كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى الفصل السادس

انحنى بسرعة ورفع إيده بخوف تمثيلي وقال:

“حاسبي يا بنتي! أنا ما كنتش أعرف إنك شريرة كده!”

ضحكت عشق غصب عنها وضحكتها كان فيها كسوف بسيط وقالت:

“هي جات فيك… بعتذر.”

قال كنان وهو واقف:

“خير؟ رجعتي ليه؟”

ابتسم وقال لها:

“إنتِ نسيتي تليفونك… رجّعتُهولِك بس. إيه يا بنتي؟ كل الشباب بيجري وراكي… واضح إنك مهمة هنا.”

ضحكت عشق وقالت:

“ولا مهمة ولا حاجة! أنا أصلاً ما كنتش معروفة. مش عارفة… عربية أستاذ كنان عملت إيه! هقول لك على سرّ…”

قرب منها كنان وقال:

“قولي سرك في بير.”

تنهدت عشق وقالت:

“أنا أصلاً ما أعرفش العربية اللي ركبتها نوعها إيه… وما حسّيتش براحة وأنا فيها. أنا بكون مبسوطة وأنا راكبة الأتوبيس، وخصوصًا المكيّف… بحس إني أميرة وأنا قاعدة على الكرسي العالي، وبفرح وأنا بتفرّج على البيوت والإعلانات.

ولو ركبت تاكسي بكون مبسوطة لما يطلع كوبري… ما كنتش أتخيّل إني في يوم هركب عربية بالفخامة دي.

ورغم لبسي عادي… يمكن أقل من العادي، كنت بفرح إن محدّش بياخد باله مني… دلوقتِ بدعي ربنا يعدّي اليوم على خير، وإنتَ شفت بنفسك… لسه فاكريني جديدة!

المهم… بالله عليك رجّع التهمة لأصحابها، وأنا هرجع بالأتوبيس.”

اتصدم كنان من طريقتها، وإنها بتفرح بالحاجات البسيطة وبتعتبر العربية “تهمة”.

وقال لها:

“إنتِ فعلاً غريبة! يعني لو جه لك واحد غني وقال لك: عايزك تكوني مراتي… هتعملي إيه؟”

ضحكت عشق وقالت:

“هرش عليه مية عشان أفوّقه، وأقوله: فوق يا أخينا… أنا مجرد شغّالة في الشركة عندك، أو خدامة في البيت… مش مراتك!”

مسك كنان دماغه وقال:

“إنتِ غريبة يا بنتي! ألف بنت تتمنى تتجوز واحد غني… وسمعت البنات عندنا في الشركة بيتمنّوا كنان بيه يظهر عليهم! وإنتِ زعلانة إنه طلب يركّبك العربية!

ولو محرجة… وظّفيني علشان ما تتحرجيش!”

ردّت عشق بسرعة:

“عشان بنات هبلة… مش فاهمين إن السعادة مش بالفلوس. السعادة حاجات تانية كتير… ولما تضيع، مفيش حاجة بتعوّضها.”

سألها كنان:

“وإيه السعادة من وجهة نظرك؟”

تنهدت عشق وقالت:

“لميّة البيت… أنا وأمي وأبويا.

ولما أمي ماتت… مات معاها جزء من السعادة.

بس بابا حاول يعوضني.

بابا كان بيحبها بجد… حبّ مش موجود في الزمن ده.

رغم إحنا على قدّنا… بس كان في بيتنا أمان.

دلوقتِ أكتر حاجة بتسعدني إن بابا يخفّ… لأني خايفة أعيش الإحساس ده تاني.

ونفسي أنجح… ولو اتعيّنت معيدة يبقى ده قُصاد الدنيا.

ولو ما حصلش… أتوظّف في الشركة اللي بابا فيها.

وأسدّد ديوننا.

بس خلاص… ما تعطّلش نفسك.

رجّع العربية، وشوف أكل عيشك… واتعب على نفسك… هتنجح.

أستودعك الله.”

وسابته عشق ودخلت على الامتحان.

أول ما مسكت الورقة… رجعت تبصّ على اللي قاله لها كنان، ولما بدأت اللجنة توزع الورق، الشاب اللي كانت مرشّاه مية كان مفروس جدًا، وقرر ينتقم.

قبل الامتحان بساعات، كان حاطط ورق غشّ في مكانها من وراها، عشان يوقعها.

بعد عشرين دقيقة من الامتحان، لقت فعلاً كل اللي شرحه كنان موجود.

ابتسمت وبدأت تحلّ.

وفجأة…

رفع الشاب إيده وقال للمراقب:

“يا دكتور، البنت اللي هناك معاها ورق… وبتغش.”

سأله الدكتور:

“إنت متأكد؟”

قال الشاب بثقة:

“طبعًا… هو الموضوع ده فيه هزار؟”

اتجه الدكتور والدكاترة نحو عشق…

هي كانت مركّزة ومش عارفة إن فيه مصيبة جاية.

جت دكتورة وقالت لها:

“قومي معايا بعد إذنك.”

عشق اتوترت:

“ليه يا دكتورة؟ أنا بحل…”

زعقت الدكتورة:

“قومي… حدّ شافك بتغشي.”

انهارت عشق:

“غش إيه؟ والله عمري ما غشّيت! أنا كل سنة بنجح بتعبي!”

لكن الدكتورة أصرت:

“مش عايزين كلام… برا! نفتشك.”

قامت عشق…

الدكتورة فتّشت المكان… والورق كان تحت رجليها.

قالت بصوت عالي:

“فعلاً بتغش… اعملولها محضر غشّ!”

اتجمّدت عشق… وبصّت على الشاب اللي كان بيضحك.

بدل ما تنهار… شدّت نفسها وقالت:

“حضرتكم صدّقتوا إني بغشّ عشان شوية ورق مرمي على الأرض؟

ولا حد فيكم شافني بغشّ؟

ده ظلم!”

ردّ أحد الدكاترة بعصبية:

“بتتجسّري كمان؟”

رفعت عشق صوتها لأول مرة:

“أنا عايزة أروح للمدير… وهو يعرفني كويس.

ثلاث سنين عمري ما غشّيت!”

اتصدموا وقالوا:

“ماشي… تعالي.”

وفي الوقت ده… كان كنان قاعد مع مدير الجامعة بيكمل إجراءات رجوعه للتدريس.

وفجأة…

دخلت الدكتورة وقالت:

“حضرتك… في بنت اتقبض عليها بتغش، وبتقول إنها تعرفك.”

سألها المدير:

“اسمها إيه؟”

قالت:

“عشق حسين محمد.”

تغيّر وش كنان كله…

وقف بسرعة ناحية الساتر، مش عايز عشق تشوفه.

المدير قال لهم يدخلوا.

دخلت عشق…

وقفت قدام المدير وقالت:

“السلام عليكم يا دكتور.”

سألها المدير:

“إنتِ قولتي إنك تعرفيني؟”

قالت عشق بثبات:

“حضرتك يمكن ما تعرفنيش، بس شرف ليا.

أنا هنا بقالي 3 سنين…

وتقديري جيد جدًا مع مرتبة الشرف.”

وفتحت تليفونها وورّته النتائج.

وكملت:

“وعمري ما غشّيت…

ومش هاجي آخر سنة أغشّ.

ده شاب كان بيتحرش بيا قبل الامتحان… وأنا رديت عليه.

فعمل مكيدة.

ومش عايزة أظلمكم ولا تظلموني.

لو سمحت… حطني في لجنة خاصة… وادّيني ورق جديد… وأنا هحلّ.”

تنهد المدير وقال:

“تمام يا بنتي… اخرجي دلوقتِ.”

ولما خرجت… نسيِت شنطتها.

التفت المدير لكنان وسأله:

“إيه رأيك يا دكتور كنان؟”

وهنا…

رجعت عشق لأنها افتكرت الشنطة…

(يتبع)

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *