ابلغ من العمر

ابلغ من العمر

لم تعد إلى الشقة. لم تستطع.

وكان ذلك حقها الكامل، دون نقاش، دون تبرير، دون انتظار اعتذارٍ إضافي.

أما الشقة التي كانت تلمع بالفخامة ذات يوم، فقد تحوّلت إلى مكانٍ صامتٍ ثقيل.

اختفت الضحكات المصطنعة التي كنتُ أظنّها حياة، وخفتت الأضواء التي كنتُ أظنّها دفئًا، وبدا الأثاث الباهظ كأنه شاهدٌ أبكم على ليلةٍ لا تُنسى، ليلةٍ انكشف فيها كل شيء.

جلستُ وحدي في غرفة المعيشة بعد رحيل الجميع.

كانت الساعة تقترب من الفجر، وكأنها تسخر منّي.

نظرتُ إلى الصور المعلّقة على الجدران: صورة دانيال في تخرّجه، يقف بفخرٍ وثقة؛ صورة زفافه، وهو يبتسم ابتسامةً

عريضةً لم أعد أراها؛ صور رحلاتهم إلى البحر، إلى الجبال، إلى أماكن بدت فيها الحياة بسيطة وواضحة.

استيقظتُ عند الثالثة فجرًا على صوت الماء… وما رأيته خلف باب الحمّام غيّر حياتي إلى الأبد!

سألتُ نفسي:

كيف يمكن أن تختبئ العتمة خلف كل هذا الضوء؟

كيف يمكن للابتسامات أن تكون ستارًا؟

ومتى بدأ الشرخ الأول؟

مرّت الأيام، ثم الأسابيع.

أصبحتُ أعيش بين زيارتين: زيارة إلى المحكمة، وزيارة إلى مركز التوقيف.

كنتُ أستيقظ باكرًا، أرتدي ملابسي ببطء، أمشّط شعري الأبيض أمام المرآة، وأقول لنفسي: “تماسكي… أنتِ أم.”

كان يجلس خلف الزجاج، يضع السماعة على أذنه، وينظر إليّ بعينين غارقتين في ندمٍ ثقيل. لم يكن ينظر إليّ مباشرة في البداية؛ كان يخفض عينيه، كأنه يخجل من مواجهة الصورة التي صنعتها له.

— سامحيني يا أمي… — كان يقول بصوتٍ مبحوح — لم أكن أريد أن أكون هكذا… لا أعرف متى تغيّرت… لا أعرف كيف وصلتُ إلى هنا…

كنتُ أسمعه، لكنني لم أعد أبحث عن تبرير.

كنتُ أبحث عن إجابة.

في أيّ لحظةٍ بدأ يتغيّر؟

هل كان هناك إشعارٌ صغير تجاهلته؟

نظرةٌ لم أفهمها حين كان مراهقًا؟

صمتٌ لم أفسّره حين عاد من عمله مرهقًا؟

غضبٌ لم أواجهه بالحزم الكافي؟

أحيانًا ألوم نفسي.

أقول إنني كان

يجب أن أرى العلامات قبل أن تكبر.

كان يجب أن أقترب أكثر.

أن أصرّ على الحديث.

أن لا أكتفي بالسكوت حين رأيت أول علامةٍ أرجوانية على معصم أوليفيا.

أن لا أصدّق الأعذار السهلة.

وأحيانًا أقول إن الإنسان، مهما ربّيناه، يبقى مسؤولًا عن اختياراته.

لا يمكن للأم أن تحيا داخل روح ابنها إلى الأبد.

لا يمكنها أن تمسك يده وهو رجلٌ كامل، وتمنعه من السـ,قوط إن اختار أن يبتعد عن النور.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *