القصه كامله

القصه كامله

​كانت قاعة الأفراح تضج بصخب خانق، مزيج من أغاني المهرجانات الصاخبة التي تهتز لها الجدران، ورائحة عطور نفاذة تختلط برائحة البخور الرخيص. الأضواء الملونة تتراقص على الوجوه، تارة تضيئها بن ن ن و ن بهجة مصطنعة، وتارة تغمرها بظلال داكنة. في وسط هذا الصخب، كانت فاطمة تجلس بفستانها الأبيض الذي بدا وكأنه كفن يطوق أنفاسها، لا ثوب زفاف يزفها إلى حياة جديدة.
​لم تكن “عروسًا” بالمعنى المتعارف عليه؛ كانت كتمثال رخامي نحتته يد الهموم. عيناها المتحجرتان لم تلتفتا إلى المعازيم، ولم تلمس شفتيها ابتسامة واحدة طوال الأمسية. كانت تنظر إلى الفراغ، وتحديدًا إلى نقطة وهمية في سقف القاعة، وكأنها تنتظر معجزة تسحبها من هذا الكابوس.
​على الجانب الآخر من القاعة، كانت حماتها، زبيدة، تجلس كطاووس ينفض ريشه تفاخرًا. كانت ترتدي كميات مبالغًا فيها من الذهب الذي يلمع تحت الأضواء، وتتنقل بعينيها الصقريتين بين المدعوين، تلتقط نظرات الإعجاب والهمسات. اقتربت منها إحدى قريباتها، وهي تلوك علكة بصوت مسموع، ومالت عليها هامسة بنبرة حملت الكثير من الخبث:
​”هي مالها مرات ابنك قالبه وشها لي؟ ليكون مش عاجبها الجوازه… هي تطول تناسبنا؟”
​تصلب جسد زبيدة، وشعرت بقرصة في كبريائها أمام قريبتها. نظرت نحو فاطمة البعيدة، فتأففت بازدراء شديد، ووقفت تعدل من ثوبها المخملي وهي تردف بحنق:
​”روحي قوليلها تعدل خلقتها، مش ناقصين وجع دماغ!”
​التفتت زبيدة إلى ابنتها راندا، التي كانت تقف بالقرب منها تراقب الموقف بعينين متقدتين بالفضول والكره الدفين. أشارت لها زبيدة برأسها نحو منصة العروسين. فهمت راندا الإشارة فورًا؛ لم تكن بحاجة إلى كلمات تفصيلية، فالعداء لفاطمة كان قاسمًا مشتركًا يجمع أفراد هذه العائلة قبل أن تطأ قدم العروس عتبة بيتهم.
​الفصل الثاني: طاجن الست وعزة النفس
​تحركت راندا بخطوات متبخترة، متعمدة أن تظهر بمظهر الواثقة المنتصرة. شقت طريقها بين الفتيات اللاتي يرقصن، ووصلت إلى المنصة حيث تجلس فاطمة. دون أي مقدمات أو تلطف، ألقت بجسدها على المقعد المجاور لفاطمة، والتفتت إليها بجسدها كله، قائلة بحنق شديد ونبرة تقطر سمًا:
​”مالك يا عروسه شايله طاجن ستك لي؟ اعدلي خلقتك يا حبيبتي، الستات كلها عماله تبص عليكي!”
​لم تلتفت إليها فاطمة فورًا. أخذت نفسًا عميقًا، شعرت به يمزق صدرها، ثم التفتت ببطء شديد نحو شقيقة زوجها. كانت عيون فاطمة حمراء من أثر دموع حبستها لساعات، ولون وجهها شاحبًا كالأموات. زفرت بضيق شديد، وأردفت بنبرة مخنوقة كادت ألا تخرج من حنجرتها:
​”ابعدي عني يا راندا… الواحد مش ناقص.”
​اتسعت عينا راندا ذهولاً من هذه الجرأة. لم تكن تتوقع أن ترد “بنت بياعة البليلة” بمثل هذا الجفاء والإعراض. نظرت إليها راندا مطولاً، نظرة فاحصة محملة بالوعيد والتهديد، وكأنها تسجل ملامح وجهها لترد لها الصاع صاعين في الوقت المناسب. ثم وقفت فجأة، وبعثرت فستانها بغضب، وذهبت تبحث عن شقيقها عادل.
​كان عادل يقف في وسط حلقة من أصدقائه، يضحك بملء فيه، ممسكًا بسيجارة تنفث دخانًا كثيفًا، يبدو للجميع كعريس سعيد، لكن داخله كان يغلي لأسباب أخرى تمامًا. اخترقت راندا حلقة الرجال، وجذبت شقيقها من ذراعه بقوة، مخرجة إياه من بين أصدقائه وسط نظرات تساؤلهم. وقفت معه في زاوية شبه مظلمة بالقرب من ممر المطبخ، وقالت بضيق وصوت لاهث من الغيظ:
​”انا غلبت معاها يا عادل! روح قولها تتعدل كده.. احنا مش بنشحت منها!”
​تحولت ملامح عادل الوسيمة إلى قناع من الغضب المكتوم. نظر في اتجاه فاطمة الجالسة بمفردها على الكوشة كطير جريح. تأفف بحنق، وضغط على أسنانة حتى كادت تتحطم، وعادت عيناه تشعان بنور خبيث وهو يجيب شقيقته بنبرة هادئة مرعبة:
​”سبيها يا راندا… انا محضرلها حفلة ترحيب انما اي… تليق بيها بنت بياعة البليلة!”
​لمعت عينا راندا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة انتشاء عريضة، شعرت براحة غريبة تسري في جسدها، وقالت له بنبرة مليئة بالامتنان والتشفي قبل أن تبتعد وتعود إلى صفوف النساء:
​”تسلملي يا غالي.”
​الفصل الثالث: جذور الحكاية.. بياعة البليلة
​لم تكن فاطمة مجرد فتاة عادية، ولم يكن حزنها في ليلة زفافها دلالاً أو تمردًا بلا سبب. كانت فاطمة ابنة الست أمينة، امرأة مكافحة، مات زوجها وترك لها طفلة رضيعة بلا سند أو معين. لم تمد أمينة يدها لأحد؛ بل اشترت عربة صغيرة لبيع “البليلة” والقمح باللبن في أحد الأحياء الشعبية البسيطة.
​بفلسات معدنية قليلة، وبعرق يمتزج ببخار القدر الكبيرة النحاسية، استطاعت أمينة أن تربي فاطمة، وأن تدخلها الجامعة لتدرس في كلية الآداب. كانت فاطمة بالنسبة لأمينة هي الجائزة الكبرى، النبتة الصالحة التي سقتها بدموع عينيها وشقاء عمرها. كانت فاطمة بارعة الجمال، بملامح شرقية هادئة وعينين واسعتين تعكسان نقاء قلبها.
​لكن الفقر يدق الأبواب أحيانًا بعنف لا يرحم. أصيبت الست أمينة بمرض شديد في الكبد، تطلب عمليات جراحية وأدوية باهظة الثمن تفوق قدرة عربة البليلة بمئات المرات. في هذه الأثناء، ظهر عادل.
​عادل، الشاب الوسيم الذي يعمل في تجارة العقارات والمقاولات مع والده، رجل ذو نفوذ مالي في المنطقة، لكنه يفتقر إلى النبل والرحمة. رأى فاطمة في الجامعة وأعجب بجمالها، وحاول مرارًا التقرب منها، لكنها كانت صخرة تتحطم عليها كل محاولاته لعزة نفسها وأنفتها. وحين علم بمرض والدتها، وجد ثغرتها.
​تقدم لخطبتها، وعرض تكفل والد عادل بكل مصاريف علاج الست أمينة، شرط أن يتم الزواج سريعًا، وبشروط عائلته التي ترى في فاطمة “صيدًا رخيصًا” يمكن تشكيله وإذلاله لتعويض كبرياء عادل الذي جرحته تمنعاتها السابقة. وتحت وطأة دموع أماتها وحاجتها للعلاج، وافقت فاطمة. وافقت وهي تعلم أنها تبيع حريتها ونفسها لتشتري حياة أمها.
​الفصل الرابع: في الطريق إلى الجحيم
​انتهى الحفل أخيرًا. ركبت فاطمة في المقعد الخلفي لسيارة الزفاف الفارهة، بينما جلس عادل في المقعد الأمامي يقود بجنون، ووالدته وزوج شقيقته في سيارة أخرى خلفهم. لم ينطق عادل بكلمة واحدة طوال الطريق. كان ينظر إليها عبر المرآة الداخلية بنظرات باردة كالشفرات.
​وصلوا إلى البناية السكنية الفخمة التي يمتلكها والد عادل. صعدت فاطمة الدرج وهي تجر أذيال فستانها الثقيل، كأنها تصعد إلى المقصلة. فتح عادل باب الشقة، ودخل قبلها دون أن ينتظرها أو يمسك بيدها كما يفعل أي عريس.
​دخلت فاطمة وأغلقت الباب خلفها. كانت الشقة مؤثثة بأفخم الأثاث، لكنها بدت لها موحشة وباردة كالمقابر. وقفت في ردهة الاستقبال، ولم تتحرك خطوة واحدة.
​التفت إليها عادل، ونزع رابطة عنقه وألقاها على المقعد بإهمال. اقترب منها بخطوات بطيئة، وعيناه تتفحصان ملامحها الشاحبة. قال بنبرة منخفضة ومتهكمة:
​”نورتي بيتك الجديد يا بنت أمينة. مبروك عليكي العز اللي عمرك ما حلمتي تشوفيه حتى في المنام.”
​لم تجب، وظلت واجمة. استفزه صمتها، فاقترب أكثر وجذبها من معصمها بقوة آلمتها، مردفًا بنبرة حملت كل الغل الذي خبأه طوال الحفل:
​”أنا بكلمك لما أكلمك تبصيلي وتديني تعظيم سلام! الحركة اللي عملتيها في القاعة مع أمي وأختي دي حسابها تقيل قوي معايا. فاكرة نفسك مين؟ أنتي هنا خدامة، خدامة بفلوسي اللي عالجت بيها أمك البياعة!”
​سالت دمعة حارة على وجنتها، لكنها رفعت رأسها ونظرت في عينيه بعزة نفس لم يستطع كسرها:
​”الفلوس اللي بتتكلم عنها دي دين في رقبتي، وهردها لك قرش قرش… بس أنا مش خدامة لحد يا عادل.”
​ضحك عادل بسخرية عالية، وترك ذراعها بعنف دفعها للخلف خطوتين، وقال:
​”ترديها؟ منين؟ من تمن البليلة؟ اسمعي يا فاطمة… من بكرة الصبح هتعرفي مقامك كويس في البيت ده. أمي وأختي نازلين يقعدوا معانا كام يوم، وعايزك توريهم ‘الوش الخشب’ بتاعك ده عشان تشوفي هعمل فيكي إيه.”
​الفصل الخامس: حفلة الترحيب
​بدأ النهار الجديد، ولم يكن نهارًا يحمل تباشير الفرح لعروس. في السابعة صباحًا، استيقظت فاطمة على صوت طرقات عنيفة ومتواصلة على باب الشقة. ارتدت عباءة منزلية بسيطة وذهبت تفتح الباب وعيناها مجهدتان من قلة النوم.
​وجدت أمامها زبيدة وراندا. دخلت المرأتان دون سلام، وبدأتا في تفحص الشقة بنظرات ناقدة. قالت زبيدة بصوت مرتفع وهي تمرر أصبعها فوق طاولة خشبية:
​”إيه ده؟ الشقة تراب من أول يوم؟ فين النظافة يا عروسة؟ ولا أنتوا في بيتكم مكنتوش بتشوفوا التراب من وسخ الدكان؟”
​لحقت بهما راندا وهي تبتسم بانتشاء، مذكرّة إياها بحديث الليلة الماضية:
​”شايفة يا ماما؟ لسه برضه قالبه وشها. الظاهر كلامي امبارح مجابش همة معاها. اصحي يا حبيبتي، أنتي هنا في بيت عادل بيه، مش في حارة البليلة.”
​خرج عادل من غرفته يرتدي ملابسه، ورأى المشهد. بدلاً من أن يدافع عن زوجته، ابتسم وقال لوالدته:
​”صباح الخير يا أمي. كويس إنك جيتي بدري… فاطمة كانت لسه بتسأل هتعمل فطار إيه للست الكل.”
​نظرت فاطمة إليهم، وشعرت بأنها محاصرة بين ذئاب. قالت بهدوء حاول كتمان غيظها:
​”حاضر، هعمل الفطار.”
​طوال الأيام التالية، تحولت حياة فاطمة إلى جحيم منظم. كانت زبيدة وراندا تتعمدان اختراع الأعمال الشاقة؛ تنظيف السجاد، غسل الجدران، طبخ أصناف معقدة من الطعام، وإعادة تنظيف كل شيء أكثر من مرة بحجة أنه ليس نظيفًا كفاية. وكان عادل يراقب كل هذا بمتعة وتشفي، وفي كل مرة تحاول فاطمة الشكوى أو إظهار التعب، كان يذكرها بـ “شيكات علاج والدتها” والمبالغ التي دفعها بالمستشفى.
​الفصل السادس: انكسار الجدار وتحول المسار
​مر شهران على الزواج، ونحف جسد فاطمة بشكل ملحوظ، لكن عينيها حافظتا على تلك الجذوة من الكبرياء. وفي أحد الأيام، تلقت اتصالاً من المستشفى يخبرونها بأن والدتها تجاوزت مرحلة الخطر تمامًا، وأنها استعادت عافيتها ويمكنها العودة لممارسة حياتها بشكل طبيعي.
​كان هذا الخبر بمثابة طوق النجاة لفاطمة. بكت بحرقة، لكنها كانت دموع الفرح والحرية. شعرت أن السلاسل التي تقيدها لعادل وعائلته بدأت تتفكك.
​في تلك الليلة، عاد عادل إلى البيت مخمورًا ومزهوًا بنفسه كالعادة. وجد فاطمة تجلس في صالة الاستقبال، ولم تكن واجمة أو باكية كعادتها، بل كانت تنظر إليه بنظرة مختلفة تمامًا؛ نظرة تحدٍ باردة.
​ألقى بجسده على الأريكة وقال بوقاحة:
​”هاتيلي مية يا بت… واغسليلي رجلي دي تعبان من اللف طول النهار.”
​وقفت فاطمة، ومشت نحوه بخطوات ثابتة. وقفت أمامه وقالت بصوت قوي وواضح:
​”مش هجيب مية، ومش هغسل رجلك يا عادل. لحد هنا والمسرحية دي انتهت.”
​نهض عادل متفاجئًا، وتطاير الشرار من عينيه:
​”أنتي اتجننتي يا بت؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟”
​قالت وهي تخرج ورقة من جيب عباءتها:
​”منسيتش. دي كمبيالة بمبلغ العلاج كله اللي دفعته لأمي. أنا مضيت عليها لنفسي في المحكمة الصبح، وموثقة برقم بطاقتي. الفلوس دي دين هسددهولك على أقساط شهرية، والقانون بيحميني وبيحميك. يعني مفيش أي فضل ليك عليا بعد النهاردة.”
​جن جنون عادل، ورفع يده ليضربها، لكنها أمسكت بذراعه بقوة غير متوقعة، وعيناها مثبتتان في عينيه:
​”لو مديت إيدك، هعمل بكرة محضر تبديد وضرب، وهفضحك في منطقتك كلها. الجوازة دي كانت صفقة، وأنا قفلت الصفقة.”
​الفصل السابع: نهاية الطغيان
​في الصباح التالي، كانت زبيدة وراندا قد حضرتا مبكرًا كالعادة لمواصلة “حفلة الترحيب اليومية”. دخلتا الشقة لتجدا فاطمة تقف في الصالة وحقيبة ملابسها الصغيرة بجانبها.
​قالت راندا بسخرية:
​”إيه ده؟ على فين يا بنت أمينة؟ رايحة تزوري الست الوالدة على الصبح؟”
​التفتت إليها فاطمة، ونظرت لراندا وزبيدة نظرة أخيرة طويلة، ثم قالت بنبرة هادئة وثابتة:
​”أنا ماشية ومش راجعة هنا تاني. شقتكم وحاجتكم عندكم، وابنكم يقدر يطلقني بالمعروف، أو يطلقني في المحكمة… مش فارقة معايا.”
​صرخت زبيدة بغضب:
​”تمشي فين يا جربوعة؟ أنتي تطولي تناسبينا أصلاً؟ ده إحنا نضفناكي!”
​ابتسمت فاطمة ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ شهرين، وقالت وهي تفتح باب الشقة:
​”أنا بنت بياعة البليلة، وبأكل لقمة عيشي بالحلال وبعرق جبيني. الشرف والنظافة في القلب واليد، مش في الفلوس والدهب اللي مغطيكم وأنتوا من جواكم مليانين غل وسواد. عادل هيوصله ورق القض..ية، والفلوس اللي ليكم هتوصلكم قرش قرش.”
​خرجت فاطمة وأغلقت الباب خلفها بقوة، تاركة زبيدة وراندا في حالة من الذهول والصدمة، وعادل يقف خلفهما في الممر عاجزًا عن الحركة، بعد أن أدرك أن “حفلة الترحيب” التي أعدها لم تزد تلك الفتاة إلا صلابة، وأن أصالة “بنت بياعة البليلة” كانت أقوى بكثير من كل أموالهم وزيفهم. طرقت فاطمة درج البناية بخطوات سريعة خفيفة، مستنشقة هواء الحرية، عائدة إلى حضن والدتها وعربتها البسيطة، حيث الكرامة التي لا تباع ولا تشترى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *