحترام. أيوة، مراتك الجربوعة دي حامل من قبل ما تطردها، ولما طردتها راحت عاشت في حي شعبي وولدت حتة عيل نسخة منك، سمته ياسين. كنت عارف، وكنت حاطط عيني عليهم طول التلات سنين. كنت سايبها تربيه وتكبره عشان عارف إن هيجي اليوم اللي أحتاج أكسرك بيه لو فكرت تخرج عن طوعي.. وزي ما توقعت، اليوم ده جه.
سيف حس إن قلبه هيقف من كمية القسوة والشر اللي في عيون أبوه. بص للراجل اللي المفروض سنده وضهره، واكتشف إنه مجرد شيطان. سيف رجع خطوتين لورا وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة، ابتسامة واحد مابقاش باقي على حاجة
انت مفكر إنك كده لويت دراعي؟ قسماً بعزة جلال الله يا كمال بيه.. لو شعرة واحدة من ابني ولا من مراتي اتأذت، لأسوي بيك وبشادي الأرض، وهنسى إنك أبويا، وهدفنكم كلكم بالحيا.. واللعب من اللحظة دي بقى على المكشوف.
ساب أبوه وخرج من المكتب كأنه إعصار. ركب عربيته وساق بسرعة جنونية، كأنه بيسابق الزمن. مشاعره كانت متلخبطة بشكل يخنق؛ غضب، حزن، قهر، وشوق جارف لحتة منه عمره ما شافها. تلات سنين.. ضاع منه أول صرخة، أول خطوة، أول كلمة بابا كان المفروض يسمعها. دموعه نزلت على خده لأول مرة من سنين وهو بيضرب دركسيون العربية بغل آآآآه يا قهرتي عليكي يا فرح.. سامحيني.. سامحيني!
وصل القصر بتاعه، نزل من العربية وطلع على السلم جري، فتح باب الجناح بالمفتاح ودخل.
فرح كانت قاعدة على الأرض في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصدرها وبتبكي بانهيار. أول ما شافته دخل وشكله مرعب وعينيه حمرا زي الدم، اتنفضت من مكانها ورجعت لورا بخوف.
سيف قرب منها ببطء، خطوته كانت تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه. نزل على ركبه قدامها، وبص في عينيها اللي مليانة رعب، وسألها بصوت مبحوح ومكسور، صوت مايشبهش سيف الحديدي خالص
مخلفة مني يا فرح؟… ياسين حتة مني؟ خبيتي ابني عني تلات سنين؟
فرح عينيها وسعت بصدمة ورعب حقيقي، لونها اتخطف وصرخت بهستيريا وهي بتزقه بعيد عنها
انت عرفت منين؟! إياك تقرب منه! ابني ملوش دعوة بيك.. ياسين ابني أنا لوحدي! لو فكرت تاخده مني هقتلك وهقتل نفسي يا سيف.. سامعني؟! هقتلك!
سيف ماقدرش يمسك نفسه، دموعه خانته ونزلت قدامها، مد إيده ومسك وشها بين إيديه وهو بيبكي زي الطفل
كنتي قوليلي… ليه حرمتيني منه؟ ليه خبيتي عني روحي؟
فرح ضحكت بوجع وقهر ودموعها بتغرق وشها، وضربته على صدره بقوة
أقولك؟ أقول للي صدق إني خاينة ورماني في الشارع في نص الليل وأنا بنزف كرامتي إني حامل في ابنه؟ كنت عايزني أقولك عشان عيلتك تاخده مني وترميني؟ دا أبوك جالي المستشفى وأنا بولد لوحدي، في مستشفى حكومي مافيهاش ريحة النضافة، وهددني.. قالي لو سيف شم خبر بوجود حتة اللحم دي، هياخده ويرميه في ملجأ ويتهمني في شرفي ويحبسني! اشتغلت خدامة في البيوت عشان أصرف عليه وأجيبله اللبن، وانت كنت هنا عايش في قصورك! جاي دلوقتي تسأل على ابنك؟!
كل كلمة كانت بتنزل على سيف زي السكاكين بتقطع في لحمه. ماقدرش يستحمل يشوفها منهارة كده، شدها لحضنه غصب عنها، ضمها بكل قوته وهي بتصرخ وتضرب فيه، لحد ما قوتها خانتها واستسلمت لحضنه وبدأت تعيط بصوت يقطع القلب.
حقك عليا… قسماً بالله ما هسيب حق دموعك دي، ولا حق العذاب اللي شفتيه. هجيبلك الدنيا كلها تحت رجليكي انتي وابني. سيف قالها وهو بيبوس راسها ودموعه بتنزل على شعرها.
فجأة، وسط اللحظة دي، تليفون سيف رن.
رقم غريب.
سيف مسح دموعه بسرعة، وحس بانقباضة في قلبه. فتح الخط ورد ألو؟
رد عليه صوت خشن، بارد، ومليان شر سيف باشا الحديدي.. الباشا الكبير بيسلم عليك، وبيقولك بلاش تلعب مع الكبار أحسنلك.
سيف اتنفض من مكانه، وبص لفرح اللي قلبها مقبوض، وفتح ال Speaker مكبر الصوت.
سيف بزعيق انت مين يالا؟ وابني فين؟
الصوت ضحك بسخرية ابنك في الحفظ والصون.. بس بصراحة، البطل الصغير عمال يعيط وعايز مامته، صحينا من النوم مخضوضين.
وفي اللحظة دي، سمع سيف وفرح صوت طفل صغير في الخلفية، صوته مليان رعب ودموع وبيصرخ
مامااا!… عايز ماما! يا ماماااا!
فرح أول ما سمعت الصوت، عينيها برقت، صرخت صرخة شقت جدران القصر ووقعت على ركبها في الأرض ياسين!! ابني!! سيبوا ابني يا كلاب!
الصوت الخشن رجع يتكلم ببرود تام
قدامك ساعة واحدة بالدقيقة يا سيف باشا. يا تتنازل عن كل أسهمك في الشركة وتجيب الفلاشة اللي معاك، وتسلمنا المدام فرح مكان الولد… يا تقرأ الفاتحة على روح البطل الصغير وتستلم جثته على باب قصرك. العداد بيعد يا باشا.
الخط قطع.
الصمت المميت سيطر على الأوضة، مافيش غير صوت أنفاس فرح اللي بتنهج برعب وهي بتبص لسيف وعينيها بتترجاه.
سيف بص للتليفون ثواني، وبعدين رفع عينيه اللي اتحولت لكتلة من الجحيم الصافي. راح ناحية خزنته، فتحها، وطلع مسدسه، سحب الأجزاء بصوت رعب فرح، وبصلها بنظرة مافيهاش ذرة رحمة لأي حد هيقف في طريقه وقال
……….
مين عايزة تعرف سيف قال إيه؟ وهل هيضحي بفرح عشان ينقذ ابنه، ولا هيعمل إيه في عيلته؟
يتبع في الجزء
الاخير من القصه للكاتبه سهر محمد