عشقت فتاة المصنع الكاتبة صفاء حسنى الفصل ٢٢

ضحك القاضي محمد ضحكة فيها راحة وفخر وقال لزياد وهو بيعدل جلبيته:

— “أكيد لازم الجينات الوراثية تظهر يا ابني.
انت مستغربش ده   بنت قاضي؟
وأخوها ظابط؟ وجدّها كان ظابط؟
ده طبيعي… إحنا في العيلة دايمًا يا ظابط يا قاضي يا نائب…
يعني الموضوع في الدم أصلاً.”

وبعدها أشار لهم يدخلوا:

— “المهم… تعالوا ندخل ونتكلم سوا.
أنا عايز أفهم كل خطوة جاية رايحين لفين وجايين منين.
وبعدين هاتصل بمؤمن…
ونشوف هيروحوا لمحمود إمتى.
لازم محمود يفضل فاكر إن زياد لسه موصلش لزينب…
وهو اللي هيوصلنا بيها… زي ما هي قالت.”

زينب لمعت عينيها…
فرحة بثقة أبوها فيها… وثقته في كلامها وخطتها:

— “هوووه… ده الكلام الموزون.
مش يقولي نمثل إنه مخطوب ليا وكلام فارغ…
عامل نفسه آخر راجل في الكون…
وإن أنا واقعة في دبدوبته وبجري وراه!”

زياد رفع حاجبيه باستفزاز خفيف بس كان واضح إنه مبسوط بالنرفزة اللي هي فيها:

— “تنكري؟
تنكري إنك عملت كده؟
يا بنتي انت  محدش بياخد في إيدك غلوة.
والله العظيم لو شفتِ عملتِ إيه عشان توقعيني…
تخطيط وتنفيذ!
كإنك ماسكة قضية… ولازم توصّلي لآخرها بالعافية أو بالذوق!”

وقفت زينب قدامه…
صدرها طالع نازل من الغيظ…
وعنيها فيها تحدي جامد:

— “وأنا رميت الصنارة…
وانت لو دماغك مش سم وبتخطط وعايز تقرّب وتعرف كل كبيرة وصغيرة…
ماكنتش هتستجيب!
فمتعملش نفسك ضحية بقى.
أنا لعبت لعبة الحب…
وإنت كملت فيها عشان مصلحتك.”

زياد ابتسم… بس ابتسامة الراجل اللي اتكشف واتفضح… بس لسه واقف ثابت:

— “الله ينور عليك.
أهو اعتراف واضح وصريح!
انتي رميتِ الصنارة…
ولعبة الحب بدأت.
وأنا؟
قولت أجرب حظي…
ومن الآخر…
عايز أكمل اللعبة…
عشان نخلص القضية…
ونربط كل الخيوط ببعض.”

زياد قال بثقة وهو بيبص لزينب وكأنه بيحسم آخر الخطة:

— “فأنا هكمل إني ياسر… المهندس بتاع الكهرباء.
وإنك دورتِ عليّا لحد ما لاقيتيني…
ولما حصلت المشكلة في الفندق وهربتِ…
جِتيلي.
وإنك… مبتثقيش في حد غيري…
عشان دايبة في دبديبي…
وبتحبيني أكتر من نفسك.
ووقعتِ نفسك في المصايب عشان توصّلي ليا.”

رفع عينه للقاضي:

— “ده اللي الناس كلها لازم تعرفه.
وأنا بنفسي هارجّعها المصنع…
وعند الست غالية.
ومن بعدها نشوف إيه اللي هيحصل.
وجاسر… هل كان عارف إنها بنت القاضي؟
ولا مجرد واحد بيدور على فريسة جديدة؟
وعصام… ابن مين؟
وإيه علاقته بكل اللي حصل مع القاضي والدك…
والنائب عماد؟
وموضوع تبديل بنته…
والست اللي بتتاجر بالأعضاء…
ومين السبب في موت رهف…
لأن أكيد كانوا عارفين إنها هتكشف خططهم.”

زياد قرب بخطوته وغمز بعينه:

— “الموضوع كبير…
والشبكة كلها مربوطة ببعض.
يعني الصنارة الصغيرة بتاعتك ولا حاجة…
قدّام الشبكة اللي وقعنا فيها.
فهمتِ يا ستّ العاقلين؟
فكّري في كلامي…
ولو وافياني عليه… بلغوني.
أنا هروح دلوقتي…
عشان أجهّز حاجتي من البيت…
وكمان لازم أرجع أتنكر بلبس ياسر.
ولما مؤمن يصحى… يلحقني على السجن.”

زينب شبكت دراعها ونظرت له بسخرية لاذعة:

— “آه يا خطيبي!
متنساش تجيب الدبَل…
وياريت متكونش مزيفة… زيّك.
وعشان أنا دايبة في دبدوبتك…
لازم أكلك… وتفطّرك…
واهتم بيك!”

بصت على طبق الفاكهة…
لقطت صباع موز…
قشرته بثقة…
و حشرته في بوقه بعصبية متعمدة:

— “كُل يا حبيبي…
هو في حد زيّك في البشرية؟!”

زياد اتفاجئ…
اتخض…
ووشه قلب أحمر…
وقعد يشرق وهو مش قادر يتنفس…
وزينب ماسكة الطبق وبتحشر الفاكهة في بوقه وحدة وحدة!

القاضي محمد كان واقف…
بيموت من الضحك حرفيًا.

في اللحظة دي…
صحيت ياسمين على صوت الضحك…
ولمّا شافت بنتها وهي بتعمل كده…
عينيها امتلوا فرحة ما شافتهاش من سنين.

مسكت إيد جوزها وقالت وهي مبتسمة بفخر:

— “بنتنا حلوة أوي يا محمد… ودمها خفيف.”

محمد بص لها…
وعينه فيها دمعة سعادة:

— “دمها خفيف…
وعندها ثقة في نفسها…
ومبتسكتش على حقها.
الحمد لله إن ربنا عرفنا بيها يا ياسمين.
أنا مقهور…
على السنين اللي ضاعت…
وكبرت بعيد عننا.
أكيد كنا هنعيش معاها مواقف كتير زي دي…
ونضحك لحد ما نعيّط.”

في نفس الوقت…
كان مؤمن صحي من النوم على صوت عيالهم وهما بيعيّطوا.
إيمان فتحت عينيها بالعافية، حاولت تعدّل نفسها على السرير وهي متألمة وقالت بصوت واطي:

— “ممكن تجيبلي المسكّن يا مؤمن؟ مش قادرة أتحرك… وعاوزة أشوف الولاد.”

قام مؤمن بسرعة وقال لها بحزم خفيف:

— “متتحركيش… اصبري.
أنا هنزل أنادي أمهاتك.
هو أنا عملت كل ده… عشان في الآخر تبقي ملوبخة ما بينهم؟!
أروح أتصل بيهم… كل واحدة فيهم تقولّي إنها أمّك وشاطرة في الخناق بس!”

ضحكت إيمان من أسلوبه وطريقة كلامه:

— “انت اتغيّرت كتير من وقت ما ظهرت توأمك…
وعمالي تضحكني من امبارح…
وتعملي فيّ مقالب!”

مؤمن قعد جنبها، وبص لها وهو مبتسم وقلبه خفيف:

— “تصدقي آه؟ حسّيت كإن روحي رجعت!
كنت دايمًا حاسس إن في حاجة ناقصاني…
وساعات كتير وأنا صغير كنت بعيّط من غير سبب…
وساعات أتخانق وأتعصب… وبرضه من غير سبب!”

ضحكت إيمان وهي مرمية على المخدة:

— “كنت بتتعصب لما هي بتتعصب!
— آه… توأمك صحيت.
واسكت… اسكت… ده واقف تحت وبيتخانق!”

مؤمن سكت ثانية يركز…
وبعدين فجّر ضحكة:

— “استلمت زياد من الصبح!
رغم إنّي لسه معرفهاش قوي…
بس أنا عارف نفسي…
ميجلّيش نوم غير لما أطلّع الفحص من لساني!”

وقف وقال وهو بيصلّح هدومه:

— “أنزل أشوفها… وأطلعها ليكي.
هيّ عمّتهم…
ولازم تتعرّف على ولاد أخوها!”

ابتسمت إيمان وعيونها فرحانة:

— “ده أحسن…
امبارح كانت بتتكلم مع ولادك…
ولما سمعت زياد…
الأولاد ركّزوا معاها وسكتوا!
وما كملوش ٢٤ ساعة!”

ضحك مؤمن:

— “عملت لهم اختبار سمع ببلاش!”

قرب منها وقال:

— “هروح أجيبلك ميّة… تاخدي العلاج.
وأبعتلك زينب… عشان أرحم صاحبي من لسانها.”

وقف عند الباب:

— “وبعد كده… أنزل أخبط على أمّك سعاد.
وإنتي اتصلي بأمّك منى…
أصل الاتنين دول دايمًا مش مضايفني أصلًا!”

إيمان ضحكت بعفوية… من غير ما تاخد بالها إنها جابت سيرة رهف:

— “البركة في رهف… كرهتها فيك!”

فجأة استوعبت إنها قالت جملة تقيلة…
اتلخبط وشّها…
وعملت نفسها بتسحب كيس العلاج…
وتشد في حبل سراير التوأم كإنها منشغلة قوي.

—
كان حاسس بلبختها… وهي عندها حق.
رهف قدِرت تكره الكل فيّ، وقدرت تُصوّر إني شخصية عصبية وصعبة، وإن أهمّ حاجة عندي أمور البيت… أكلي وشربي… فوق أي حاجة تانية.
ممكن أكون زي أي راجل عادي نفسي أحس باهتمام مراتي، بس عمري ما كنت أناني… ولا بشع زي ما هي صوّرِتني للناس.
حتى أمي… كانت شايفة إني جيت عليها.

أنا نفسي أغمض عيني وافتحها ألاقي كل ذكرى ليها اتمسحت… من عقل ولادي… وعقل أمي… وحتى من منى أمّ إيمان.
الكل كان عايش معاها بالتأني… وشايلين جواهم جبل من الضغوط… والرفض… والإنكار.
كنت بقول يمكن معذورين… بس دلوقتي؟… لا.
استحالة يكونوا معذورين.

أمي فرحت جدًا بزينب… وكأنها ما غِبَتش عنها.
أبوي حس بيها قبل ما يشوف النتيجة…
أول ما شافها قالّي:
“دي شبه أمّك يا مؤمن… نُسخة.”

أما عماد ومنى… مقدروش يتقبلوا زينب.
يمكن عشان كانت عايشة “بنت بديلة”… وعارفة إنها مش بنتهم… فكانت بتحاول تكرههم في إيمان، وتبعدها عنهم.
مش عارف…
بس اللي أعرفه إن في حاجات لازم تتصلّح.

كل الكلام ده كان داير جوا دماغه… وهو بيجيب ميّة ويديها لإيمان.
ساعتها أخدت العلاج… وبعدها ناولها الأطفال يحطّوهم جنبها… وكمان ادّاها التليفون.

أخدت التليفون منه… وبعدها مسكت إيده… وبوّستها وهي بتعتذر:

– “أنا آسفة.”

شدّ إيده… وقرب منها… وباسها من راسها:

– “إحنا اللي آسفين يا إيمان… وكل حاجة هتتصلّح.”

قطع حديثهم اتصال من رقم غريب على تليفون مومن.

بصّ لتليفونه باستغراب…
رد وهو متحفّظ:

– “أيوه… مين معايا؟”

ثواني…
ثواني بس كانت كفيلة تغيّر لون وشه.

عروقه شدّت، وملامحه اتجمّدت، وصوته اختفى.
إيمان بصّت له بقلق… قلبها وقع في رجلها.

– “مومن… مين؟”

وهو لسه ماسك التليفون…
بس المرة دي إيده بدأت ترجّ خفيف…
وكأن كلمة واحدة اتقالتله قلبت دنيته.

الصدمة كانت باينة عليه… بس صوته اتخرس.

وساب الجملة معلّقة…
والقاري يفضل يتساءل:

مين اللي اتصل؟
والكلمة اللي سمعها كانت إيه؟
وليه ملامحه اتقلبت كده؟

يتبع
—

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *