روايه جديده ج الاخير

روايه جديده ج الاخير

“الفصل الحادي عشر”
في صباح يوم جديد…
استيقظت عهد من نومها على شعور ثقيل يجثم فوق صدرها، وجع خفي يمتد داخلها كأن الليل لم ينتهي بعد. ظلت مستلقية على ظهرها تحدق في السقف لبعض الوقت، عيناها شاردتان وكأنها تحاول أن تستعيد ما حدث بالأمس.
قرارها بالموافقة على تلك الوظيفة.
تمنت لو تستطيع التراجع عنه، لو تستطيع محوه وكأنه لم يكن.
لكن صوت صاحب الشقة عاد يتردد داخل رأسها بوضوح قاسي:
“معاكي لآخر الأسبوع، يا الفلوس يا تفضي الشقة.”
أغمضت عينيها لثواني، ثم أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء، وكأنها تحاول أن تجمع ما تبقى لها من قوة.
نهضت أخيرًا من فراشها، وخرجت من غرفتها بخطوات بطيئة. اتجهت إلى المرحاض، وبعد أن انتهت خرجت وهي تمسح وجهها بطرف كمها.
وأثناء اتجاهها نحو غرفتها أوقفها صوت والدها وهو يقول بفظاظة:
“عايز أكل حضري الأكل.”
التفتت إليه ونظرت له بضيق واضح وقالت:
“للأسف مافيش ولا لقمة في البيت، ومش معايا فلوس أشتري، ومحدش هيرضى يدينا حاجة بسبب الفلوس اللي علينا.”
استقام بجسده واقترب منها بخطوات غاضبة، ثم أمسكها من شعرها بقوة وقال:
“انتي بتتكلمي معايا كده ليه؟ شكلك عايزة كسر رقبتك.”
أغمضت عينيها بألم وتكلمت بصوت مختنق:
“أنا بقولك الحقيقة اللي انت مش حاسس بيها، أنا مخلتش حد إلا لما اشتريت منه على النوتة، ده غير اللي بستلفه، وبتاع السجاير اللي انت في الرايحة والجايه تاخد منه على الحساب، أنا الناس بقت تبصلي باحتقار وبيتعاملوا معايا كأني شحاتة، كفاية بقى أرجوك.”
لكن كلماتها لم تطفئ غضبه، بل أشعلته أكثر.
شعر بضجر من حديثها، فرفع يده وصفعها بقوة على وجهها، ثم انهال عليها بالضرب وهو يقول بغضب:
“إنتي السبب في اللي احنا فيه! ومش عجبك اللي بيحصل؟ واحدة زيك تحط في عينيها حصوة ملح وتقول أعوض أبويا عن اللي وصلته ليه، مش تتكلمي معايا بالأسلوب ده!”
لم تصرخ، لم تدفعه بعيدًا.
بل ظلت واقفة تتلقى ضرباته بصمت، وكأن جسدها فقد الإحساس، وكأن الألم لم يعد قادرًا على الوصول إليها.
وعندما انتهى، دفعها بقوة فسقطت على الأرض.
جلس هو على الأريكة يلتقط أنفاسه، ثم بصق نحوها باحتقار، وظل يسبها بأبشع الكلمات قبل أن يقول بصوت غاضب:
“تنزلي دلوقتي ومترجعيش غير بأكل وسجاير، يلا غوري في داهية.”
ظلت للحظة على الأرض تحاول أن تستوعب ما حدث، ثم نهضت بصعوبة.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وجلست على طرف السرير تلتقط أنفاسها، كانت نظراتها ثابتة أمامها، باردة، خالية من أي تعبير.
بعد دقائق طويلة، استطاعت أن تقف.
بدلت ملابسها بسرعة دون أن تهتم بمظهرها، ولا بشعرها المبعثر، ولا بالكدمات التي بدأت تتلون على وجنتها من ضربات والدها.
تحركت نحو الخارج، وقفت للحظة تنظر إلى والدها نظرة أخيرة، نظرة طويلة صامتة، ثم غادرت المكان دون أن تقول كلمة.
هبطت إلى الشارع، وقفت لثواني تحاول أن تستجمع أفكارها، لكنها أدركت سريعًا أنها لا تملك حتى ثمن سيارة أجرة.
تذكرت العنوان الذي أعطته لها ريم، كان بعيدًا جدًا.
تنهدت بتعب، ثم أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا.
لم يمر وقت طويل حتى جاءها صوت ريم عبر الهاتف.
تكلمت عهد بإحراج واضح:
“ريم، معلش، ممكن بس تبعتيلي حق المواصلات؟ علشان مش معايا فلوس خالص.”
ردت عليها فورًا بنبرة دافئة:
“أيوه طبعًا يا قلبي، إحنا أخوات. قوليلي عايزة كام؟”
ترددت عهد لحظة قبل أن تقول بخجل:
“خمسين جنيه بس، وأول ما أمسك فلوس هردهم ليكي.”
جاءها صوت ريم بنبرة عتاب خفيفة:
“بس بلاش هبل وعبط، من إمتى واحنا بينا الكلام ده؟ ابعتي الرقم اللي أبعتلك عليه.”
أغلقت معها الخط، ثم أرسلت لها الرقم.
بعد دقائق قليلة اتجهت إلى أحد الأماكن القريبة وسحبت الخمسين جنيه.
وقفت على جانب الطريق وأوقفت سيارة أجرة، ثم صعدت إليها وأعطت السائق العنوان.
انطلقت السيارة تشق الطريق وسط زحام المدينة، بينما كانت عهد تنظر من النافذة بشرود.
متجهة إلى مكان لا تعرف ماذا ينتظرها فيه، إلى عنوان مجهول، وإلى قدر لم تتخيل يومًا أنها ستسير نحوه بقدميها.
************************
وصلت عهد إلى الفيلا وتوقفت أمام البوابة الحديدية الكبيرة، رفعت عينيها تتأملها للحظات، كانت ضخمة وباردة كأنها تفصل بين عالمين، شعرت بشيء غريب يضغط على صدرها دون سبب واضح، ابتلعت ريقها وحاولت أن تهدئ اضطرابها قبل أن تتقدم نحو الحارس قائلة بتوتر خافت:
“أنا البيبي سيتر، وفيه ميعاد ليا جوه.”
أخذ منها بطاقة الهوية، نظر إليها قليلًا ليتأكد منها، بينما كانت هي تقف أمامه تشعر بأن دقات قلبها أعلى من اللازم، وكأن قلبها يسبقها إلى شيء لا تعرفه، أعاد لها البطاقة أخيرًا وفتح الباب الحديدي، فدخلت ببطء شديد، خطواتها هادئة لكن قلبها مضطرب، تحركت داخل الحديقة الواسعة وهي تنظر حولها بإعجاب حذر، المكان فخم بشكل لافت، أشجار مرتبة بعناية، نافورة صغيرة يتردد صوت مياهها في الصمت، والفيلا نفسها شامخة بواجهتها البيضاء ونوافذها الواسعة. ورغم كل هذا الجمال شعرت بوخزة غريبة في قلبها، إحساس غير مريح لا تعرف سببه، كأن شيئًا ما ينتظرها هنا.
دخلت إلى الداخل أخيرًا وجلست تنتظر، كانت الصالة واسعة وهادئة بشكل مبالغ فيه، نظراتها تدور في المكان بشرود، تراقب التفاصيل دون أن تراها حقًا، وكأن عقلها مشغول بشيء آخر، مرت دقائق ثقيلة قبل أن تسمع خطوات خفيفة، فرفعت رأسها لترى طفلة صغيرة تدخل مع الخادمة وتقف أمامها.
تعلقت عيناها بالطفلة لثواني، كانت جميلة بشكل لافت، بشعرها الناعم وعينيها الواسعتين الممتلئتين ببراءة طفولية صافية، ابتسمت عهد دون وعي، وانحنت بجسدها قليلًا حتى تصبح في مستوى الطفلة وقالت بلطف دافئ:
“أيه الجمال ده، أسمك أيه بقى؟”
نظرت الطفلة إليها بثقة طفولية وقالت ببساطة:
“أسمي روفان.”
اتسعت ابتسامة عهد أكثر، ومدت يدها تداعب وجنتها الصغيرة بأصابع رقيقة وهي تقول بنبرة محببة:
“روفان؟ أسمك حلو أوي، وأنا اسمي عهد، بس طبعًا أسمك أحلى من اسمي بكتير.”
ظلت الطفلة تنظر إلى وجهها بفضول واضح، ثم عقدت حاجبيها قليلًا وقالت بتساءل بريء:
“ايه اللي في وشك ده يا أبلة عهد؟”
تجمدت ابتسامتها للحظة، ارتفعت يدها تلقائيًا نحو الكدمة في وجهها، أغمضت عينيها لثواني قصيرة كأنها تحاول ابتلاع وجع ما قبل أن تفتحها مجددًا وتحدثت بنبرة مختنقة:
“اتخبطت يا حبيبتي، المهم فين بابي؟”
وفجأة، قبل أن تجيب الطفلة، انساب صوت رجولي عميق من خلفها يقول بهدوء:
“نورتي يا آنسة عهد.”
في تلك اللحظة تصنمت عهد مكانها تمامًا.
الصوت، تلك النبرة تحديدًا، كانت تحفظها جيدًا، محفورة في قلبها قبل ذاكرتها، شعرت وكأن الدم انسحب من وجهها، وكأن قلبها توقف لثانية ثم عاد يخفق بعنف يكاد يمزق صدرها. رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرفه مسبقًا.
ورأته، كان يقف أعلى الدرج.
يقف هناك بهيئة لم تره بها من قبل، أكثر صلابة، أكثر برودًا، كأن السنوات مرت عليه وأعادته رجلًا آخر، تجمعت الدموع في عينيها دون أن تشعر، وخرج اسمه من بين شفتيها كهمسة مرتجفة بالكاد تسمع:
“همام!”
بدأ ينزل درجات السلم بخطوات هادئة وثابتة، عيناه معلقتان بها دون أن تبتعد لحظة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تحمل أي دفء، كان هادئًا من الخارج، لكن خلف هدوئه كان هناك شيء مشتعل، بركان من غضب قديم لم يخمد.
وقف أمامها أخيرًا وقال بهدوء حذر:
“مفاجأة، مش كده؟”
تحركت شفتيها بارتعاش واضح، كانت الكلمات تتزاحم في حلقها لكنها بالكاد استطاعت إخراج صوتها:
“أ أنت رجعت إمتى؟”
ذوت شفتاه بابتسامة ساخرة، نظرة باردة مرت على وجهه قبل أن يقول ببطء قاسي:
“رجعت علشان أشوف كسرة عيونك، رجعت علشان أملي عيني بوجعك وألمك، صح الخاتم الألماظ راح فين؟ وعريسك الغني مجاش معاكي ليه؟”
شعرت كأن الكلمات صفعات متتالية على قلبها، ابتلعت الغصة التي كادت تخنقها، لكن الكلمات رفضت الخروج من حلقها، ودقات قلبها أصبحت عنيفة لدرجة شعرت أنها ستخترق صدرها.
وقبل أن تستطيع الرد.
ركضت الطفلة فجأة نحو همام، أمسكت يده الصغيرة وقالت بفرح طفولي صادق:
“دي لطيفة أوي يا بابي، أنا عايزاها.”
في تلك اللحظة، كان الأمر كأن خنجرًا غرس في صدرها مباشرة.
تجمدت نظرتها على يد الطفلة الممسكة بيده، بقيت تحدق فيها لثواني طويلة وكأن عقلها يرفض فهم الكلمة التي سمعتها للتو، ثم رفعت عينيها إليه ببطء شديد، وكان وجهها شاحبًا كأن الحياة انسحبت منه.
خرج صوتها ضعيفًا، مرتجفًا، شبه مكسور:
“ب بابي؟ بنتك؟ أنت اتجوزت يا همام؟”
مال قليلًا وحمل طفلته على ذراعيه بسهولة، ضمها إليه كأنها أغلى ما يملك، ثم نظر إلى عهد بنظرة باردة وقال بنبرة متشفية:
“روفان بنتي، وأجمل حاجة في دنيتي، النور بعد الضلمة، الطبطبة اللي ربنا طبطب بيها على قلبي.”
لم تستطع هذه المرة أن تمنع دموعها، انسابت من عينيها دون إذن، وقالت بصوت مختنق يفيض بالألم:
“قالوا ليا زمانك نسيتني واتجوزت وعيشت حياتك، بس أنا مصدقتش، قلت مستحيل تقدر تكون مع واحدة غيري، مستحيل تنسى حبي بسهولة كده.”
تعالت ضحكته فجأة، ضحكة حادة قاسية أقرب للهستيريا، ثم قال بسخرية لاذعة:
“ليه مستحيل أكون مع واحدة غيرك؟ مفكراني هقعد أعيط علشانك؟ ولا مفكرة أن اللي خلقك مخلقش غيرك؟ أنتي كنتي مجرد واحدة كدابة، مغرورة شايفة نفسها، عايزة الناس كلها خاتم في صوابعها، بس بتحلمي، متخلقش لسه اللي يقدر يكسرني، شوفي نفسك بقيتي أيه، وأنا بقيت فين.”
خفضت رأسها للحظة، وكأن الكلمات الثقيلة تسقط فوقها دفعة واحدة، لكنها رفعتها مجددًا وقد اشتعل الغضب في عينيها رغم الدموع وقالت بحدة موجوعة:
“أنت حيوان يا همام، وشغلك الله والغني عنه مش عايزاه.”
استدارت لتغادر، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة كانت الطفلة قد نزلت من بين ذراعي أبيها وركضت خلفها، أمسكت يدها الصغيرة وقالت ببراءة دافئة:
“خليكي متمشيش يا أبلة عهد، أنا حبيتك أوي.”
توقفت عهد، نظرت إلى اليد الصغيرة الممسكة بيدها، وشعرت بقلبها ينقبض أكثر، ابتسمت للطفلة ابتسامة حزينة جدًا وقالت بصوت خافت:
“وأنا كمان حبيتك أوي، بس متزعليش مني، مش هقدر أقعد في المكان ده لحظة واحدة.”
تحركت نحو الباب بخطوات سريعة، لكن صوت همام أوقفها وهو يقول بسخرية جارحة:
“أيه، بنت الحسب والنسب مش قادرة تتقبل الفرق بيني وبينها؟ لسه زي ما أنتي، مغرورة.”
استدارت نحوه ببطء، نظرت إليه نظرة مليئة بالحزن العميق وقالت بصوت هادئ موجوع:
“لا، بس مصدومة فيك، مش قادرة أشوف النسخة الجديدة منك يا همام، ياريتك ما رجعت.”
أنهت كلماتها وركضت إلى الخارج.
ظل واقفًا مكانه ينظر إلى أثرها وهي تختفي خلف الباب، ومع اختفائها لانت ملامح وجهه لأول مرة، وشعر بدقات قلبه تتمرد عليه، كأنها ترفض القسوة التي صبها عليها، وكأن شيئًا داخله يريد أن يركض خلفها ويوقفها، لكنه ظل واقفًا مكانه، ساكنًا، يحمل طفلة بين ذراعيه وقلبًا مشتعلًا بين ضلوعه.
***********************
وصلت عهد إلى منزلها، ويدها ترتعش وهي تدفع الباب خلفها، كأن كل خطوة تخطوها تثقل قلبها أكثر، لم تنظر لوالدها، لم تنتبه لصوت قدميه خلفها، كان كل شيء حولها ضبابيًا، وكأن العالم توقف عن الدوران، أغلقت الباب ببطء، لتجد نفسها وحيدة مع صمت يثقل صدرها، جلست على حافة السرير، وعيونها شاخصة أمامها، لكن ذهنها كان يسبح بعيدًا، في كل كلمة، كل نظرة، كل ضحكة من همام كانت محفورة في ذاكرتها.
الدموع كانت تقف على طرف عينيها أولًا، تتجمع، ثم انفجرت فجأة، شلالًا جاري بلا توقف، وكأن كل ما كتمته خلال هذه السنوات خرج دفعة واحدة، كل صرخة داخل قلبها، كل شعور بالخذلان والغدر، كل حنين مضى، أصبح حاضرًا أمامها، كلمة “بابي” ترددت في رأسها، تتردد وكأنها خنجر يثقب قلبها مرة تلو الأخرى، فتخنقها وتتركها غارقة بين الماضي والحاضر.
صوت قلبها كان يرتجف، ينبض كأنه يريد أن يخرج من صدرها، خفقات متسارعة، مخنوقة بين الغضب والحزن والصدمة، حاولت أن تجمع نفسها، أن تكون قوية، لكن كل شيء انهار داخلها في لحظة واحدة. ذكرياتهم معًا، ابتساماته، ووعوده التي اعتقدت أنها أبدية، كل شيء كان أمامها، وكل شيء سلب منها بلا رحمة.
صرخت، صرخت بكل ما في قلبها من ألم وحب مفقود، وكأن صوتها يمكن أن يغير الواقع ويعيد لها ما أخذ:
“ليه تعمل كده يا همام؟ لييييه؟! أنا كنت واثقة إنك مستحيل تكون لغيري، غبي، غبي يا همام، ليه مبصتش في عيني وقتها، كنت هتعرف أني بكذب عليك، وأنه مافيش في قلبي غيرك، ياااارب هونها على قلبي!”
أغمضت عينيها بقوة، تحاول أن تمنع الدموع، لكن جسدها كان يرفض الطاعة، يرتجف من البكاء والوجع، كل عضلة في جسدها تنطق بالحزن، حتى صدرها يئن تحت وطأة الألم. أحست بغصة تلتصق بحلقها، وكأن كل كلمة لم تقال بعد، كل لحظة فقد، كل فرصة ضاعت، تحاصرها.
تذكرت ذكرياتهم الصغيرة، ضحكاتهما معًا، المرات التي شعرت فيها بالأمان، واللحظات التي وعدها فيها بالحب الأبدي، والآن؟ الآن رأته متزوجًا، وأنجب طفلة، ولفظها من حياته كأنها لم تكن سوى صفحة منسية في كتابه. شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدميها، وكأنها سقطت في هاوية لا قاع لها، وكل ما حولها أصبح ضبابًا كثيفًا، مزعجًا، يختلط فيه الواقع بالخيال.
ورمت نفسها على السرير، جسدها يرتجف، يئن تحت وطأة الحب والخذلان والوجع، وعيونها مغلقة تحاول أن ترفض الحقيقة، تتمنى لو كان مجرد كابوس ستستيقظ منه، لكن الواقع ظل واقفًا أمامها، صامتًا وقاسيًا، يترك قلبها ينزف في صمت.
************************
“الفصل الثاني عشر”
مرت عدة أيام على عهد وهي حبيسة غرفتها، لا تغادرها إلا نادرًا، ترفض استقبال أي مكالمات حتى من صديقتها ريم، كانت تعيش داخل دوامة من الأفكار والذكريات التي لا ترحم، وكلما حاولت الهروب منها، عادت تطاردها بصورة أقسى.
أما همام، فكان في مكان آخر ينتظر،
لا ينتظرها شوقًا كما كان يفعل قديمًا، بل ينتظر اللحظة التي تعود فيها إلى طريقه مرة أخرى، اللحظة التي يستطيع فيها أن يرد كرامته كما خطط طوال تلك السنوات الماضية.
في صباح يوم جديد، قطعت سكون الشقة طرقات عنيفة وغاضبة على الباب.
انتفضت عهد من نومها بفزع، وقلبها يخفق باضطراب، ثم أسرعت إلى الخارج بخطوات متعثرة، عندما فتحت الباب، وجدت مالك الشقة، حسن، يقف أمامها بوجه متجهم، وخلفه اثنان من رجال الشرطة.
ارتبكت ملامحها فور رؤيتهم، وتحدثت بتوتر:
“خ خير يا عم حسن؟”
تكلم حسن بنبرة غاضبة:
“مش خير يا عهد، ميعادك خلص وانتي برضه مجبتيش الفلوس، يا تخدي شوية الكراكيب دول وتسيبي الشقه، يا كسرهم وارميكي انتي وابوكي والفرش من البلكونه.”
تغير لون وجهها وارتعش صوتها وهي تحاول استجماع كلماتها، ثم قالت بتوسل واضح:
“بترجاك يا عم حسن اديني بس وقت وانا والله هجبلك الفلوس كلها مرة واحده.”
حرك الرجل رأسه بغضب، وكأن كلماتها لم تعني له شيئًا، ثم نظر إلى الشرطي بجواره وقال وكأنه يشكو له:
“اهو يا باشا قاعدين فى الشقه بالقوة، ومش راضين لا يدفعوا الفلوس ولا راضين يسيبوها.”
أسرعت عهد تهز رأسها بالرفض، وقد بدأت نبرة الدفاع تظهر في صوتها وهي تقول محاولة توضيح الأمر:
“والله ما حصل، أنا كنت بدفع ليه الايجار على طول، بس قعد من الشغل الفترة دي، انا بس الاقي شغل وهسد ليه القديم كله.”
لكن الضابط لم يبدو مهتمًا بالتفاصيل، فقط نظر إليها ببرود ثم قال بلهجة آمرة:
“ملناش فيه يا تدفعي الفلوس دلوقتي، يا تفضي الشقه وتسلميها لصاحبها.”
ارتجف صوتها أكثر، واقتربت خطوة كأنها تحاول التمسك بأي أمل، وقالت بنبرة مختنقة بالرجاء:
“ابوس ايدك يا عم حسن، بلاش ترمينا فى الشارع، حرام عليك.”
لكن حسن التفت إلى الشرطي مرة أخرى وقال بصرامة:
“أنا عايز شقتي يا باشا.”
لم ينتظر الضابط أكثر من ذلك، دفع عهد بقوة إلى الداخل حتى اختل توازنها قليلًا، ثم التفت إلى الشرطي الآخر وقال بأمر واضح:
“اومر الرجالة تطلع ترمي شوية الكراكيب دول علشان نسلم الشقه لصاحبها.”
سقطت عهد على الأرض من أثر الدفعة، ثم نهضت بسرعة وهي تهز رأسها بعنف وترفض ما يحدث أمامها، وقالت بصوت مرتجف:
“لا لا، ارجوك بلاش.”
وبالفعل صعد بعض الرجال الأقوياء إلى الداخل، وبدأوا يحملون أثاث الشقة القليل قطعة بعد الأخرى، بينما كانت عهد تتحرك بينهم بارتباك تحاول منعهم، تمسك بيد هذا وتترجى ذاك، لكن دون جدوى.
وفجأة، تجمدت الحركة في المكان عندما قطع المشهد صوت رجولي عميق، حازم، يحمل نبرة أمر لا تقبل النقاش.
توقف الرجال في أماكنهم، والتفت الجميع نحو مصدر الصوت.
عند باب الشقة كان يقف رجل ذو هيبة واضحة، شامخ القامة، ونظرته حادة، وكأنه يملك المكان كله، وتكلم بنبرة أمر:
“سيبوا اللي فى ايديكم.”
التفت الضابط نحوه متفحصًا هيئته بفضول واضح، ثم قال باستفسار:
“مين حضرتك؟”
لم يبدو على الرجل أي ارتباك، بل تقدم خطوة إلى الداخل بثبات، ثم قال بهدوء بارد وهو ينظر إلى صاحب الشقة:
“عليهم كام؟”
رد حسن سريعًا وكأنه وجد الحل الذي ينتظره:
“عليهم تلت شهور متأخرة.”
أخرج همام دفتر الشيكات الخاص به بهدوء تام، وكأن ما يحدث أمامه أمر عادي لا يستحق الانفعال، كتب المبلغ بخط ثابت، ثم اقتلع الشيك ومد يده به قائلًا:
“خد ده إيجار تلت سنين.”
لكن قبل أن تمتد يد حسن لتأخذ الشيك، هزت عهد رأسها بعنف وهي تنظر إلى همام بعينين تمتلئان بالغضب والجرح في آن واحد، وقالت بصوت مرتجف لكنه حاد:
“خد الشيك بتاعك لو سمحت أنا مش عايزة حاجه منك.”
ثم التفتت إلى الضابط وقالت بإصرار:
“على بليل هكون اخد حاجتي وسلمته شقته.”
أغمض همام عينيه للحظة، وكأن صبره بدأ ينفد، ثم فتحهما ببطء وقال من بين أسنانه بحدة:
“حطي لسانك فى بؤقك، فاااهمه.”
رفعت عهد ذقنها قليلًا ونظرت إليه بعناد واضح، ثم قالت بصوت غاضب:
“لا مش فاهمه، وياريت تتفضل من هنا لو سمحت.”
في تلك اللحظة كان رياض يقف جانبًا يراقب ما يحدث ببرود غريب، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا، تقدم خطوة للأمام، ومد يده وأخذ الشيك من يد همام دون تردد، ثم أعطاه لمالك الشقة قائلاً:
“مش اخد فلوسك امشي بقى من غير مطرود.”
اتسعت عينا عهد بصدمة حقيقية، واستدارت نحو والدها بسرعة وهي تقول بغضب:
“انت ايه اللي عملته ده؟”
ثم تحركت فورًا نحو مالك الشقة محاولة إيقافه:
“هات الشيك ده لو سمحت.”
لكن حسن لم ينتظر، بل تحرك سريعًا باتجاه الباب وهو يقول بلا اكتراث:
“حلو مشاكلكم مع بعضكم، أنا اخد اللي عايزة وانتوا حرين.”
ثم غادر المكان هو ورجال الشرطة تاركًا خلفه توترًا ثقيلًا يملأ الشقة.
استدارت عهد نحو والدها بعينين مشتعلة بالغضب وقالت:
“انت ايه يا اخي معندكش دم، انت عارف تمن الفلوس دي ايه؟ انت عارف مين ده اصلا اللي اخد منه الفلوس؟”
اشتعل غضب رياض فورًا من طريقتها في الحديث، فصرخ فيها بعنف:
“انتي اتجننتي وبتقلي ادبك عليا، أنا هقطعلك لسانك ده.”
ورفع يده عاليًا ليصفعها، لكن قبل أن تهبط يده، كانت يد همام أسرع، أمسك بمعصمه بقوة شديدة حتى كاد أن يسحقه بين أصابعه. نظر إليه بعينين يشتعل فيهما الغضب، وتكلم بتحذير واضح:
“لو ايدك اتمدت عليها هقطعهالك.”
أغمضت عهد عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنع دموعها من الظهور أمامه، ثم مدت يدها وأبعدت يد همام عن أبيها وقالت بصوت موجوع وغاضب:
“اطلع بره، وفلوسك أنا هرجعها ليك.”
نظر إليها همام نظرة طويلة مليئة بالتحدي، ثم قال ببرود:
“وانا مش عايز الفلوس دي، اعتبريهم مرتب اول شهر.”
هزت رأسها فورًا بالرفض، ورفعت رأسها بكبرياء واضح وقالت:
“وانا مش هقبلهم، علشان مش هشتغل عندك يا همام.”
اقترب منها همام خطوة أخرى حتى أصبح بينهما مسافة صغيرة جدًا، كادت أن تلغي المسافة بينهما تمامًا، ثم قال بتحدي أشد:
“هتشتغلي عندي يا عهد، ومش حبًا فيكي لا، ده لان بنتي بس اتعلقت بيكي وعايزاكي، وانا مستعد اهد الدنيا كلها علشان انفذ طلبها.”
تعالت دقات قلبها بعنف، ونظرت إليه مباشرة في عينيه، نظرة حملت أشياء كثيرة في لحظة واحدة؛ اشتياق قديم، حب لم يمت، وأخيرًا عتاب موجع.
للحظة قصيرة جدًا، سرح همام في عينيها، ولانت ملامحه قليلًا، وتعالت أنفاسه دون أن يشعر، لكن تلك اللحظة لم تدم، قطعها صوت رياض وهو ينظر إليه بحدة ويسأله باستغراب:
“انت مين؟”
في لحظة واحدة عادت القسوة إلى ملامح همام، ابتعد خطوة عن عهد، ثم استدار نحو رياض ببطء وتكلم بكبرياء واضح:
“ايه يا رياض باشا مش فاكرني؟ شكلك كبرت وخرفت.”
ثم اقترب منه خطوة بطيئة، ثقيلة، وكأن كل خطوة تحمل سنوات من الكراهية المكبوتة، وتكلم بكره واضح:
“أنا همام، الموظف اللي انت وبنتك لعبتوا بي، أنا الموظف الفقير اللي مكانش لايق على بنت الحسب والنسب.”
اتسعت عينا رياض بعدم تصديق، وكأن الاسم ضربه فجأة من الماضي، ثم نطق بصدمة:
“همام!”
أومأ همام برأسه ببطء، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة شامتة، ثم قال بنبرة تحمل سخرية مريرة:
“امم، همام! ايه رأيك بقى فى تغير الحال، وانت مش لاقي اللقمة وعايش فى شقة ايجار وكنت هتترمى فى الشارع، وانا ربنا فتحها عليا من وسعه بقى عندي شركة و فيلا و عربيات.”
ثم نطق كلمته الأخيرة وهو يوجه نظره مباشرة نحو عهد، وكأنها المقصودة بكل حرف يخرج من فمه:
“وعندي بنت زي القمر.”
أغلقت عهد عينيها للحظة، وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها بثقل لا يحتمل، ثم قالت بصوت مكسور حاولت أن تخفي فيه ضعفها:
“امشي يا همام، بترجاك امشي، وانا اول ما ألاقي شغل هجبلك فلوسك، اه مش هيكون المبلغ كله، بس هقسطه ليك.”
لكن همام هز رأسه بالرفض، ونظر إليها بنظرة حاسمة قبل أن يقول بنبرة ناهية:
“قولتلك مش هتشتغلي فى أي مكان مهما حاولتي، كلهم بتوع مصالح وانا نفذتلهم مصالحهم مقابل محدش فيهم يشغلك.”
اتسعت عيناها بصدمة وغضب في آن واحد، ثم صرخت فيه بعصبية:
“ليييه بتعمل فيا كده؟ بلاش تغير صورتك فى عيني يا همام.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة، ابتسامة رجل يحمل جرحًا قديمًا لم يلتئم أبدًا، ثم قال بصوت بدا مختنقًا رغم محاولته إخفاء ذلك:
“مبقاش يفرق معايا صورتي ايه فى عيونك، علشان صورتك أنا قطعتها جوايا، من اللحظة اللي كسرتي قلبي وكبريائي، علشان خاتم ألماظ، اللي لو عيشت عمري كله مكنتش هعرف اجيب ربع تمنه، بس شوفي الزمن دوار ازاي، وبقى معايا اجيب بدل الخاتم مية، واقدر اشتريكي انتي شخصيًا.”
هزت عهد رأسها ببطء، ورفعت عينيها إليه بكبرياء حزين، ثم قالت بثبات:
“وانا عمري ما كنت للبيع يا همام، لا زمان ولا دلوقتي، اتفضل من غير مطرود.”
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، وعيناه تتحركان من أعلى رأسها حتى قدميها، وكأنه يقيس المسافة التي تفصل بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه الآن.
ثم قال بنبرة أمر قاطعة:
“من الصبح تكوني عندي برضاكي، بدل ما اجيبك بطريقتي غصب عنك.”
أنهى كلماته دون أن ينتظر ردًا، واستدار وغادر المكان بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا يملأ الشقة.
وقفت عهد مكانها للحظة، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث، ثم التفتت إلى والدها بنظرة غاضبة مشتعلة، قبل أن تستدير بسرعة وتتجه إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم أسندت ظهرها عليه، وبقيت واقفة للحظات وأنفاسها تتعالى بعنف من شدة الانفعال.
نظرت أمامها بشرود، وكأنها تحاول إنكار الواقع الذي يضغط على صدرها.
هزت رأسها ببطء، رافضة ما يحدث، رافضة كل شيء.
ثم بدأت تنزلق ببطء حتى جلست على الأرض.
ضمت قدميها إلى صدرها، وأسندت ذقنها فوق ركبتيها، وظلت تحدق في الفراغ أمامها، لم تصرخ، لم تبكي، فقط نظرة واحدة ثابتة، فارغة، فاقدة للحياة.
كنظرة إنسان فقد شيئًا داخله، ولم يعد يعرف كيف يستعيده.
**************************
فى صباح اليوم التالي…
لم يكن نومًا حقيقيًا، بل غفوة ثقيلة سقطت فيها عهد من شدة الإرهاق بعد ليلة طويلة من الصمت والوجع.
كانت عيناها مغلقتين، وجسدها ساكنًا فوق الفراش كجسد فقد طاقته على المقاومة.
وفجأة، شق صوت والدها الصمت كالسوط، غاضبًا، قاسيًا، لا يحمل ذرة رحمة:
“قومي يلا أخلصي، هتتأخري على شغلك.”
ارتجف جفنها قليلًا قبل أن تفتح عينيها ببطء شديد، وكأنهما أثقل من أن ترفعا.
نظرت إلى السقف لحظة، تحاول أن تستوعب أين هي، وماذا ينتظرها اليوم.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تكلمت بصوت مختنق، متعب، كأنه يخرج من أعماق صدر مثقل:
“شغل ايه يا بابا؟ أنا لسه ملاقتش شغل.”
لكن كلمتها لم تلقي أي تعاطف.
بل جاءها صوته كالرعد، غاضبًا أكثر:
“امال شغل همام ده ايه؟ قومي أخلصي بلاش دلع.”
كأن الاسم وحده كان كفيلًا أن يوقظ كل الألم بداخلها.
اتسعت عيناها فجأة، واعتدلت في جلستها كأن أحدهم صفعها بقوة.
حدقت فيه بصدمة خالصة وهي تقول بعدم تصديق:
“انت عايزني، اروح اشتغل عند همام فى بيته؟”
اومأ برأسه، ببساطة مرعبة، وكأنه يطلب منها أن تذهب لشراء الخبز فقط.
وتحدث بنبرة لئيمة، وعيناه تلمعان بطمع واضح:
“اه تروحي تشتغلي عنده فى بيته، وكمان حاولي تخليه ينسى اللي حصل زمان، ووقعيه فيكي، لو اللي بخطط ليه ده حصل زي ما في دماغي، هنرجع زي الاول واحسن كمان.”
لثواني، لم تتكلم، فقط ظلت تنظر إليه، وكأنها تحاول أن تتأكد أن هذا الرجل هو نفسه الذي يفترض أنه والدها.
شيء ما داخل صدرها انكسر بصوت مسموع.
ثم هزت رأسها ببطء، غير مصدقة، قبل أن تنفجر صارخة:
“انت ايه يا شيخ، بتعلى على نفسك فى النداله كل يوم؟ يعني زمان خلتني اجرحه وادوس على قلبه بجذمتي، علشان خاطر واحد تاني معاه فلوس، وخسرك كل حاجه، ودلوقتي عايزني ارجع تاني ليه مذلولة علشان يتجوزني، وترجع حضرتك تاني لمستواك، ولا همك قلبي زمان ولا همك كرامتي وقلبي دلوقتي، أنا مش هروح اشتغل عند همام يا بابا.”
لم يتحمل كلماتها، اندفع نحوها فجأة، وأمسكها من شعرها بعنف شديد حتى صرخت من الألم.
مال بوجهه نحوها وهو يقول بصوت مشتعل بالغضب:
“لا يا روح أمك، انتي هتنفذي اللي بقوله ليكي بالحرف، احسن قسمًا بالله أحرق قلبك عليه، وبدل ما انتي عايشه دور الضحيه صاحبة الكرامة والنفس العزيزة، اخليكي مشتركة معايا فى قت..لة.”
تألمت فروة رأسها بشدة وهي تحاول الإفلات من قبضته، وبدأ جسدها يرتجف.
هزت رأسها بهستيريا، وصوتها خرج ممزقًا من شدة القهر:
“كفايه بقى حرام عليك، انت مستحيل تكون أب، مافيش واحد يستحمل يعمل كده فى بنته، انا بسببك اتعذبت كام سنه، شوفت الدنيا كلها بلون واحد، عيشت من غير روح، مش مسمحاك والله العظيم ممسمحاك.”
لكن كلماتها لم تكن سوى وقود لغضبه، فجأة جذبها من شعرها بعنف وأسقطها أرضًا.
ارتطم جسدها بالأرض بقسوة، قبل أن يبدأ في ركلها بقدمه بلا رحمة.
كل ضربة كانت تمزق شيئًا داخلها، ليس جسدها فقط، بل روحها أيضًا.
وكان صوته الغاضب يعلو فوق أنفاسها المتقطعة:
“صوتك ميطلعش، وهتقومي تلبسي دلوقتي وتروحي الشغل عند همام، وهتنفذي اللي هطلبه منك بالحرف فاهمه.”
استمر في ضربها، حتى شعرت عهد أن جسدها لم يعد قادرًا على المقاومة، أن قوتها انتهت.
توقفت عن محاولة الدفاع عن نفسها.
فقط انكمشت قليلًا فوق الأرض، تحاول حماية نفسها قدر المستطاع.
وأخيرًا، ابتعد عنها، خرج من الغرفة وكأن شيئًا لم يحدث.
تاركًا خلفه جسدًا مكسورًا فوق الأرض.
ظلت عهد للحظات طويلة لا تتحرك.
فقط تنظر إلى الباب الذي خرج منه، بعينين غارقتين بالألم.
ببطء شديد، وضعت يدها على الأرض وحاولت أن تنهض.
جسدها كله يصرخ من الوجع، لكنها وقفت في النهاية.
تحركت ببطء نحو خزانة ملابسها، فتحتها وأخرجت بعض الملابس.
ارتدتها دون أن تنظر حتى إلى ما تختاره.
لم يعد يهم، مدت يدها المرتعشة وفتحت الباب، خرجت من الغرفة.
ثم اتجهت نحو باب الشقة، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوته يأتيها من الخلف، ببرود:
“متنسيش اللي قولته ليكي، فاهمه.”
لم تلتفت، لم ترد، فقط خرجت من الباب، وأغلقته خلفها، كانت تتحرك كأنها آلة.
جسد يمشي، بلا روح، هبطت السلم ببطء شديد.
عيناها مثبتتان أمامها، بلا تركيز.
الدموع متجمعة داخلهما، لكنها ترفض النزول.
حتى البكاء، لم يعد قادرًا على الخروج.
ظلت تمشي، لا تدري إلى أين تقودها قدماها.
الشوارع تمر أمامها، والناس حولها، لكنها لا تراهم.
حتى بعد وقت طويل، رفعت عينيها أخيرًا.
لتجد نفسها تقف أمام البوابة الحديدية الضخمة لفيلا همام، توقفت للحظة.
نظرت إليها بصمت طويل، ثم تقدمت.
نظر إليها الحارس باستغراب، لكنها لم تنطق بكلمة، فقط نظرت إليه.
فهم بصمت، وفتح لها البوابة، دخلت ببطء إلى الداخل.
وفي تلك اللحظة، كان همام يفتح باب الفيلا ليغادر إلى العمل.
رفع رأسه، فتجمد مكانه، تفاجأ عندما رآها تقف أمامه.
عقد حاجبيه باستغراب وهو ينظر إليها بتركيز.
لكن قبل أن تنطق بكلمة، ترنح جسدها فجأة، اختفت القوة القليلة التي كانت تحملها حتى الآن، وفي هذه اللحظة، سقطت داخل أحضانه، فاقدة الوعي.
*************************
“الفصل الثالث عشر”
جلس همام على حافة السرير.
جسده مائل قليلًا للأمام، وكأن ثقلًا خفيًا يجذبه إلى الأسفل.
ملامحه التي اعتادت الصلابة كانت اليوم مختلفة، الخوف واضح فيها، والقلق أيضًا، كان ينظر إلى عهد، جسدها ساكن فوق الفراش، وجهها شاحب، وأنفاسها هادئة بصورة مقلقة.
لم يعتد رؤيتها هكذا.
لم يعتد رؤيتها قريبة منه إلى هذا الحد، بعد كل تلك السنوات.
ابتلع ريقه بصعوبة، تحركت أصابعه ببطء فوق ركبته، مرتعشة قليلًا، كأنها تتمرد عليه.
رفع يده أخيرًا، وتحرك بها ببطء شديد نحو وجهها.
عيناه توقفت عند تلك الندبة الصغيرة على وجهها.
الندبة التي لم تكن موجودة في آخر مرة رآها.
مد يده أكثر، كأنه يريد لمسها، أو ربما التأكد أنها حقيقية.
لكن قبل أن تلامس أصابعه بشرتها، تحركت رأس عهد قليلًا، وارتعش جفنها.
سحب يده فورًا كأنه لمس نارًا.
تجهمت ملامحه بسرعة، وعاد ذلك القناع الصلب إلى وجهه.
استقام بجسده فجأة، وعقد ذراعيه أمام صدره، وعيناه أصبحتا باردتين وهو يتابعها بنظرات متفحصة، بعد لحظات، فتحت عهد عينيها ببطء.
ظلت تحدق في السقف قليلًا، وكأنها تحاول أن تستوعب أين هي.
ثم بدأت تنظر حولها باستغراب واضح.
الغرفة، الأثاث، المكان كله غريب عنها.
حتى وقعت عيناها عليه.
اعتدلت في جلستها فجأة وكأن تيارًا صدمها، وقالت بتوتر:
“أنا فين؟ وانت بتعمل ايه هنا؟”
ارتسمت على ملامحه قسوة سريعة، وكأنها درع يحتمي به، وقال بصوت رجولي غاضب:
“انتي فين! عندي الفيلا، وانا بعمل ايه هنا؟ طبيعي اكون هنا لأن دي اوضي.”
انتفضت مكانها فورًا، لكن الحركة كانت أقوى من قدرة جسدها.
تألمت بشدة، وانحنى جسدها قليلًا، وكادت أن تقع، لكن يد همام كانت الأسرع، اندفع نحوها وأمسك بها.
تعلقت عهد بذراعه دون وعي منها، فقط حتى لا تسقط، وتجمدت اللحظة، عيناهما التقتا، قريبة جدًا، أقرب مما ينبغي، مرت لحظات ثقيلة، لحظات مليئة بأشياء لم تقل.
حتى انتبهت عهد فجأة للوضع، سحبت نفسها سريعًا منه، وابتعدت خطوة وهي تتكلم بتلعثم:
“ا اه افتكرت، أنا كنت جايه ا استلم الشغل ع عندك، ب بس فترة لحد ما أخلصلك فلوسك اللي انت دفعتها، وبعد كده هسيب الشغل.”
ارتسمت ابتسامة غاضبة على شفتيه.
ابتسامة لا تحمل أي دفء.
وقال بتهكم واضح:
“ايه؟ مكسوفه تقولي انك ما صدقتي هتشتغلي عندي؟ لسه كبريائك مانعك تعترفي انك ولا حاجه؟”
لم ترد فورًا، تحركت ببطء نحو الأريكة.
جلست عليها بصعوبة واضحة.
الألم مر سريعًا فوق ملامحها لكنها حاولت إخفاءه، ثم قالت بصوت مختنق:
“مبقاش يفرق انت شايفني ايه دلوقتي فى نظرك، عارف، أنا كنت مستنيه اللحظة اللي هشوفك فيها وتحضني بعيونك زي ما متعودة، ايدك تحضن ايدي واحس فيهم بالدفا، طول السنين دي كنت بحلم باللحظة دي، بس صحيت على كابوس، السنين غيرتك موتت همام اللي أعرفه، إنما انت واحد تاني معرفهوش.”
للحظة، اختفى الغضب من عينيه.
وظهرت مكانه مرارة قديمة، ارتسمت ابتسامة موجعة على شفتيه وهو يقول بصوت مختنق:
“انتي اللي موتي همام التاني بأيدك، لما كسرتي قلبي و دوستي على كرامتي بجزمتك، لما قللتي مني علشان خاتم ألماظ فى صوابعك، وواحد باعك لما خسرتوا كل حاجه، انتي اللي دبح..تيني بأيدك، وولدي جوايا الكره والشر.”
وقفت عهد ببطء، تقدمت نحوه خطوة.
عيناها كانتا موجوعتين، لكن ثابتتين.
ثم قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه:
“انت اللي غبي وحمار، لو كنت كلفت نفسك وبصيت فى عيوني وقتها، كنت هتعرف كل حاجة، بلاش تعيش دور المظلوم المكسور، وانت كمان كنت جلاد زيهم.”
أنهت كلامها، واستدارت متجهة نحو الباب.
لكن قبل أن تصل إليه، تحرك همام بسرعة وأمسكها من ذراعها بغضب.
وفور أن ضغط على ذراعها، خرجت منها تأوهة ألم مفاجئة، ألم حقيقي، تجمد.
نظر إلى ذراعها للحظة، ثم أبعد يده عنها فورًا.
تكلم من بين أسنانه بحدة:
“قصدك ايه بكلامك ده؟”
نظرت إليه، نظرة مليئة بالتمرد، والوجع معًا.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تقول:
“بعد اذنك لازم اروح اشوف شغلي.”
وخرجت، تاركة خلفها غرفة مليئة بالأسئلة.
وقف همام مكانه لحظة.
ينظر إلى الباب الذي خرجت منه.
ضيق يعتصر صدره دون أن يعرف سببه.
ثم تحرك إلى الخارج، فوجئ بها في الصالة، كانت تحمل طفلته الصغيرة.
أجلستها على قدميها وهي تقول بابتسامة هادئة جميلة:
“بنوتي عاملة ايه؟”
ردت عليها الطفلة ببراءة:
“أنا كويسه يا أبلة عهد، أنا خوفت عليكي اوي، لما أغمى عليكي، وبابي كمان كان خا…”
لكن همام تدخل بسرعة، وكأنه يقطع الحديث قبل أن يكتمل، وقال بنبرة رجولية:
“روفا حبيبة بابي انا رايح الشغل عايزة حاجة؟”
نزلت الطفلة من فوق قدم عهد وركضت نحو أبيها قائلة:
“هي تيته راحت فين؟”
رفعت عهد رأسها سريعًا، وسألت باشتياق واضح:
“ماما حليمة؟!”
نظر إليها همام للحظة، شيء ما مر في عينيه، ثم تنهد بضيق وقال:
“تيته راحت تطمن على عمتو، علشان تعبانه شوية والسواق هيروح يجيبها بليل.”
اعتدلت عهد في جلستها واقتربت منهما قليلًا وقالت:
“ماما حليمة وحشتني اوي و كتير روحت البيت علشان اشوفها وملاقتهاش.”
رفعت الطفلة عينيها الصغيرة نحوها وقالت بفضول:
“انتي تعرفي تيته يا أبلة عهد؟”
كادت عهد أن ترد، لكن صوت همام سبقها، غاضبًا وقاسيًا:
“اه يا حبيبتي تعرفها عز المعرفه، وكتير اكلت من ايديها واترمت فى حضنها.”
أغلقت عهد عينيها بوجع، أنفاسها تعالت قليلًا وهي تتذكر تلك الأيام.
دفء البيت، حضن حليمة.
أيام كانت تبدو حلمًا جميلاً أما الآن وكأنها أصبحت كابوس.
لكن صوت الطفلة أعادها إلى الحاضر:
“انتي عارفه يا أبلة عهد، مامي كانت جميله اوي، وكان نفسها تشوف تيته وعمتو، بس بابي كان على طول بيرفض.”
رفعت عهد عينيها نحو همام.
نظرة عتاب صامتة، ثم مالت بجسدها نحو الطفلة وحملتها بين ذراعيها وهي تقول بابتسامة حزينة:
“اكيد مامي كانت حلوة، علشان كده جابت العسل ده كله، ربنا يرحمها يا حبيبتي، يلا بقى نطلع نشوف هنعمل ايه فى اوضتنا.”
ثم اتجهت نحو الدرج، وصعدت بالطفلة إلى الأعلى.
وقف همام مكانه، ينظر إلى أثرها.
شيء مؤلم كان يتحرك داخل صدره، رغم كل شيء.
ثم استدار أخيرًا، وتحرك نحو الباب.
وغادر المكان سريعًا.
***********************
بالمساء…
عاد همام إلى المنزل بعد يوم طويل لم يشعر بمروره.
كان جسده في العمل، لكن عقله ظل عالقًا في مكان آخر، في تلك اللحظة التي سقطت فيها بين ذراعيه صباحًا.
منذ أن ترك الفيلا صباحًا، لم تهدأ دقات قلبه لحظة.
كان يحاول أن يغرق نفسه في العمل، في الملفات والاجتماعات والأرقام، لكن وجهها كان يتسلل إلى ذهنه رغمًا عنه، شاحبًا، متعبًا، يحمل شيئًا من الانكسار الذي لم يعتد أن يراه فيها.
أوقف سيارته أمام المنزل أخيرًا، وترجل منها ببطء.
كان الليل قد أرخى ستاره على المكان، والفيلا غارقة في هدوء ثقيل لا يقطعه إلا صوت خطواته فوق الأرض الرخامية.
صعد الدرج إلى غرفته بخطوات هادئة.
ما إن دخل حتى خلع سترته بإرهاق، وكأنه يحاول أن يتخلص معها من ثقل اليوم كله.
اتجه مباشرة إلى الحمام، وفتح الماء الدافئ.
تركه ينساب فوق رأسه وكتفيه طويلًا.
كان يحاول أن يهدئ ذلك الاضطراب الذي يعصف بصدره.
يحاول أن يقنع نفسه أن وجودها هنا لا يعني شيئًا، وأن الماضي انتهى منذ زمن.
لكن الحقيقة كانت أقسى، قلبه لم يكن هادئًا، ولم يكن مطمئنًا.
بعد وقت طويل خرج من الحمام، ارتدى ملابسه، ثم وقف لحظة ينظر إلى الفراغ أمامه.
شيء ما في داخله دفعه للتحرك.
خرج من غرفته، واتجه بخطوات هادئة نحو غرفة روفان.
وقف أمام الباب لحظة، ثم فتحه ببطء شديد، كأنه يخشى أن يوقظ السكون الذي يلف المكان.
نظر أولًا من خلال الفتحة الصغيرة في الباب.
توقفت أنفاسه قليلًا.
كانت عهد مستلقية على السرير، إلى جوار ابنته.
روفان نائمة بعمق، وقد التصقت بعهد كأنها وجدت فيها دفئًا افتقدته.
أما عهد، فكانت تغفو هي الأخرى، ملامحها هادئة على نحو مؤلم.
فتح الباب أكثر، ودخل بخطوات بطيئة.
اقترب منهما، وقف أمام السرير لحظة طويلة دون أن يتحرك.
عيناه انتقلتا بين وجه ابنته، ووجه عهد.
كان المشهد بسيطًا، لكنه غريب على قلبه.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه دون أن يشعر.
جلس على حافة السرير بجوار ابنته.
مد يده ببطء، ومرر أصابعه بين خصلات شعرها الصغيرة بحنان واضح.
ثم انحنى قليلًا ووضع قبلة هادئة على رأسها.
ظل ينظر إليها لحظة، قبل أن تتحول عيناه نحو عهد.
اقترب نظره منها قليلًا.
وهنا، لاحظ شيئًا لم يره صباحًا.
علامات كدمات خفيفة فوق ذراعها.
تجمدت ملامحه.
اقترب ببطء أكثر، ومد يده دون وعي منه.
لامس تلك الكدمات برفق شديد، كأنه يخشى أن يؤلمها.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بلمسته،
انتفضت عهد فجأة من مكانها.
فتحت عينيها بارتباك، ونظرت إليه بتوتر واضح وقالت:
“ا انت بتعمل ايه هنا؟”
استقام همام بجسده فورًا، وكأن تلك اللحظة أربكته هو الآخر.
عاد ذلك القناع القاسي إلى ملامحه.
وتكلم بنبرة متهكمة وقال:
“جاي اطمن على بنتي، عندك مانع؟”
حركت رأسها بضيق واضح، وردت عليه بصوت مختنق:
“لا مافيش مانع، بس ياريت حضرتك تراعي أن فيه واحده معاها، ياريت بعد أذنك تخبط الباب قبل ما تدخل.”
ضاقت عيناه قليلًا وهو ينظر إليها.
ثم قال باحتقار بارد:
“والله مش هتأمريني أعمل ايه فى بيتي، انتي هنا مجرد شغاله عندي وانا اللي أمرك مش العكس.”
أغلقت عهد عينيها للحظة.
غضب صامت مر فوق ملامحها، لكنها لم ترد.
فقط نهضت من مكانها بهدوء.
تحركت نحو الباب.
وقبل أن تخرج، تكلم همام بتساؤل:
“رايحه فين؟”
ردت عليه بضيق دون أن تنظر إليه:
“هسيبك تطمن على بنتك براحتك، وانا رايحه الاوضه اللي هما جهزوها ليا عن أذنك.”
ثم خرجت من الغرفة.
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت أن أنفاسها لم تعد تنتظم، دقات قلبها كانت عنيفة، تكاد تخترق صدرها.
تحركت في الممر بسرعة، ثم أسرعت الخطى، كأنها تهرب، تهرب منه، ومن نفسها.
وصلت إلى الغرفة التي خصصت لها، ودفعت الباب بسرعة.
أغلقته خلفها بقوة، ثم أسندت ظهرها عليه.
كانت أنفاسها متلاحقة، وعيناها تحدقان في الفراغ أمامها.
الصمت يملأ الغرفة، لكن رأسها كان ممتلئًا بالصخب.
حركت رأسها بهستيرية خفيفة، والكلمات خرجت متلعثمة بين شفتيها وهي تقول:
“مش هقدر أستحمل كل يوم اشوفه، أنا عيشت السنين دي كلها متماسكه علشان لما يرجع، بس متخيلتش أنه يرجع، بالقسوة دي، فكرت أن حبي فى قلبه اكبر من صدمته فيا، كنت ناوية أقوله الحقيقه اللي خلتني أعمل معاه كده وقتها، بس للاسف همام لسه مرجعش وده شخص تاني معرفهوش، يارب هونها على قلبي الموجوع ده.”
انقطعت كلماتها أخيرًا، ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم تحركت ببطء نحو السرير.
ارتمت عليه بتعب شديد، كأنها فقدت ما تبقى من قوتها.
رفعت عينيها إلى السقف، وظلت تنظر إليه طويلًا، تفكر في الطريق الطويل الذي قادها إلى هنا.
وفي القلب الذي عاد إليها أخيرًا، لكن ليس كما عرفته يومًا.
************************
باليوم التالي…
هبطت عهد بخطوات متثاقلة من أعلى الدرج، وكأن كل خطوة تثقلها ذكريات الألم الذي حملته في قلبها طوال الليالي الماضية.
وعندما وقعت عينها على حليمة، تجمدت في مكانها للحظة، وارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة مرتجفة، امتزجت فيها شدة الشوق ووجع الفقد، لقد اشتاقت إليها حتى كادت الروح تخرج من جسدها.
اقتربت منها ببطء، كل حركة تتثاقل بها، حتى وقفت أمامها، وارتعشت شفتيها حين تكلمت بصوت خافت مليء بالحنين:
“وحشتيني اوي يا ماما حليمة.”
نظرت إليها حليمة بدهشة، وقد بدا صوت عهد مألوفًا، وملامح وجهها ليست غريبة عنها، لكنها لم تستطع تذكرها بالكامل، كما لو أن الزمن قد طمس الذاكرة، فردت عليها بتساؤل حائر:
“انتي مين يا بنتي؟”
اقتربت عهد أكثر، وأشارت إلى نفسها بأصابع مرتعشة، وعيونها تفيض بالدموع المكبوتة:
“أنا عهد، يا ماما، نستيني؟”
تجمدت حليمة في مكانها، عيناها تحدقان في وجه الفتاة أمامها.
لقد تغيرت، وجهها الشاحب يحمل آثار الكدمات، وملابسها أصبحت مهملة، وحركاتها أصبحت أكثر توترًا، كأنها فتاة أخرى مختلفة تمامًا عن تلك النشيطة التي عرفتها.
ثم تكلمت حليمة أخيرًا بصوت يملؤه الدهشة والقلق:
“عهد! ازاي؟ ده انا حاسه انك واحده تانيه غير اللي عرفتها.”
ارتسمت على وجه عهد ابتسامة حزينة، وصوتها مختنق بالكلمات المخبأة خلفها من سنين الألم:
“مافيش حاجه بتفضل على حالها يا ماما.”
وعند سماعها كلمة “ماما” تتردد في صدى قلبها، تذكرت فجأة ما حدث لابنها همام، تجهمت ملامحها، وتحولت إلى قسوة غاضبة، صار صوتها أشبه بالصفعة على وجه عهد:
“ماما!! وانتي كنتي عملتي حساب لكلمة دي لما كسرتي ابني وجرحتيه؟ لما حرمتيني منه السنين دي كلها، علشان يهرب من حبك، انتي متستهليش الكلمة دي، انتي بتعملي أيه هنا، اتفضلي اطلعي بره.”
أغمضت عهد عينيها بقوة، تحاول أن تمنع دموعها من الانهمار، وتكلمت بصوت مختنق ينبع من أعماق قلبها الموجوع:
“حتى انتي يا ماما؟ أنا معملتش معاكم حاجه وحشه، ولا شوفتوا مني أي تكبر وقتها، أنا حبيتكم بجد، في حضنك كنت بحس بريحة ماما الله يرحمها، وسطكم كنت بحس نفسي طبيعية، بحس اني منكم، أنا سألت عليكي كتير، كنت باجي الحارة وأطلع الشقة أقول يمكن الاقيكي رجعتي، بس كل مرة كنت برجع مكسورة وقلبي موجوع، أنا ممكن أستحمل أي حاجة، إلا قسوتك عليا يا ماما.”
لمحة من الحنين مرت على قلبها للحظة، لكن حين تذكرت حالة همام عندما عاد مكسورًا من عندها، تجهمت حليمة مرة أخرى، وصوتها غاضب كالسيف:
“انتي مش أغلى من ابني عندي، وعدوة همام عدوتي، ياريت تطلعي بره ومشوفش وشك هنا تاني.”
ابتسمت عهد ابتسامة موجعة، ممتزجة بالحزن والألم، وصوتها مختنق بالكلمات التي تكاد تخرج من قلبها:
“واضح ان الزمن غير ناس كتير، عمومًا أنا هفضل أحبك مهما عملتي فيا، لأن زي ما قولتلك الوحيدة اللي حسيت في حضنها بريحة ماما، وأنا آسفة مش هقدر أمشي، لأن أنا شغالة هنا، بس متقلقيش مجرد وقت بس، وهسيب هنا في أول فرصة.”
فجأة، وصلها صوت همام، رجولي وغاضب، كما لو أن الجدار نفسه اهتز به:
“بتحلمي، انتي مش هتخرجي من هنا، غير على قبرك يا عهد.”
استدارت عهد لتواجهه بعينيها المتقدتين بالتحدي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مشوبة بالقسوة والشجاعة:
“لو الموت هي دي الطريقة الوحيدة اللي هتخرجني من هنا، هعملها أنا بنفسي يا همام.”
ارتجف قلبه في صدره، لكنه لم يبد أي تراجع في ملامحه، اقترب منها ببطء، نظر في عينيها مباشرة، وتكلم بهمس يملؤه الغضب والغيرة:
“لا، سيبي الموضوع ده عليا، متستعجليش، بس لما اخد حق قلبي منك الأول.”
أنهى كلامه واتجه نحو الباب، وفتحه ببطء.
قبل أن يغادر، سمع صوت عهد يكسر الصمت وهي تقول له بتحدي:
“هتندم يا همام، بس ساعتها ندمك مش هيشفعلك عندي مهما عملت.”
ارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة، ثم تحركت ببطء إلى الأعلى، تحمل قلبها المثقل، إلى غرفة روفان.
نظر همام إلى أثرها بعينين ممتلئتين بالغضب، ثم التفت إلى والدته بوجه صارم، وغادر المكان سريعًا، بينما قلبه لا يزال يئن من تلك المواجهة.
*************************
“الفصل الرابع عشر”
مرت عدة أيام، ظل الوضع كما هو؛ حرب صامتة تدور بين قلبين لم ينسيا بعضهما يومًا.
همام يحاول أن ينتقم لكرامته التي يعتقد أنها دفنت يوم تركته، وعهد تقاتل بصمت لتدافع عما تبقى من قلبها المنهك.
كان كل لقاء بينهما كمعركة خفية، كلمات قليلة، لكنها تترك جروحًا عميقة لا ترى.
في صباح يوم جديد، استيقظت عهد على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها.
اعتدلت في جلستها بتثاقل، ومسحت وجهها بيد مرتجفة، ثم سمحت بالدخول.
انفتح الباب، ودلفت الخادمة وهي تقول:
“أبوكي تحت، بيقولك همام بيه إنزلي ليه.”
أغمضت عهد عينيها بضيق، وكأن مجرد سماع اسمه صار عبئًا على قلبها، ثم أومأت برأسها قائلة:
“ماشي، هقوم أجهز وأنزله.”
خرجت الخادمة وأغلقت الباب خلفها.
زفرت عهد بضيق، ونهضت من فراشها متجهة إلى المرحاض.
وبعد وقت قصير، خرجت وقد بدلت ملابسها، ثم هبطت إلى الأسفل بخطوات بطيئة.
وما إن وصلت إلى الصالة حتى رأت والدها يجلس على الأريكة في انتظارها.
اقتربت منه ببطء، وقالت بصوت مختنق:
“إزيك يا بابا.”
نهض رياض سريعًا، واقترب منها واحتضنها بقوة وهو يقول بنبرة مليئة بالشكوى:
“وحشتيني أوي يا بنتي، البيت من غيرك ضلمة، بقى خرابة، طول النهار بقيت لوحدي، مش بلاقي اللي يعملي لقمتي، أنا اتبهدلت أوي يا عهد.”
ظلت يداها ساكنتين بجانب جسدها، لم ترفعهما لتبادله العناق.
وكان النفور واضحًا في ملامحها.
في الجهة الأخرى، كان همام يجلس على المقعد واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يراقب المشهد في صمت بارد، كأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا ممتعًا.
ابتعد رياض عن ابنته، وتنهد بحزن مصطنع:
“أنا تعبان أوي من غيرك يا بنتي.”
عندها اعتدل همام في جلسته أخيرًا، وقال بنبرة متعالية:
“تقدر تعيش هنا معاها.”
اتسعت ابتسامة النصر على وجه رياض للحظة، وكأن الحظ قد ابتسم له أخيرًا،
لكنه سرعان ما أخفى فرحته خلف ملامح مصطنعة من الحرج وقال:
“لا يا ابني، أنا مش عايز أكون حمل تقيل عليك، كفاية إنك دفعت إيجار الشقة، كتر خيرك، وبنتي عايشة هنا سعيدة ومبسوطة، أنا ليا ربنا يتولاني بقى.”
تكلمت عهد فورًا بغضب واضح:
“متشكرين لكرم حضرتك، بس بابا هيروح شقته، وأنا هستأذن ساعتين كل يوم، أروح أعمله لقمة وأنضف البيت، وأرجع هنا تاني على طول.”
أغلق رياض عينيه لحظة وهو يسبها في سره بأبشع الألفاظ.
لكن همام نهض من مكانه واقترب منهما ببطء.
رمق عهد بنظرة ذات معنى، ثم التفت إلى رياض قائلاً بتكبر:
“فيه أوضة في الجنينه بالحمام بتاعها، تقدر تعيش فيها، وأكلك من أكل الخدامين، أهو تبقى جنب بنتك وتقدروا تطمنوا على بعض.”
كانت كلماته كالسكاكين.
ضغطت عهد على أسنانها بغضب وقالت:
“كفاية إهانة لحد كده لو سمحت، بابا هيرجع الشقة، وأنا بس أخلص فلوسك اللي دفعتها إيجار للشقة، وبعد كده كل واحد من طريق.”
ابتسم همام باحتقار وقال ساخرًا:
“زعلانة ليه بس؟ على الأقل الأوضة اللي مش عجباكي أحلى من الخرابة اللي عايشين فيها في الحارة.”
كادت ترد عليه، لكن رياض سبقها قائلًا بسرعة:
“وأنا موافق.”
اتسعت عينا عهد بصدمة:
“بابا! إيه اللي أنت بتقوله ده؟”
أمسك رياض بيدها بقوة، والتفت إلى همام مبتسمًا:
“ممكن بس أقعد مع بنتي شوية لوحدنا؟”
أومأ همام برأسه موافقًا، وأشار بيده إلى الحديقة:
“اه طبعًا، تقدروا تقعدوا فى الجنينه براحتكم.”
أجبرها رياض على السير معه، بينما كانت نظرات همام تلاحقهما بتركيز شديد.
ابتعد بها إلى أبعد نقطة في الحديقة حتى لا يسمعهما أحد.
ثم ضغط على أسنانه وقال بتهديد واضح:
“انتي عارفة لو مبطلتيش تدخلي في الكلام وتحاولي تقنعي همام يمشيني من هنا؟ هكسر رقبتك، فاهمة؟”
نظرت له بغضب وقالت:
“مش هيحصل يا بابا، إيه كرامتك موجعتكش لما قالك تنام في الجنينه؟
محستش إنه قاصد يهينك؟ إزاي قادر تتكلم معاه ببساطة كده؟ وأنت كنت في يوم من الأيام السبب في بعدنا عن بعض.”
ارتسمت ابتسامة شريرة على وجهه، وهمس:
“آه، هقبل أعيش في أوضة هنا علشان أكون جنبه، علشان أوصل للي أنا عايزه، وأرجع تاني زي زمان، وانتي كمان لازم تساعديني، لازم تخليه يتجوزك.”
نظرت إليه بعدم تصديق وقالت بغضب مكتوم:
“مش هيحصل اللي بتقوله ده، مش هسمحلك تقرب منه، ولا تاخد مليم من فلوسه، اطلع من هنا على الشقة فورًا، أحسن والله لأقوله على اللي ناوي تعمله،
وأخليه يقوم بالواجب معاك، وهو ما هيصدق يطلع كبت السنين اللي فاتت فيك.”
تأكد رياض من خلو المكان، ثم أمسك شعرها بعنف، وقال من بين أسنانه:
“فوقي يا روح أمك، متفكريش إنك محمية هنا، أنا ممكن أدفنك مكانك، وأقسم بالله لو منفذتيش اللي قولتلك عليه، هحرق قلبك عليه قدام عيونك.”
أغمضت عينيها بألم وهمست:
“أنا بكرهك.”
دفعها بعيدًا وقال بغضب:
“إياكي تنطقي بحرف لما ندخل جوه، فاهمة؟”
رمقته بنظرة كراهية حادة، ثم ركضت إلى داخل الفيلا وصعدت إلى غرفتها.
كان همام يراقبها بنظرات متفحصة.
اقترب رياض مبتسمًا بتوتر وقال:
“البت لسه مش قادرة تنسى إحنا كنا إيه زمان، صعبان عليها تشوفني مرمي في أوضة بره.”
ابتسم همام بسخرية وقال:
“معلش بقى يا رياض، هو ده حال الدنيا،
بتقلب الموازين في لحظة.”
ابتسم رياض بخبث:
“طبعًا يا همام باشا، ومحدش عارف بكرة مخبي إيه.”
استقام همام وقال وهو يتجه نحو الباب:
“أنا من رأيي، لا تروح ولا تيجي.
كده كده شوية الهلاهيل اللي عندك ملهمش لازمة، أبقى أشوفلك طقمين من عندي قدام.”
أومأ رياض سريعًا:
“كتر خيرك يا باشا، ربنا يكتر من أمثالك.”
لكن همام لم ينتظر، فقد خرج وتركه وحده.
نظر رياض إلى أثره بعينين تلمعان بالطمع، وتمتم بتوعد:
“قريب أوي، هيكون ده كله بتاعي، اصبر عليا بس.”
ثم جلس على الأريكة، والتقط تفاحة من أمامه، وبدأ يلتهمها بشراهة.
**************************
جلست عهد على طرف سريرها في صمت ثقيل، تضم قدميها إلى صدرها وتلف ذراعيها حولهما، كأنها تحاول أن تحتمي بنفسها من العالم كله.
أسندت رأسها فوق ركبتيها، وعيناها معلقتان في الفراغ أمامها بلا تركيز.
كانت الدموع تقف عند حافة عينيها،
متجمدة، ترفض السقوط.
لم تعد تملك حتى رفاهية البكاء.
داخل صدرها كان وجع قديم يتجدد كل يوم، وجع تعلمت أن تخفيه خلف الصمت، لكن اليوم كان أثقل من أن تتحمله.
لم تشعر بباب الغرفة وهو يفتح بهدوء.
ولا بالخطوات الصغيرة التي اقتربت منها ببطء.
حتى شعرت فجأة بيد صغيرة دافئة تتحرك فوق وجنتها.
انتفضت عهد قليلًا من مكانها، ورفعت رأسها بسرعة.
كانت روفان تقف أمامها، تنظر إليها بعينيها الصغيرتين المليئتين بالفضول والبراءة.
تحدثت الطفلة بتساءل طفولي بسيط، لكنه أصاب قلب عهد مباشرة:
“انتي زعلانه علشان معندكيش مامي زي؟ علشان وحشتك اوي ونفسك تشوفيها؟”
تجمدت عهد للحظة.
كانت كلمات الطفلة بسيطة، لكن وقعها في قلبها كان عميقًا.
اعتدلت في جلستها ببطء، ثم مدت يديها وحملت الطفلة لتجلسها فوق قدميها.
ضمتها إليها قليلًا، كأنها وجدت في قربها عزاءً صغيرًا.
ثم تكلمت بصوت مختنق يحمل وجع سنوات طويلة:
“تعرفي أن انا كمان مامي ماتت وانا فى نفس سنك كده بالظبط، وكنت بعيط كتير اوي، واقول أنا عايزه مامي، كان بابا بيضربني علشان اسكت وأبطل عياط، كنت بخاف واقعد فى اوضي، كنت بحضن نفسي واطبطب على قلبي لأني كنت لوحدي، بس انتي غيري، عندك تيته وعمتوا وبابي اللي بيحبوكي، عندك اللي بيهتم بيكي ووقت ما تعيطي يحضنك ويحسسك بالأمان، ربنا اخد منك مامي بس كرمك بعيله جميله وبتحبك، وبعد عمر طويل ليكي هتقابليها وتبقي معاها، وكل ما توحشك اقري ليها الفاتحه، واكتبي ليها رسالة وحطيها على المكتب بتاعك، والعصفورة هتخدها وتديها ليها.”
كانت روفان تنظر إليها بعينين واسعتين، تستمع لكل كلمة وكأنها قصة سحرية.
وفجأة قفزت الطفلة بسعادة وقالت بحماس طفولي:
“بجد يا أبله عهد! يعني مامي هتقراه الكلام اللي هكتبه ليها؟”
ابتسمت عهد ابتسامة صغيرة، امتزج فيها الحزن بالحنان.
أومأت برأسها مؤكدة وقالت:
“ايوه بجد بس انتي بتعرفي تكتبي؟”
ضحكت الطفلة بفخر صغير وقالت:
“يس بعرف اكتب أنجلش، بس مش بعرف اكتب عربي.”
مدت عهد يدها وداعبت شعرها برفق، وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيها وهي تقول:
“ابله عهد هتعلمك تكتبي وتقري عربي وتحفظك القران كله، واخليكي اشطر روفا فى الدنيا.”
اقتربت الطفلة منها بسرعة، ووضعت قبلة صغيرة على خدها.
ثم ركضت نحو الباب بسعادة طفولية، وكأن فكرة الرسائل التي ستصل إلى أمها جعلتها تطير من الفرح.
اختفت خطواتها في الممر وهي تلهو وتضحك.
أما عهد، فبقيت جالسة مكانها.
تنظر إلى الباب الذي خرجت منه الطفلة.
ارتسم الحزن بوضوح على ملامحها، وخرجت من صدرها تنهيدة حارة ثقيلة.
ثم عادت ببطء إلى وضعها الأول، تضم قدميها إلى صدرها، وتحدق في الفراغ مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لم تكن تفكر في الماضي فقط.
بل في الطفلة الصغيرة التي تعلقت بها دون أن تدري، وفي القلب الذي تحاول أن تحميه، حتى لو كان ذلك يعني أن تنكسر هي من جديد.
*************************
بالمساء…
ساد هدوء خفيف داخل غرفة الطعام الكبيرة، حيث تجمعوا حول طاولة الطعام.
كانت الأطباق موضوعة بعناية فوق المائدة، بينما جلس همام في مكانه المعتاد، صامتًا كعادته، يراقب كل ما يدور حوله بعينين لا يفوتهما شيء.
في تلك اللحظة، هبطت عهد من أعلى الدرج ببطء، تمسك بيد روفان الصغيرة.
كانت الطفلة تتحدث معها بحماس طفولي وهي تنزل الدرج، بينما بدت عهد أكثر هدوءًا، ملامحها ما زالت تحمل أثر الحزن الذي لم يفارقها طوال اليوم.
اقتربا من المائدة.
ساعدت عهد الطفلة على الجلوس فوق المقعد، ثم انحنت قليلًا وقبلت رأسها بحنان.
وكادت أن تتحرك لتغادر، لكن روفان أمسكت يدها بسرعة، ونظرت إليها بترجي طفولي وهي تقول:
“اقعدي كلي معايا يا أبلة عهد علشان خاطري.”
تجمدت عهد لحظة، رفعت عينيها نحو الطاولة، وقعت نظراتها أولًا على حليمة، ثم على همام.
كان همام ينظر إليها بصمت ثقيل.
أعادت نظرها إلى الطفلة، ثم هزت رأسها برفق وقالت:
“معلش يا حبيبتي مش هينفع، كلي انتي وانا هستناكي فى الجنينه.”
لكن الطفلة عقدت حاجبيها الصغيرين وقالت بعناد طفولي واضح:
“لا مليش دعوة أنا عايزاكي تقعدي تاكلي معايا.”
تنهدت عهد بصبر، وكادت أن ترفض مرة أخرى، لكن صوت همام قطع الحديث فجأة، بنبرة غاضبة حادة:
“اقعدي معاها، ونفذي كلامها.”
رفعت عهد عينيها نحوه بضيق واضح، وقالت بصوت مختنق:
“وانا مليش نفس وهستناها بره.”
لم يتغير تعبير وجهه، بل رد ببرود قاسي:
“وانا مش بقولك تقعدي تاكلي، أنا بقولك نفذي كلامها واقعدي معاها.”
أغلقت عهد عينيها لحظة، كأنها تحاول أن تكتم ما بداخلها من ضيق.
ثم جلست بجوار الطفلة.
لكن روفان لم تكتفي بذلك، فما إن جلست عهد حتى نهضت الطفلة من مقعدها سريعًا، وتسلقت إلى حضنها وجلست فوق قدميها، ثم لفت ذراعيها حولها وقالت بحب:
“أنا بحبك اوي يا ابله عهد متزعليش مني.”
اتجهت نظرة عهد فورًا نحو همام، كانت نظرة ممتلئة بالضيق والعتاب معًا.
لكنها سرعان ما أعادت نظرها إلى الطفلة، واحتضنتها برفق، قبلت رأسها بحنان وقالت:
“وانا كمان بحبك اوي يا روفا، ومقدرش ازعل منك ابدا، يلا كلي.”
بدأت تطعمها بيدها ببطء، وهي تمسح فمها أحيانًا وتداعب شعرها أحيانًا أخرى.
كانت روفان تضحك وتتكلم بحماس، وكأنها وجدت في حضن عهد الأمان الذي تبحث عنه دائمًا.
أما همام.
فكان يراقب المشهد في صمت.
في البداية كانت عيناه جامدتين كعادته، لكن شيئًا ما في داخله تحرك.
لانت نظراته قليلًا وهو يرى ابنته متعلقة بعهد بتلك الطريقة.
وكأن الزمن يعيد نفسه أمام عينيه.
تمامًا كما حدث معه من قبل، حين أحبها هو أيضًا بكل قلبه، دون أن يستطيع أن يمنع نفسه.
جلس صامتًا، يراقبها وهي تطعم طفلته بحنان صادق.
وفي أعماقه، كان جزء من قلبه القديم يحاول أن يستيقظ من جديد.
***************************
بعد عدة أيام…
جلست عهد فوق سريرها في صمت ثقيل، تحدق في الفراغ أمامها كأنها تنظر إلى شيء لا يراه أحد سواها.
كان عقلها يعمل بلا توقف، الأفكار تتزاحم داخل رأسها، تتدافع كأنها شريط سينما قديم يعيد عرض الماضي بكل ما فيه من ألم.
مرت الذكريات أمام عينيها واحدة تلو الأخرى، همام، كما كان قديمًا.
ابتسامة حزينة تسللت إلى شفتيها حين تذكرت كيف كان يتغزل بها دائمًا، كيف كان ينظر إليها وكأنها أجمل شيء في هذا العالم، وكيف كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها تشعر بالأمان.
كان قلبها يهدأ فقط لأنه بجوارها.
لكن تلك الابتسامة سرعان ما تكسرت،
حين عادت إلى ذاكرتها تلك اللحظة القاسية.
كلماتها الجارحة.
اللحظة التي رأت فيها الانكسار الحقيقي داخل عينيه.
تذكرت نظرته يومها، ذلك الوجع الصامت، ذلك القهر الذي لم يستطع حتى أن يخفيه.
تجمعت الدموع في عينيها ببطء.
حركت رأسها فجأة كأنها ترفض أن تستسلم لذلك الضعف.
لكن صوت الباب وهو يفتح قطع أفكارها.
اعتدلت في جلستها بسرعة، ونظرت باتجاه الباب.
كان والدها.
زفرت بضيق واضح، وقالت بنفاد صبر:
“نعم؟ خير؟”
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اقترب منها بخطوات بطيئة، والغضب مكبوت في صوته حين قال:
“انتي ازاي مش عارفه تخليه يتجوزك كل ده؟ امال حب ايه ده اللي فلقتيني بي؟!”
نظرت إليه بعينين تمتلئان بالكره والضيق، وقالت بحدة مكتومة:
“أنا مش هتجوز همام يا بابا، واللي بتخطط ليه مش هيحصل.”
ضغط على أسنانه بغضب، وقال:
“هتتجوزي يا عهد ورجلك فوق رقبتك، واللي أنا بخطط هيتم غصب عنك.”
ابتسمت ابتسامة متحدية وقالت:
“طيب وريني هتخليني اتجوزه ازاي.”
نظر إليها نظرة طويلة مخيفة، ثم قال بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:
“بلاش تتحديني يا عهد، علشان اللي بخطط ليه هنفذه بأي طريقه، وانتي عارفه ابوكي كويس اوي.”
رفعت ذقنها قليلًا وردت بنفس النبرة:
“وانا علشان عرفاك كويس اوي، مش هنفذلك اللي انت عايزه، وزي ما انا اعرفك اعرف نفسي كمان، ده أنا تربيتك يا رياض باشا.”
ابتسم ابتسامة غامضة تحمل معنى خفيًا، ثم استدار وخرج من الغرفة دون كلمة أخرى، ظلت عهد تراقبه حتى اختفى من أمامها.
تنهدت بضيق شديد، ثم نهضت من مكانها.
خرجت من غرفتها واتجهت نحو غرفة روفان.
لكن قبل أن تصل، توقفت فجأة.
كان همام يقف في الممر أمامها.
نظرت إليه للحظة طويلة، في عينيها وجع واضح وحزن قديم.
لكن همام ابتسم.
ابتسامة غريبة لم تفهم معناها.
اقترب منها ببطء، وقال بنبرة هامسة:
“رايحه فين؟”
تراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي، وقالت بصوت مختنق:
“رايحه اطمن على روفان.”
اقترب أكثر، أكثر مما ينبغي، وقال بصوت غير متزن:
“امم، روفان! طيب ما تطمني على ابو روفان الاول، تعبان ومحتاجك.”
نظرت إليه باستغراب واضح.
كان هناك شيء غير طبيعي في عينيه، في حركته، في صوته، وقالت بقلق:
“همام انت مالك، شكلك مش طبيعي؟”
فجأة أمسك يدها بقوة.
شدها معه دون أن يمنحها فرصة للرد.
فتح باب غرفته ودفعها إلى الداخل، ثم أغلق الباب بإحكام خلفهما.
التفتت نحوه بسرعة.
نظراته لم تكن مطمئنة أبدًا.
ارتعش صوتها وهي تقول بخوف:
“ه همام انت بتعمل ايه؟ انت اتجننت سيبني أخرج من الاوضه لو سمحت.”
تحركت نحو الباب بسرعة.
لكن همام أمسكها مرة أخرى بعنف.
شدها نحوه ثم دفعها بقوة فوق السرير.
صرخت بفزع:
“همام انت شكلك مش طبيعي شكلك سكران، فوق ارجوك انت مش كده ولا عمرك كنت كده.”
ابتسم ابتسامة مرة، وقال بصوت غاضب:
“مكنتش كده، بس انتي اللي ارغمتيني اعمل كده، ايه لسه مستقله بيا؟ لسه شيفاني فقير ومستحقش حياة كريمة؟ شيفاني حقير ولعبه ملهاش لازمة؟”
حركت رأسها بسرعة والدموع تنهمر من عينيها:
“أنا عمري ما قللت منك يا همام، كنت ومازالت شيفاك بعيني أعظم رجال فى الدنيا كلها، إذا كنت فقير ولا غني مش هيفرق معايا، انا حبيتك وبحبك يا همام.”
انفجر ضاحكًا ضحكة غاضبة قاسية:
“دلوقتي بتقولي كده علشان خايفه مني؟ مكانش ده كلامك من الاول يا عهد، فاكره؟”
هزت رأسها بعنف، والدموع تنساب فوق وجهها:
“أنا مش خايفه منك يا همام، ولا عمري خفت منك، أنا كنت بروح عندكم وادخل اوضك معاك وانا مطمنه على نفسي، كنت متأكده انك هتحميني حتى من نفسك، حتى دلوقتي واثقه فيك ومتأكده أن انا مش ههون على قلبك، انت سكران، ومش حاسس ولا عارف انت بتعمل ايه، ودي مش سكتك يا همام انت عمرك ما كنت كده.”
فجأة، انهار، جلس على الأرض أمامها.
وانفجرت دموعه دون مقاومة، تكلم بصوت مكسور:
“أنا عمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك، انتي كسرتي كل حاجه حلوه فيا، مش قادر اشوف حد غيرك طول السنين دي، حتى لما اتجوزت ظلمتها معايا بسببك، مكنتش شايف غير حبك وبس، انتي لعنة على قلبي يا عهد ولازم أكسرك علشان اخلص من لعنتك.”
أنهى كلامه، لكن فجأة كأن شيئًا مظلمًا استيقظ داخله، وقف مرة أخرى.
اقترب منها وعيناه تشتعلان بغضب ووجع.
حاول الاعتداء عليها تحت صراخها وتوسلها له أن يتوقف، لكنه لم يكن يسمع، لم يكن يرى، كل ما كان يسمعه هو صوت قلبه وهو يضرب صدره بعنف.
ثم، توقف فجأة، كأن وعيه عاد إليه للحظة.
نظر إليها، كانت ساكنة، متجمدة من الصدمة.
تركها فجأة وسقط فوق السرير.
صدره يعلو ويهبط بعنف.
أغلق عينيه، وبعد لحظات دخل في سبات عميق.
أما عهد، فبقيت في مكانها.
ساكنة تمامًا، كأن روحها نفسها لم تعد تعرف ماذا تشعر.
***************************
“الفصل الخامس عشر”
في صباح اليوم التالي…
استيقظ همام ببطء، وكأن رأسه يحمل ثقل العالم كله.
كان الألم يضرب مقدمة رأسه بعنف، نابضًا كطبول لا تهدأ، رفع يده بتثاقل، وأخذ يدلك جبينه بأصابعه محاولًا استيعاب ما يحدث حوله.
لكن قبل أن يستعيد وعيه تمامًا، وصل إلى سمعه صوت خافت، صوت شهقات مكتومة، متقطعة، كأن صاحبها يحاول كبح بكائه عبثًا.
عقد حاجبيه ببطء، ودار بعينيه في أرجاء الغرفة باحثًا عن مصدر الصوت، حتى وقعت عيناه عليها.
كانت عهد جالسة على الأريكة القريبة من السرير، تضم ساقيها إلى صدرها بقوة، وتخفي وجهها بينهما، بينما ترتجف كتفاها مع كل شهقة بكاء تخرج من صدرها المثقل بالألم.
تجمدت ملامحه لثواني، اعتدل فجأة وجلس على السرير، وقد ارتسمت الدهشة على وجهه، ثم قال متسائلًا:
“انتي بتعملي أيه هنا؟ وبتعيطي ليه؟ ومين اللي عمل فى هدومك كده؟”
رفعت عهد رأسها ببطء، وكأن الحركة تكلفها جهدًا هائلًا.
كانت عيناها متورمتين من البكاء، ووجهها شاحبًا كأن الحياة انسحبت منه.
نظرت إليه بوجع عميق، ثم قالت بصوت مختنق:
“انت اللي عملت فيا كده يا همام، أنا مش قادرة اصدق نفسي، ازاي اهون عليك تأذيني بالشكل ده؟ انت مش همام اللي حبيته زمان، أنت واحد تاني معرفهوش.”
اتسعت عينا همام بصدمة، وحرك رأسه بعنف رافضًا الفكرة، وكأن كلماتها صفعة هوت على وعيه، تحدث بعدم تصديق:
“مستحيل اعمل كده، انتي كدابه، عايزه مني ايه انطقي، ليه بتقولي كده؟”
اشتعل الغضب داخل صدرها، واندفعت تصرخ فيه:
“أنا مش كدابه يا همام، انت كنت سكران امبارح ومكنتش حاسس باللي بتعمله.”
نظر إليها بنظرة حادة، ثم قال متجهمًا:
“حصل حاجه؟ ا اذيتك يعني؟”
انحدرت دموعها مجددًا، وهزت رأسها ببطء وقالت:
“الحمدالله مكملتش اللي كنت ناوي تعمله فيا، بس اذتني لما رجعت وانت بالشكل ده من أمتى وانت بتشرب يا همام، من أمتى وانت وصلت للمرحلة دي؟”
أغمض همام عينيه بعنف، وكأن الكلمات كانت سهامًا تخترق رأسه.
نهض من السرير بسرعة، واتجه نحو الباب محاولًا فتحه، لكنه وجده مغلقًا.
بحث بعينيه في الغرفة بعصبية، حتى وقع نظره على البنطال الملقى على الأرض، تقدم نحوه سريعًا، وأخرج المفتاح من جيبه، ثم أدخله في الباب وفتحه.
فتح الباب قليلًا، ثم قال بصوت مختنق:
“اتفضلي اطلعي من اوضي.”
نظرت إليه عهد طويلًا، نظرة حملت وجع سنوات كاملة.
ثم تحركت ببطء شديد نحو الباب، خطواتها ثقيلة كأنها تجر خلفها جبالًا من الألم.
وقفت أمامه مباشرة، ونظرت إليه بعينين دامعتين قبل أن تقول بحزن موجع:
“بلاش تغير اخلاقك يا همام، انت طول عمرك شاب خلوق والناس كلها كانت بتحلف بأخلاقك، انت اب دلوقتي راجل مسؤول، لازم تحافظ على سمعتك علشان خاطرها.”
حول همام وجهه بعيدًا عنها، وكأن النظر إليها أصبح عبئًا لا يحتمله، ثم قال بغضب مكتوم:
“اطلعي بره لو سمحتي.”
لكن قبل أن تتحرك، دوى صوت رياض في المكان، حادًا ومتصنع الغضب:
“بقى انت جايبنا هنا علشان كده يا همام باشا، البت نايمه فى اوضك طول الليل بتشتري بنتي بالفلوس اللي دفعتها لشقه، أنا مستحيل اخليها فى المكان ده ثانيه واحده، وبنتي أنا هغسل عارها بأيدي دول.”
في لحظات قليلة، بدأ الناس يتجمعون على صوت رياض المرتفع.
أغلق همام عينيه بغضب وهو يسمع كلماته المسمومة.
أما عهد، فشعرت بالأرض تميد تحت قدميها.
كانت نظرات الجميع تسقط عليها كالسياط، مليئة بالاتهام والفضول.
حاولت أن تتحدث، أن تدافع عن نفسها،
لكن يد رياض كانت الأسرع.
دوى صوت الصفعة في المكان بقوة، عندما هوت يده على وجهها بعنف.
ترنحت رأسها إلى الجانب، وتجمد جسدها من الصدمة.
فتح همام عينيه في تلك اللحظة،
وقد اشتعلت باللون الأحمر من شدة الغضب.
اندفع نحو رياض بسرعة، وأمسك يده بعنف وهو يقول من بين أسنانه:
“ايدك لو اتمدت عليها تاني أنا هسكرهالك فاااهم.”
نزع يد همام عنه بقوة، ثم قال بصوت أعلى مليء بالسخرية:
“اه ما انت ليك حق تدافع عنها، ما هي بتمتعك وشايفه طلباتك كويس اوي، ومنظر هدومها يأكد كلامي أهو.”
نظرت حليمة إلى ابنها بلوم واضح.
هز همام رأسه رافضًا تلك النظرات، ثم التفت إلى رياض وقال بلهجة تهديد صريحة:
“اقسم بالله العظيم لو مسكتش وبطلت كلامك اللي ملوش لازمه ده لكون دفنك مكانك فاهم.”
ثم صرخ بصوت غاضب هز المكان:
“كل واحد يروح يشوف شغله، خلصنا خلاص.”
بدأ الجميع يتفرقون ببطء، وعادوا إلى أعمالهم في البيت.
أما عهد، فبقيت واقفة في مكانها كتمثال جامد.
كانت يدها موضوعة على خدها مكان الصفعة، وأصابعها ترتعش بقوة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنها لم تعد ترى شيئًا حولها.
اقترب منها همام بقلق واضح، وأمسك يدها بلطف وقال متسائلًا:
“عهد انتي كويسه؟”
انتفض جسدها فورًا وابتعدت عنه، وما زالت يدها ترتجف بعنف.
بدأت تهز رأسها بهستيريا، كأنها تحاول إنكار الواقع الذي تعيشه.
استمرت على هذا الحال لثواني، ثم فجأة، ارتخى جسدها تمامًا، وسقطت فاقدة الوعي داخل أحضان همام.
اتسعت عيناه بصدمة، فحملها فورًا بين ذراعيه واندفع بها إلى الأسفل.
وضعها بسرعة داخل سيارته، ثم انطلق بها نحو المشفى بسرعة جنونية، غير عابئ بأي شيء حوله.
في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة نصر خبيثة على وجه رياض.
لكنه أخفاها سريعًا قبل أن يلتفت إلى حليمة ويقول بنبرة غاضبة:
“لو ابنك مصلحش غلطته واتجوز بنتي مش هيحصل كويس فاهمه.”
أنهى كلماته، ثم نزل إلى الأسفل.
بقيت حليمة واقفة مكانها، تائهة لا تعرف ماذا تفعل.
الخوف كان ينهش قلبها، فهي رأت بعينيها الشر المتخفي داخل نظرات رياض، وتعلم جيدًا حجم الجرح الذي تركته عهد في قلب ابنها، جرح لم يلتئم حتى الآن، وربما لن يلتئم أبدًا.
**************************
وصل همام إلى المشفى بسرعة جنونية، حتى كادت السيارة تنزلق عند توقفها المفاجئ أمام الباب الرئيسي.
لم ينتظر أحدًا.
فتح الباب بعجلة، وترجل منها بخطوات متعثرة من شدة الاندفاع، ثم فتح الباب الخلفي وحمل عهد بين ذراعيه.
كان جسدها ساكنًا تمامًا، رأسها مائل قليلًا إلى الخلف، ووجهها شاحب بصورة مخيفة، كأن الدم قد هجره منذ زمن، أما ذراعيها فكانت ساقطه بلا حراك، كجسد فقد كل ما فيه من قوة.
اندفع بها إلى الداخل وهو يهتف بصوت مرتفع ارتجف فيه القلق:
“دكتور! حد يجي بسرعة!”
لم تمضي ثواني حتى تجمعت الممرضات حوله، وسرعان ما أخذوا عهد من بين ذراعيه ووضعوها على سرير متحرك، ثم اندفعوا بها نحو غرفة الكشف.
بقي همام واقفًا مكانه للحظات، يراقبهم بعينين مضطربتين، كأن الأرض تميد فعلًا تحت قدميه.
اقترب منه أحد الأطباء وقال بهدوء مهني:
“اتفضل حضرتك استنى بره، واحنا هنكشف عليها.”
توقفت خطواته عند الباب الذي أُغلق خلفها.
ظل ينظر إليه لثواني طويلة، كأنه ينتظر أن يفتح من تلقاء نفسه.
ثم مرر يده على وجهه بعصبية، وكأن حرارة الأفكار التي تضرب رأسه تكاد تحرقه.
تقدم ببطء وجلس على المقعد المقابل لغرفة الكشف، وانحنى بجسده للأمام، وأسند مرفقيه على ركبتيه بينما تشابكت أصابعه أمامه، كان رأسه يكاد ينفجر، صوتها وهي تبكي، كلماتها وهي تتهمه، ملابسها الممزقة، وارتجاف جسدها عندما اقترب منها.
صور متلاحقة كانت تضرب عقله بلا رحمة.
ضغط على رأسه بقوة بين كفيه، وكأنه يحاول اقتلاع تلك الصور من ذاكرته.
تمتم بصوت خافت مكسور:
“أنا عملت ايه،؟ أزاي قدرت أذيها بالشكل ده، أنا السبب فى كل اللي حصل النهاردة، لو مكنتش شربت كتير أمبارح مكنتش هخدها الاوضة عندي ويحصل كل ده”
وفجأة، رفع رأسه بعنف عندما ارتسمت أمام عينيه صورة من ليلة أمس، وهو يدفعها على السرير.
اتسعت عيناه بصدمة حادة، ووقف من مكانه فجأة وكأن أحدهم صفعه بقوة.
حرك رأسه بعنف وكأنه يرفض الفكرة.
يرفض الاعتراف بها.
لكن قلبه، كان يعرف الحقيقة جيدًا.
مرر يده في شعره بعصبية شديدة، وفي تلك اللحظة تحديدًا انفتح باب غرفة الكشف وخرج الطبيب.
اقترب همام منه بسرعة وسأله بقلق واضح:
“عاملة أيه دلوقتي؟”
نظر الطبيب إليه قليلًا، ثم تحدث بهدوء:
“اطمن، هي بس فقدت الوعي نتيجة ضغط نفسي شديد وإرهاق واضح، كمان عندها هبوط.”
تنفس همام ببطء شديد، كأن صدره كان محبوسًا طوال الوقت وسمح له أخيرًا باستنشاق الهواء.
لكن الطبيب لم ينتهي بعد.
تكلم بنبرة أكثر جدية:
“بس واضح إنها كانت في حالة انهيار عصبي قبل ما تيجي.”
تجمد همام في مكانه، سقطت كلمات الطبيب على قلبه كالحجارة الثقيلة، ثم سأله الطبيب:
“حضرتك تقربلها؟”
تردد همام لحظة، توقفت الكلمة في حلقه، ثم قال بصوت خافت:
“أنا.”
ابتلع ريقه بصعوبة، وأكمل:
“أنا مسؤول عنها.”
أومأ الطبيب برأسه بتفهم، ثم قال:
“هي دلوقتي فاقت، بس حالتها النفسية محتاجة راحه، حاول متضغطش عليها.”
ثم أشار إلى الباب.
“تقدر تدخلها.”
وقف همام أمام الباب للحظة طويلة.
يده استقرت على المقبض، لكنه لم يستطع فتحه فورًا، كان يشعر بشيء ثقيل يجثم فوق صدره، خوف، ندم، وشعور مرعب بأنه ربما كسر شيئًا داخلها، شيئًا لن يستطيع إصلاحه أبدًا.
أغمض عينيه لثواني، ثم دفع الباب ببطء ودخل.
كانت عهد مستلقية على السرير.
عيناها مفتوحتان، تحدقان في السقف بلا تعبير، كأنها تنظر إلى شيء بعيد لا يراه أحد سواها.
تقدم نحوها ببطء شديد، لكن ما إن شعرت بوجوده، حتى أدارت وجهها بعيدًا عنه فورًا.
تجمدت خطواته، تلك الحركة الصغيرة، كانت أقسى من أي كلمة.
اقترب أكثر حتى وقف بجوار السرير، ثم قال بصوت خافت متردد:
“عهد!”
لم تنظر إليه، لم ترد، كانت فقط تحدق في الجهة الأخرى، وعيناها تمتلئان بدموع صامتة تنساب ببطء.
ابتلع همام ريقه بصعوبة، ثم قال بصوت مكسور لم يسمعه أحد منه من قبل:
“أنا، مكنتش اقصد كل اللي حصل ده.”
لم تجب، لكن دمعة هبطت ببطء من عينها واستقرت على الوسادة، ارتعش قلبه، وأضاف بصوت متحشرج:
“بس علشان أنا كنت السبب فى أذيتك.”
توقفت كلماته للحظة، كأنه يجمع ما تبقى من شجاعته، ثم قال بصعوبة:
“أنا مستعد أصلح غلطتي دي، وأردلك اعتبارك قصاد الكل.”
أغمضت عهد عينيها بقوة، وكأن الكلمات كانت تضغط على جرح لم يتوقف عن النزيف، ثم قالت أخيرًا بصوت ضعيف:
“مش عايزة منك حاجة يا همام.”
فتح عينيه ببطء ونظر إليها.
لكن كلماتها التالية كانت كالسيف الذي يشق صدره.
“بس لو لسه باقي في قلبك أي حاجة من همام اللي عرفته زمان.”
توقفت لحظة قصيرة، ثم أكملت بصوت مكسور:
“سيبني أمشي.”
سقطت الكلمات بينهما، ثقيلة، مؤلمة، وصامتة.
وقف همام مكانه لا يتحرك، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
حرك رأسه بالرفض، وتجهمت ملامحه بقسوة، وكأن فكرة رحيلها مرة أخرى تعني موته هذه المرة، ثم تحدث بنبرة قاسية غاضبة:
“مش هتمشي يا عهد، شيلي الفكرة دي من راسك نهائي، واوعي تفتكري تمسكي بيكي ده علشان سواد عيونك، لا انا بس شايف بنتي مرتاحه معاكي وانا اهم حاجه عندي راحتها، أنا بره لما يخلص المحلول ده هنمشي.”
أنهى كلماته بسرعة، ثم استدار وخرج من الغرفة مسرعًا، كان يهرب، يهرب من عينيها، من الوجع الذي يراه فيهما، ومن نفسه قبل أي شيء.
بقيت عهد تنظر إلى الباب الذي خرج منه، ببطء شديد، امتلأت عيناها بالدموع من جديد.
كانت تحدق في الفراغ، وقلبها يرتجف خوفًا من المصير المجهول الذي ينتظرها.
***************************
عندما عادوا من المشفى، كان الهدوء يخيم على المكان، لكن داخل غرفة همام لم يكن هناك أي سلام.
جلس على حافة سريره، جسده منحني قليلًا إلى الأمام، وعيناه معلقتان في الفراغ وكأنهما تحاولان الهروب من كل ما حدث منذ الصباح.
كانت أحداث اليوم تمر في رأسه بلا توقف، وجه عهد الشاحب، ارتجاف جسدها، دموعها الصامتة، ونظرتها التي أدارتها بعيدًا عنه داخل غرفة المشفى.
قبض على يديه بقوة حتى برزت عروق كفيه.
كيف تحول هكذا؟
كيف أصبح فجأة ذلك الرجل الذي يخشاه قلبها، بدلًا من أن يكون ملاذه؟
هو الذي كان يومًا يتمنى أن يكون البلسم لكل جراحها، أصبح الآن الجرح نفسه.
قطع تيار أفكاره صوت الباب وهو يفتح بهدوء.
رفع رأسه ليجد والدته تدخل الغرفة.
لم تكن تحتاج إلى أن تقول شيئًا، فملامح وجهها وحدها كانت كافية لتكشف ما يملأ صدرها من ضيق وقلق وعتاب.
اعتدل في جلسته فورًا، كان يعلم جيدًا أن وجودها في هذا الوقت المتأخر ليس صدفة.
تقدمت نحوه ببطء، ثم جلست بجواره على السرير.
مدت يدها وربتت على قدمه بحنان أم يعرف وجع ابنها حتى لو حاول إخفاءه، ثم قالت بصوت مختنق:
“ليه يا أبني تعمل كده؟”
أغلق همام عينيه للحظة، وكأن السؤال أصابه في موضع جرح لم يلتئم.
ثم قال بصوت مثقل بالندم:
“محصلش حاجه يا أمي، صدقيني انتي عارفه أخلاقي، مستحيل أعمل حاجه زي كده وخصوصًا مع عهد.”
تنهدت حليمة ببطء، وكان في تلك الزفرة شيء من الألم الذي لا تستطيع كتمانه.
ثم قالت بنبرة يغلبها الاختناق:
“للاسف يا همام، حبك المريض ليها غيرك، خلاك شخص تاني مش عارف هو بيعمل ايه، بقيت عايش بس علشان تثبت ليها انك بقيت احسن منها، عايز تدوس على قلبها زي ما عملت معاك، بس صدقني مش هتقدر تعمل كده، علشان انت لسه بتحب عهد يا همام، أنا متأكده ان محصلش ما بينكم حاجه، بس وجودها معاك فى اوضك طول الليل بالشكل ده يأكد، انك كنت ناوي تعمل فيها حاجه، بس قلبك مطوعكش، فوق يا حبيبي وارجع همام بتاع زمان، وعلشان ده يحصل قصادك حل من الاتنين، يا تسيبها تروح لحالها، وانت تنساها وتشوف حياتك وتنتبه لبنتك، يا أما، تنسى اللي حصل منها زمان وتسامحها، وتتجوزها وتعيشوا حياتكم سوا بصفحه جديده وتربوا بنتك سوا، وانا شايفه الاقتراح التاني هو الأنسب ليك وليها يا همام علشان حب عهد بيجري فى دمك ومستحيل تنساه مهما حاولت.”
ارتسمت على شفتي همام ابتسامة مريرة، أشبه بابتسامة رجل يضحك من قسوة الحقيقة التي لا يستطيع إنكارها.
استقام بجسده قليلًا، ثم قال بصوت متحشرج:
“عايزاني انسى اللي فات! انسى كسرت قلبي وقتها، انسى انها فضلت راجل تاني عني لمجرد أنه كان معاه فلوس وهيعيشها المستوى اللي يليق بمقامها، انسى انها كانت وخداني مجرد لعبه، تسلي نفسها بيها علشان تقضي وقت ممتع؟”
رمقته حليمة بنظرة ضاق فيها صبرها، ثم قالت بحسم:
“طيب خلاص سيبها تروح لحالها، وركز انت مع بنتك وشوف حياتك.”
لكن همام هز رأسه بالنفي فورًا، وكأن الفكرة نفسها مستحيلة.
وقال بنبرة اشتعل فيها الغضب:
“لا يا أمي، عهد مش هتروح لاي مكان تاني هتفضل هنا، اكسرها وأذلها وكل ما أشوف ذلها ده، قلبي يرتاح علشان بجيب حق كسرته وجرحها ليه.”
نهضت حليمة من مكانها فجأة، واقتربت منه بخطوات حادة.
انحنت نحوه قليلًا وقالت بصوت هامس، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:
“يا أبني افهم بقى، ابوها مش ناوي على خير ليك، عايز يحطك قدام الأمر الواقع، علشان تتجوز عهد، لو حس انك مش ناوي تعمل كده هيأذيك وانا خايفه عليك منه، ريح قلب امك يا حبيبي، ويا تسيبها تمشي يا تتجوزها وتنهي المهزله دي.”
ظل همام ينظر أمامه لثواني طويلة، كأن الكلمات تدور في رأسه وهو يزنها بصمت.
ثم قال أخيرًا بنبرة قاسية لا تقبل نقاشًا:
“متخافيش عليا يا أمي انا مبقتش همام الضعيف بتاع زمان، ورياض انا هعرف ألعب معاه بنفس طريقته، والنهايه هتكون لصالحي أنا.”
تنهدت حليمة بقلق واضح، وقالت بصوت خافت:
“أنا خايفه عليك يا همام، مش هقدر اتحمل أشوفك تتأذى، قلبي خايف ليكون حبك لعهد نقمة وابتلاء.”
رفع همام عينيه إليها أخيرًا.
ابتسم لها ابتسامة هادئة، لكنها كانت مثقلة بشيء خفي لا يظهر على السطح.
ثم قال بصوت مبحوح:
“متخافيش عليا يا ست الكل اللي ربنا كاتبه هو اللي هيكون.”
اقتربت حليمة منه وربتت على كتفه بحنان، ثم قبلت رأسه كما كانت تفعل منذ صغره.
بعد لحظات، خرجت من الغرفة تاركة خلفها بابًا أغلق ببطء.
ظل همام ينظر إلى الباب الذي اختفت خلفه أمه.
ثم أطلق زفرة طويلة مثقلة بالوجع.
استلقى على سريره أخيرًا، وحدق في السقف بعينين لا تعرفان النوم.
لكن الحقيقة التي لم يعترف بها لأحد،
كانت تضغط على صدره بقسوة.
فهو لم يكن يحاول كسر عهد، بل كان يحاول كسر قلبه هو.
****************************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *