خيوط العنكبوت ٦
خيوط العنكبوت ٦
“إنَّ الرحمة إذا انتزعت من القلوب, فإنَّ الظلم والعدوان, والإثم والبغي, يحلُّ بين الناس, والجشع والطمع, وحبَّ الذات, واستعباد الناس, يضرب بأطنابه بينهم؛ لحلول القسوة مكان الرحمة, فتكون القلوب أشدُّ قسوة من الحجارة الصماء وأظلم سواداً منها”
الفصل السادس
جاثومًا يطبق على صـ درها يجعلها لن تسطيع التنفس ولم تقدر على الصراخ، جـ سدًا ساكنًا لن يصدر منه إلا ومضات من أنبعاث مقلتيها الخائفتين، جاهدت تحاول النهوض ولكن جـ سدها شُل تمامًا.
لم تدرك كم من الوقت ضلت هكذا إلى أن أسبلت عينيها بمحاولة أستسلام لمصيرها المحتوم.
صوت يهمس بأذنها أرق مضجعها وفتحت خضراويتها باتساع تكادت بؤبؤة عينيها أن تخرج من محجرهم أثر صدمتها وهلعها بسبب الفحيح والهسيس الذي ياتيها في أُذنيها مناديا بأسمها، يختصها هي وحدها لا غيرها
تصلب جسدها وتجمد كبرودة القطبين لتسترق السمع لذلك الصوت الذي ياتيها من مكان بعيد ولكنه يقترب منها رويدًا رويدًا والهسيس يتزايد ليصبح في النهاية صراخ قوي وحادًا جعل الدماء تسيل من أُذنيها من شدته وغلظته والكلمات تتردد وهي مسلبة الارادة ومستسلمة لجسدها الهامد كالجثة الهامدة التي لا روح بها
يزداد الصوت حدة “لن تنعمي بالراحة؛ ستهلكين كما هُلكت ليليث”
من ليليث؟ يتسأل بها عقلها في شرود
فجأة أنقطعت الأصوات وتحول جسدها البارد لشعلة من نار تحرقها من شدة حرارتها، كاد جسدها أن ينصهر
جلدها الأبيض كساه الاحمرار القاني كأنها كومة أشتعال، تتألم ولم تقدر على الصراخ ولا الخروج منما هي فيه، أنسابت الدموع من مقلتيها وقلبها يتمزق لم تجد حبيبها جوارها، يمسك بيدها، يبعد الأذى عنها كما وعدها، أين أختفت الوعود والعهود التي بينهما، تنهمر دموعها تخترق روحها المُعذبة التي لم يشعُر بها أحد.
ورأت جسدها يرتفع عن الفراش لأعلى كاد يصل لسقف الغرفة ثم يعود يهوي بضربة قوية الاشواك تغرز بظهرها ولم تفتح فاها رغم الألم والنيران والشوك المنغمسة به فقط الدموع المُتحجرة في عيونها هي التي نجحت في التحرر منما هي عليه الآن.
❈-❈-❈
ولج سليم داخل الفيلا القديمة المهجورة لعلها يجد شيء خاص بوالده يصله للحقيقة الكاملة، فقد علم اليوم أن والده لم يُصارحه بكامل حقيقته وهذا ما جعل سليم يجن جنونه بسبب أخفاء والده بعض الأسرار، فهو بحاجة لتفسير.
دلف الفيلا بخطوات واسعة وفتح بابها ليجد الظلام الدامس أمامه، تحسس مكبس الإضاءة وأنار الفيلا، وبدأ بمكتب والده يريد البحث داخله، وقف بغرفة المكتب يتطلع حوله بتيه لا يعلم من أين سيبدء.
جلس بالمقعد خلف المكتب ثم فتح أدراجه وظل يعبث داخل محتوياته فلم يجد شيء، تطلع أمامه ليجد مكتبة ضخمة تضم عدد كبير من الكُتب، نهض عن مقعده وسار بخطواته ليصل إليها ثم وقف أمامها يطالع الكُتب بدهشة وهو متذكرًا بأن والده لم يكن مؤلعا بالقراءة وللعجيب مكتبة تخص كُتب كثيرا في مجال الطب والتشريح وكُتب التاريخ، شعر بالاختناق والتحطم فداخله ينهار وخارجه يتماسك ويدعي القوة والجمود.
زفر زفرة عميقة تخرج من أعماق روحه الشاردة ثم ضرب بكفيه المكتبة بغضب جامح ليخرج ما داخله من ثورة مُشتعلة
لتتحرك الألواح الخشبية الموجودة بالمكتبة وتميل للجهة اليمنى، ضيق حاجبيه الكثيفبن بدهشة ثم ضغط أكتر لتتحرك المكتبة وتدلف داخل الحائط الذي لم يكن حائط بل هو باب سري قابع خلفها، علت الصدمة عيناه ولاحت شبح أبتسامة أعلى ثغره بعدما خطى بقدمة خلف الباب ذلك ليجد نفسه بالحديقة الخلفية للفيلا، نظر حوله بفضول لعله يصل لشيء أخر يدله
وجد نفسه يقف أعلى أرض صلبة لا توجد بها حشائش خضراء كباقي الحديقة، انحنى بجذعة يتفقد الأرضية أسفله ليجد باب حديدي مغطي بخرسانة أسمنتية يخفي مقبضه، استقام واقفًا وعاد يدلف داخل الباب السري ثم بحث بالفيلا عن أداة حديدية تجعله يكسر الخرسانه ويفتح الباب الحديدي يعلم ما يوجد خلفه.
بالفعل وجد داخل البدروم الذي كان يحتجز به حياة من قبل، وجد داخله أجنة حديدية التقطها بلهفة وعاد إلى حيث وجهته، نجح في هدم الخرسانه الاسمنتية وفتح الباب الحديدي ليرفعه عن الأرضية ليظهر أمامه درج يصله بسرداب عميق تحت الأرض.
أشعل الكشاف الخاص بهاتفه ووضع قدميه بداخل السرداب ليهبط بخطوات حذرة ينزل أسفل ليجد نفسه داخل غرفة مليئة بالاسلحة القديمة التي مر عليها ميئات الأعوام، دار حول نفسه بصدمة أكبر وهو يطالع الأسلحة والزخائر الملغمة بالغرفة، كأنها متحف أسري قديم خاص بالاسلحة فقط، لا يعلم لماذا والده مُحتفظًا بكل هذا الكم منها، يبدو الأمر به ريبة، تحسس بكف يده سلاحًا تلو الآخر وهو يزفر أنفاسه بضيق ولم يفهم شيئًا منما جعل الصداع يمسك براسه يكاد يفتك به
جلس القرفصاء بمنتصف الغرفة ثم ضم كفيه أعلى راسه المتخبطة المُتشتته هو داخل دوامة الان وصراع قوي مع نفسه ولم يجد حلا لما هو فيه، يجد نفسه مُكبل الايدي ولم يعد لديه قدرة على مواجهة الحقائق الخفية والاسرار. الغامضة التي أخفاها عنه والده.
حاول أستجماع شتاته ونهض عن جلسته تلك يدور بعينيه الثاقبة كنظرات الصقر يتفقد كل ركن بداخلها ليجد شيئًا أخر يلفة انتابه، توجد مساحة صغيرة بركن أخر في أخر الغرفة تضم مربع خشبي متوسط الحجم مطلي باللون الأسود، سار بخطوات مسرعة ثم دنا منه يتفحصه ورفعه عن الأرض ثم حمله بين ذراعيه ليصعد به الدرج ويغادر ذلك السرداب وهو قابض على تلك الخزانه الخشبية الصغيرة التي لن يتجاوز حجمها ثلاثون سنتيمتر مربع، يبدو بأنه سيجد سرًا أخر داخلها..
❈-❈-❈
داخل المشفى.
كانت ميلانا تشعر بالتعب والإرهاق خلال الأيام الماضية التي قضتها بالمشفى وهي قلقة على وضع زوجها والان شعرت بالسعادة عندئذ أسترد وعيه وبدأ يتماثل في الشفاء.
داهمها دوار حاولت التغلب عليه لتظل ممسكة بكف زوجها الحنون التي لم تشعر بالأمان إلا بوجوده، كلما نظرت لعينيه العسليتين تجد نفسها تبحر بعالمهما الخاص الخالي من البشر الا من سواهم، يحتويها أسر بنظراته الحانية العاشقة لوجودها وقربها إليه، لا تعلم من منهما الذي يعطي الأمان والاحتواء للآخر، فهي تمتلك العالم بأسره عندما تعانقها هاتان العينين الدافئتين، كلاهما بحاجة للآخر.
رفع أسر كفها الذي يحتضن كفه وقربه إلى شفتيه ليطبع عليه قبلة رقيقة، لترفع أنظارها تتعمق النظر إلى وجهه وملامحه التي تعطي لروحها الهدوء والسلام
تبسمت له بنعومة ليضيق هو ما بين حاجبيه فقد شعر بما يهاجم رأسها الان، انتابه القلق عندما وجد جبينها يتجعد وتظهر خطوطة المستقيمه، فيبدو أنها تعاني ألما ما
همس بصوته الخافت بتسأل عن حالها:
-ميلو حبيبتي أنتي فيكي شيء
هزت رأسها نافية ولكن لم تقدر على مقاومة شعورها بالدوار لتغمض عينيها مُستسلمة للظلام الذي غطي مقلتيها وجعل جسدها ينهدل في استرجاء لتسقط رأسها للأمام على كف أسر الذي حاول رفع رأسها ولكن لم يستطيع بسبب تعب صدره
ضغط الزر أعلى فراشه أستدعاء الممرضة التي اتت على الفور
ليهتف إليها أسر بقلق بأن تحاول مساعدة زوجته لتسترد وعيها
اقتربت منه الممرضة تطمئنه؛
-خير ما تقلقش، أكيد فقدت وعيها بسبب قلة الاكل والإرهاق وعدم النوم، اطمن هتبقي كويسه
غادرت الغرفة تحت نظرات أسر القلقه وجلبت مقعد متحرك وعاد ثانيا ومعها فتاة أخرى ساعدتها على وضع ميلانا بالمقعد المتحرك لتغادر بها العناية وتضعها بغرفة أخرى وذهبت الأخرى لجلب طبيبًا لفحصها.