ابلغ من العمر
ابلغ من العمر
— أقسم… لم أقصد أن يحدث هذا… لم أقصد… لم أقصد…
لم يكن ينظر إليها. كان ينظر إلى يديه. إلى أثرٍ لا يريد أن يراه.
كان لون الماء يتبدّل لحظاتٍ قليلة، ثم يصفو سريعًا، ويختفي كل شيء في فتحة التصريف.
لكنني كنتُ أعرف… أن ما يُغسل من اليد لا يُغسل
من الروح.
صرختُ دون أن أشعر:
— دانيال! ماذا فعلت؟!
ارتفع صوته المختنق قبل أن يرفع رأسه.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه واسعتين كعيني طفلٍ ضائع في عاصفة.
— أمي… كان حادثًا… فقدتُ السيطرة… لم أقصد…
تقدّمتُ نحو أوليفيا. لم أنظر إلى ابني. لم أستطع.
ركعتُ بجانبها، وضعتُ يدي على كتفها، فشهقت من الألم.
رأيت الجرح في ذراعها. لم يكن مجرد خدش. كان عميقًا، أحمرَ واضحًا، ينزف ببطء. لكن الأهم أنها كانت تتنفس. كانت حية.
قلتُ لها بصوتٍ مرتجف:
— لا تخافي يا ابنتي… أنا هنا… لن يحدث لكِ شيء…
مسكتُ هاتفي بيدٍ لا تكفّ عن الارتعاش، واتصلتُ بالإسعاف.
لم أتذكّر كيف نطقتُ العنوان. لم أتذكّر كيف شرحتُ ما حدث.
كل ما أتذكره هو صوت صفارات بعيدة بدأت تقترب، كأنها تخترق الليل الطويل لتعيد بعض النظام إلى الفوضى.
كانت الدقائق تمرّ ببطءٍ قاتل.
دانيال جلس على الأرض، ظهره إلى الجدار، وراح يبكي.
لم يكن بكاء رجلٍ قويّ انهزم، بل بكاء طفلٍ انكشف ضعفه فجأة.
— لم أعد أنا… — كان يهمس — العمل… الضغط… الشراب… الغضب… كل شيء تراكم… لم أعد أعرف نفسي…
لم أجب.
كنتُ أضغط قطعة قماش على جرح أوليفيا، وأحاول أن أثبّت نفسي قبل أن أثبّتها هي.
وصلت سيارة الإسعاف، ثم الشرطة.
تحوّل الحمّام الهادئ إلى مسرحٍ من الحركة والأصوات والأضواء.
حملوا أوليفيا بعناية،
وغطّوا ذراعها، وطمأنوها.
أما دانيال، فوقف بهدوءٍ غريب حين اقترب منه الشرطي. لم يقاوم. لم يحتجّ. لم يحاول التبرير. مدّ يديه كمن يعرف أن هذه اللحظة كانت تقترب منذ زمن.
خرج من الباب مكبّل اليدين، ورأسه منكس.
في تلك اللحظة، شعرتُ أن شيئًا انكسر داخلي إلى الأبد.
نجت أوليفيا.
لكن النجاة ليست دائمًا نهاية الحكاية، بل بدايتها المؤلمة.
احتاجت إلى علاجٍ طويل، ليس لجسدها فقط، بل لقلبها وروحها أيضًا. كانت الجروح التي تُخاط بالخيط الطبي أهون من تلك التي تُخاط بالصمت. كانت نظرتها حين رأيتها بعد أيام في المستشفى مختلفة؛ لم تكن نظرة ألمٍ جسدي، بل نظرة إنسانةٍ انكسر بداخلها شيءٌ عميق.