ماضى ينسي

ماضي ينسي

ــ حصل إيه؟

ــ واحد من المحامين اللي كنت واصّيه على شوية أوراق، اكتشف إن في تزوير جديد في عقود قديمة تخصني… يعني في حد لسه بيحاول يستغل اسمي وماضيّ عشان ياخد أكتر. لازم أروح أواجههم.

سكت لحظة ثم أكمل:

ــ عايزة تيجي معايا بكرة؟

اتسعت عيناها:

ــ أجي؟ لمكتبك القديم؟

ــ مش هيبقى مكتب قديم… هيبقى أول خطوة جديدة.

ترددت، ثم قالت:

ــ ماشي… هاجي.

في اليوم التالي، استيقظ عادل مبكرًا على غير عادته، وارتدى بدلة أنيقة لم ترَ ليلى مثلها في دولابه من قبل. كان لونها داكنًا، وقميصه أبيض نظيف، وربطة عنق بسيطة، لكن الهيبة التي أضافتها إلى ملامحه جعلتها تكاد لا تعترف أنه نفس الرجل الذي يعيش معها في البيت البسيط.

قال مبتسمًا:

ــ شكلي غريب كده؟

ارتبكت:

ــ لأ… بس… كأنك انسان تاني.

ــ لأ، هو نفس الإنسان… بس ده الوش اللي كنت مخبيه عنك.

ارتدت هي عباءة أنيقة لكنها محتشمة، ووضعت على رأسها حجابًا مرتبًا، وحملت “ياسر” بيد، بينما حمل عادل بعض الأوراق بيده الأخرى.

في الطريق إلى المدينة الرئيسية، رأت ليلى كيف بدا عادل مختلفًا وسط الشوارع المزدحمة. الناس تنظر إليه، بعضهم يهمس باسمه، وبعضهم يتجرأ ليصافحه:

ــ أستاذ عادل! فينك من زمان؟

ــ منوّر المدينة والله!

كان يكتفي بابتسامة سريعة، وإيماءة خفيفة، ثم يمضي، كأنه لا يريد أن يطيل الوقوف.

وصلوا إلى مبنى كبير يحمل اسمًا كانت ليلى تعرفه من الإعلانات والواجهات:

شركة “النجار للمقاولات والتجارة”.

تمتمت بدهشة:

ــ ده… اسمك!

ــ أيوة… وأنا راجع آخده تاني.

دخلوا من الباب الزجاجي الواسع. ما إن رآه الحارس حتى وقف باحترام:

ــ صباح الخير يا أستاذ عادل.

في الداخل، ساد صمت غريب لثوانٍ طويلة، كأن الجميع شعر بدخوله.

همس أحد الموظفين لزميله:

ــ هو رجع؟!

ــ أيوة… أهو قدامك.

دخل عادل مكتبًا كان يُفترض أنه لم يعد له. خلف المكتب جلس رجل في الأربعينيات، ممتلئ الجسم، ملامحه قاسية، وعيناه لا تبشران بخير.

أشار عادل لموظف الاستقبال أن تبقى ليلى في الخارج مع ياسر، لكنه لم يمنعها إن أرادت الدخول.

اختارت هي أن تنتظر في الخارج، لكنها اقتربت من الباب قليلاً لتسمع إن استطاعت.

قال الرجل الجالس وهو يحاول أن يظهر الهدوء:

ــ أهلاً أهلاً… شرفتنا يا أستاذ عادل.

رد عادل بصوت بارد:

ــ واضح إني ما شرفتش قوي، وإلا ما كنتش حاولت تمسح اسمي من على الباب.

ابتسم الرجل بتصنّع:

ــ لا أبدًا… ده بس تطوير للعلامة التجارية.

رماه عادل بنظرة حادة:

ــ “تطوير”؟ ولا س*رقة؟

ارتبك.

أخرج عادل ملفًا من حقيبته ووضعه على المكتب بعنــ,,ـــــف خفيف:

ــ دي نسخ من العقود اللي مزورتها… عقود بيع لأصول باسم الشركة اتكتبت من ورا ضهري قبل ثلاث سنين، ولسه مكمل تخريب لحد النهارده.

ــ م… مين قال كده؟

ــ المحامي اللي كنت مفوّضه… واللي هيدخل معنا شهود. أنا سكت كتير، بس شكلي كنت غلطان.

وقف الرجل غاضبًا:

ــ إنت ماعدتش ليك حاجة هنا! بعت كل أسهمك، ومضيت على تنازلات!

رد عادل بهدوء قاتل:

ــ أيوة، بعت أسهمي… لكن ما بعتش اسمي. العقود اللي بعد البيع، اللي خيم الصمت، ثم قال عادل:

ــ قدامك حلّين: يا إمّا نروح المحكمة، ووقتها هتخسر كل حاجة، يا إمّا نعمل تسوية ترجعلي فيها حقي بدون ما نهدم اللي بنيته بسنين.

في الخارج، كانت ليلى تسمع أجزاء من الحديث، قلبها يخفق خوفًا وفخرًا في آن واحد.

رأت بعض الموظفين يراقبون الباب بقلق، وبعضهم بفضول، وبعض الشابات يتهامسن بإعجاب واضح بشخصية عادل القوية.

بعد ساعة من شدّ وجذب، خرج عادل من المكتب بخطوات ثابتة، وجهه جاد لكن في عينيه بريق انتصار هادئ.

اقتربت منه ليلى:

ــ إيه اللي حصل؟

ــ لسه مافيش حاجة أكيدة… بس البداية اتحطّت.

ــ يعني ممكن… ترجع الشركة؟

ــ مش بالضرورة أرجّعها بالكامل… لكن هارجّع حقي… وكرامتي.

نظر إليها لحظات طويلة، ثم قال:

ــ وهارجّع حقّك أنتِ كمان

بعد أيام قليلة، جاء إلى بيتهم البسيط رجل أنيق، يحمل حقيبة جلدية، قال إنه محامي عادل. جلس معهما، وشرح بهدوء أن جزءًا من حقوق عادل المالية ستعود إليه خلال فترة ليست طويلة، وأنه بدأ بالفعل في إجراءات استرداد بعض الأملاك.

كان أول شيء فكّر فيه عادل… هو بيت زوجة أبي ليلى.

قال لها:

ــ مش علشان ننتقم… لكن علشان يعرفوا إن ربنا ما بيسيبش حد مظلوم.

ارتبكت:

ــ أنا… مش عايزة أرجع هناك.

ــ مش هنرجع عشان نعيش… هنرجع عشان نواجه.

ذهبوا جميعًا في صباح يوم مشمس. طرق عادل باب البيت القديم، فتحته زوجة الأب وهي في كامل زينتها، لم تتوقع أن تراهم. ما إن رأت ليلى حتى قطّبت جبينها، لكنها حين رأت عادل بملابسه الأنيقة، ترددت:

ــ خير؟

ابتسم عادل ابتسامة مجاملة باردة:

ــ صباح الخير يا حاجة… جينا نطمن عليكي.

قالت بتصنع:

ــ تسلم يا ابني… ما شاء الله، شكلك اتغيّر قوي!

دخل دون استئذان تقريبًا، ومعه المحامي. جلسوا في الصالة التي تعرفها ليلى جيدًا، حيث سمعت أسوأ الكلما*ت في حقّها يومًا ما.

أخرج المحامي أوراقًا، وقال بنبرة رسمية:

ــ إحنا هنا بخصوص ميراث المرحوم “حسام عبد الرازق”، جوز الأستاذة ليلى الله يرحمه.

تجمد وجه زوجة الأب:

ــ ميراث إيه؟ ده ما كانش عنده حاجة!

تحدث عادل:

ــ لأ، كان له حقوق عند الشركة اللي كان بيشتغل فيها، بس للأسف ما اتصَرّفتش لزوجته بعد وف,,اته… وقصّرنا وقتها، وده حقّها وهي هتاخده كامل.

نظر إلى ليلى بابتسامة دافئة.

أكمل المحامي:

ــ وبالمناسبة… البيت ده كان باسم المرحوم جوزك، موثّق من زمان، يعني من حق مراته وابنه.

شهقت زوجة الأب:

ــ إيه الكلام ده؟!

ــ الكلام ده قانوني… وإنتِ عارفة إنه كتب البيت باسمه بعد آخر تصليح كبير عمله هنا.

تلعثمت:

ــ بس… بس هو قال…

قاطعتها ليلى لأول مرة بصوت قوي لم تعتد أن تسمعه من نفسها:

ــ هو يمكن ما لحقش يقول… بس الورق بيقول. البيت ده حقي وحق ابني… وأنا مش هسيب حقّي تاني.

نظرت زوجة الأب إلى ليلى، ثم إلى عادل، ثم إلى المحامي، وعرفت أن اللعبة انتهت. بدأت تبكي، تتوسل، ولكن هذه المرة لم يكن في قلب ليلى سوى برودة تعلمتها من قس,وة الأيام.

قالت بهدوء:

ــ مش هجريكي برّه… هتفضلي قاعدة لحد ما تلاقي مكان تاني، بس من هنا ورايح… البيت ده مش ملكك.

تدخّل عادل:

ــ وإحنا مش هنسيبك في الشارع… هنساعدك تلاقي مكان، مش عشانك إنتِ، عشان خاطر جوزك الأول اللي كان دايمًا يقول إنك ليكي فضْل عليه.

سكتت المرأة، ودموعها تنهمر، لكنها عرفت أن ما سلبته ظلــ,,ـــــمًا عاد إلى أصحابه.

خرجت ليلى من البيت وهي تشعر أنها تركت خلفها قيدًا ثقيلًا كان يحيط بروحها.

سار عادل بجوارها، يحمل “ياسر” على كتفه، والطفل يضحك بسعادة.

قالت ليلى وهي تنظر إلى السماء:

ــ عمري ما اتخيّلت إن اليوم ده ييجي.

ابتسم عادل:

ــ ولا أنا اتخيّلت إن ربنا هيعوضني بيكي.

لم يكن حبّهما انفجارًا مفاجئًا، بل كان نهرًا صغيرًا بدأ يسيل في هدوء، يتّسع يومًا بعد يوم.

كانت ليلى ترى عادل يعمل بجدّ، لا كطامع في استعادة مجدٍ ضائع، بل كرجل يريد فقط أن يقف على قدميه دون أن يطأطئ رأسه لأحد.

وكان عادل يرى في ليلى امرأة قوية، كل مرة تسقط فيها، تقوم وهي تحمل طفلها وقلبها، ولا تزال قادرة على الابتسام.

مع مرور الشهور، تحسّنت أمورهم المالية. عاد جزء من أملاك عادل، وعاد اسمه يتردد مرة أخرى في السوق، لكن هذه المرة بدون ضجيج مبالغ.

اشترى بيتًا أكبر في حيّ محترم، وأصرّ أن يبقى البيت البسيط الذي عاشوا فيه أول زواجهم كما هو، بل جعله مكانًا للراحة والهدوء يزورونه بين الحين والآخر.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت ليلى ترتّب أوراقها القديمة، وجدت صورة لحسام، زوجها الأول، وهي في أوائل زواجها به. جلست تحدّق في الصورة طويلًا، ثم دمعت عيناها.

دخل عادل الغرفة، رأى الصورة في يدها، فجلس بجوارها دون أن يتكلم.

قالت وهي تمسح دموعها:

ــ لسه بيوجعني فراقه… مع إن حياتي دلوقتي أحسن.

قال بهدوء:

ــ طبيعي… هو جزء من قصتك، ومن حياتك. وأنا عمري ما هطلب منك تنسيه.

نظرت إليه بدهشة ممتنة.

ــ بالعكس… لما تفتكريه بالخير، ربنا يباركلنا في حياتنا أكتر. عبد صالح، ورجل محترم… أنا اللي اتأخرت في حقيه وحقك.

وضعت الصورة في صندوق صغير، وأغلقت عليه، ثم نظرت لعادل بعينين فيهما سلام:

ــ بس دلوقتي… أنا مستعدة أكمل قصتي معاك.

اقترب منها، ووضع يده على يدها بلطف، ولم يحتج إلى كلما*ت أكثر.

اصطياد الطامعين

حين عاد اسم عادل إلى الساحة، عاد معه نوع آخر من الناس: طامعون جدد، ومنافقون قدامى.

بعض من كانوا قد تخلّوا عنه في أزمته بدأوا يتصلون، يرسلون رسائل مجاملة، يدعون له، ويطلبون لقاءه.

كان قد تغيّر. لم يعد ذلك الرجل الساذج الذي يصدّق كل وجه مبتسم. أصبح يفرّق بين من يحبه لحقيقته، ومن يقترب منه لحسابات.

ذات مرة، جاءه شريكه القديم، الذي خان ثقته قبل ثلاث سنوات، ومعه هدية ثمينة، يحاول أن يتقرّب إليه من جديد.

جلس أمامه في المكتب، وقال:

ــ إحنا أخطأنا… بس كلنا بنتعلم من أخطائنا، ورجوعك للشركة فرصة لينا كلنا نفتح صفحة جديدة.

رد عادل بابتسامة خفيفة:

ــ الصفحة الجديدة مش معناها إننا نمسح القديمة… معناها إننا نتعلم منها.

ــ يعني… تسامحنا؟

ــ سامحتكم من زمان… بس مش لازم أكرّر الغلطة.

ــ تقصد إيه؟

ــ أقصد إن الباب مفتوح للتعامل… لكن مش للشراكة. تقدر تبقى مورد، متعهد، أي وضع تاني… لكن شريك؟ لأ.

ــ يعني مش عايزنا نرجع زي الأول؟

ــ زي الأول؟ لا… لأن “زي الأول” هو اللي ضيّعني.

خرج الرجل من المكتب وهو يشعر أن موازين القوة قد انقلبت. لم يعد عادل الرجل الذي يمكن التلاعب به.

كانت ليلى تتابع هذه المواقف من بعيد، وتتعلم.

قالت له في أحد الأيام:

ــ مش خايف ترجع تتورط تاني في دوامة الشركات والفلوس، وتنسى نفسك؟

ضحك:

ــ لو نسيت نفسي… ذكّريني.

ــ أزاي؟

ــ خديّني معاك البيت القديم… خليّني أبص على الحيطان اللي ما كانش فيها غير صورة يتيمة وسجادة صلاة، وف,,اكرك وإنتِ واقفة هناك، خايفة من بكرة… ساعتها هفتكر إن كل ده ممكن يضيع في لحظة.

سكتت، ثم قالت مبتسمة:

ــ أعدك.

في إحدى الأمسيات، كانت الشمس تميل إلى الغروب، والسماء تلوّنها درجات البرتقالي والذهبي. كانت ليلى تجلس أمام بيتهم الجديد، تراقب “ياسر” وهو يلعب بالكرة مع مجموعة من أطفال الجيران، وضحكاته تملأ المكان.

جلس عادل بجانبها يحمل كوب شاي، وقال:

ــ فاكرة أول يوم جينا فيه البيت الصغير؟

ابتسمت:

ــ فاكرة خوفك… كنت واخد في بالك إنك ممكن ما تلاقيش مكانة في قلبي.

ــ وكنتي أنتِ خايفة إني آذيك زي ما الدنيا آذتك.

ــ بس طلعنا إحنا الاثنين غلطانين…

ــ لأ… إحنا الاتنين كنا مجر.وحين… والجر.وح مش بتروح بسهولة… لكنها لما تلتئم صح، بتسيب علامة، بس ما توجعش.

 

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *