جوزي كسرلي دراعي يوم التلات.. وقبل ما ييجي يوم الجمعة كانت عيلته كلها بتتريق عليا على السفرة!.. حماتي رفعت كاس المية وقالت ب غرور ابني أداها درس مش هتنساه!.. وأخته ضحكت ب لؤم كانت فاكرة نفسها هي اللي بتأمر وتنهي هنا!.. أنا ابتسمت ب دهاء، عشان عارفة إن بعد نص ساعة بالضبط جرس الباب هيرن.. وكل اللي قاعدين على السفرة دول هيفهموا مين اللي بيتحكم في اللعبة من الأول! كنت قاعدة على سفرة الأرو الطويلة في الصالة، ودراعي اليمين متجبس ومتعلق في رقبتي. صوابعي كانت ورمانة تحت الرباط، زرقا ومخشبة.. كل ما أتحرك حركة صغيرة، الوجع يصرخ من معصمي لحد كتفي، عشان كده طبق اللحمة اللي قدامي ما لمستوش.. مكنتش قادرة حتى أقطع أكيلي لنفسي. بس طارق كان قادر.. كان قاعد جنبي بيقطع الاستيك بتاعه ب هدوء، كأنه مش هو السبب في إن قضيت ليلة التلات اللي فاتت كلها في الطوارئ! أمه حكمت رفعت الكاس وقالت ب شماتة ابني أداها درس مش هتنساه عشان تعرف حجمها كويس! سهام أخت طارق ضحكت ب استعلاء أصلها كانت فاكرة إنها هي اللي بتأمر وتنهي في البيت ده! محدش فيهم حس ب كسوف.. محدش قالهم عيب ولا اسكتوا.. طارق اتسند لورا على الكرسي اللي أنا دافعة ثمنه من شغلي، تحت النجفة اللي أنا نقيتها ب ذوقي، وبصلي ب غرور وثقة راجل فاكر إن الوجع والكسر خلاص خلوني أستسلم وأبقى خدامة تحت رجليه! يمكن دلوقتي بقى.. طارق قالها ب برود .. تبطلي تتدخلي في قرارات العيلة! قرار العيلة ده كان عبارة عن تحويل 80 ألف دولار أكثر من 3 مليون جنيه من حساب البيت عشان ينقذوا الأتيليه بتاع أخته سهام من الإفلاس.. وأنا طبعاً رفضت ووقفت التحويل! في الليلة دي، طارق حاصرني فوق في الأوضة.. لوى دراعي ورا ضهري وزقني ب غل على السور.. في المستشفى، قولت للدكتور إن وقعت من على السلم.. بس أنا مكنتش بَكْدِب في كل حتة! تحت السفرة، إيدي الشمال كانت ماسكة التليفون.. الشاشة كانت مطفية.. بس أبلكيشن التسجيل كان شغال ب دقة من أول ما حماتي بدأت نخب الشماتة! في الوقت ده، هما كانوا مكملين تخطيط ل حياتهم على حسابي.. حكمت أعلنت إنها ناوية تعزل وتقعد في ال جناح الشرقي للفيلا.. وسهام كانت بتخطط تقلب مكتب شغلي لأوضة أطفال ل ابنها اللي جاي.. وطارق كان بيتكلم ب كل أريحية إنه يعيد رهن الفيلا ويحط اسم أمه في العقد! كانوا بيتكلموا عن بيتي وأملالي كأني مش قاعدة قدامهم أساساً.. هما افتكروا إن سكوتي ووجعي معناه استسلام! عشان كده.. أنا ابتسمت! حكمت أخدت بالها على طول وسألت ب لؤم بتضحكي على إيه يا عين أمك؟ ولا حاجة يا طنط.. رديت ب نبرة هادية جداً .. كملوا كلامكم، مستمتعة أوي. وش طارق اتغير ل نص ثانية.. كان عارف النبرة دي كويس.. أنا قبل ما أتجوّزه، قضيت 12 سنة شغال في قضايا الأموال العامة والتزوير التجاري في بنك كبير.. قعدت قصاد حيتان ومجلس إدارة بيجرحوا ويكدبوا ب ثقة عمياء فاكرين إن العقود بتمشيهم معصومين من القانون. والأشكال دي دايماً بتغلط نفس الغلطة.. بيتكلموا كتير وبيكشفوا ورقهم لما يفتكروا إنهم خلاص كسبوا! سهام رفعت كاسها ناحيتي ب تريقة في صحتك.. عشان تعرفي مقامك كويس بعد كده! رفعت كاس المية ب إيدي السليمة وقالت ب هدوء قاتل في صحة الممتلكات وال أصول! كلهم ضحكوا ب استخفاف.. بعد نص ساعة بالضبط.. جرس الباب رن! طارق اتنرفز وبص ناحية الباب ب استغراب مين المزعج اللي جاي في وقت زي ده؟ بصيت في عينه ب ثبات وقصاد العيلة كلها رديت أنا اللي عزمتهم. الجرس رن ثاني ب إصرار.. ولأول مرة من يوم التلات، حسيت إن نفسي يرجعلي ب سهولة والوجع يهون.. طارق قام وقرب من الباب ب ضيق، مكنش عنده أدنى فكرة مين واقف ورا الباب مستنيه.. مكنش يعرف إن الفيلا اللي بيخطط يرهنها قانونياً مش بتاعته ولا من حقه يلمسها.. وأكيد مكنش يعرف إن تسجيل التليفون ده مجرد أول خيط في المشنقة اللي غزلتهاله ب إيدي! فَضِلت بتبص عليه وهو بيمد إيده يفتح الأوكرة.. ولأول مرة طول الأسبوع ده، مكنتش خايفة خالص من اللي هيحصل بعد لحظات! يا ترى مين اللي واقف ورا الباب وهيزلزل كيان طارق وعيلته؟ وإيه المفاجأة القانونية المرعبة اللي جهزتها البطلة ب دهاء عشان تاخد حقها وتكسر غرورهم في ثواني؟ اللي جاي كشف مستور ومفاجأة تزلزل القلوب م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الجزء السادس طارق فتح الباب بحدة.. وابتسامته اختفت فجأة، واتلون وشه لون ما شفتهوش عليه في حياتي. قدامه وقفوا اتنين من رجال رسميين بملابسهم الرسمية، ومعاهم محامٍ عرفته من أول نظرة الأستاذ شريف المحامي اللي اشتغلت معاه سنين طويلة في القضايا الكبرى، راجل محترم، صارم، ما بيتكلّم كلام فاضي أبداً. وراهم شخص تاني.. محافظ البنك المركزي السابق جلال الدين الراجل اللي الكل بيحترمه ويخاف من كلمته! أنتِ اللي عزمتيهم؟ همس طارق بصوت مكتوم، وعيناه بتتسعان من الصدمة. أنا رديت بثبات وقلت بصوت مسموع للكل تعالوا يا سادة.. النقاش كان لسه في أوله. دخلوا.. والصالة كلها سكتت بحالة صدمة ما بعدها صدمة. حكمت نزلت الكاس من إيدها ببطء، وسهام وقفت مكانها مفتوحة الفم مش عارفة تقلّب عينينها فين. شريف المحامي خطو خطوة قدام، فتح الملف الجلدي الكبير اللي في إيده، ونظر لطارق مباشرة أستاذ طارق.. بناءً على وكالة رسمية من السيدة سلوى زوجتك، أتيتُ لأبلغكِ ببعض الحقائق والقرارات. طارق اتنفس بسرعة حقوق إيه؟ ده بيتي.. وعيلتي.. مسموحلكوش تدخلوا كده! البيت بتاعك؟ رديت بهدوء ووقفت بكل ثقة إذن تفضل وقل لي مين اللي دفع تمن الأرض؟ مين اللي سدّد قسط البناء شهر ورا شهر لمدة 4 سنين؟ ومين اللي العقد مسجل باسمها بالكامل؟ حكمت قاطعتني بصوت عالٍ الراجل هو اللي بيبقى اسمه في العقد! ده عرف.. وشرع! التفتت لها بكل هدوء الشرع والقانون بيقولوا الحق لمن دفع.. والورق الرسمي بيقول اسمي.. وكل الفواتير والإيصالات معايا. شريف رفع ورقة رسمية هذه نسخة من عقد الملكية.. مسجل بالكامل باسم السيدة سلوى. وهذا كشف حساب بنكي يثبت أنّ كل مبالغ الدفع تحولت من راتبها الخاص ومدخراتها الشخصية.. ولم يدفع الأستاذ طارق قرشاً واحداً طوال الفترة كلها. سهام ضحكت بتريق بس صوتها مهتز ده كلام ورق.. الفلوس كانت منهم الاتنين! لا قال جلال الدين بصوت ثقيل رجّ المكان السيدة سلوى كانت تعمل في إدارة المخاطر والتحقق بالبنك براتب مرتفع جداً.. ومدخراتها كانت واضحة وموثقة قبل الجواز. أما الأستاذ طارق.. فحسابه لم يشهد أي إيداع كبير يتناسب مع قيمة العقار. طارق بدأ يفقد أعصابه أنا صرفت على البيت! أنا اللي اشتريت الأثاث! أي أثاث؟ سألت وأنا أخرج قائمة من الجيب الداخلي لملفي ده كشف حسابي بتاع المشتريات.. كل قطعة جبتها من مجوهرات وأثاث وأجهزة باسمي وبفلوسي. وأنتِ.. آخر مرّة صرفت من جيبك كانت قبل ما نجوّز! حكمت قامت بغضب بنت حرامية! بتكذبوا عليه! نكذب؟ رديت بكل هدوء الساعة 815 مساءً يوم التلات الماضي.. بالظبط الساعة اللي كسرتلي دراعي فيها.. كنتِ بتقولي الفلوس بتاعتها كلها هتبقى لنا قريباً. سهام قالت الفيزا والبطاقات كلها باسمها بس هو اللي يقدر يتحكم فيها. وطارق قال لما تطلّع منها نصيبها في الميراث.. نكون خلاص غنينا عن شغلها. سهام اتغير لونها إزاي تعرفي الكلام ده؟! لأنّي سمعتكم رفعت التليفون شويه والمسجّل معايا.. كلمة بكلمة. شريف المحامي تكلم تاني بجدية تامة بالإضافة إلى كل ما سبق.. لدينا بلاغ رسمي بتعنيف وإيذاء جسدي مُسجل باسمك يا أستاذ طارق.. وشهادة طبية من مستشفى الطوارئ تثبت كسر الذراع الأيمن نتيجة ضربة قوية وليس سقوطاً كما ادّعيت. طارق تراجع خطوة ده افتراء.. هي وقعت من السلم وقالتلي كده! الدكتور اللي كشف عليّ موجود برة رديت والشهادة بتاعته واضحة الكسر ناتج عن التفاف قوي في المفصل.. نفس الطريقة اللي لويتلي فيها دراعي ورا ظهري. الصمت عمّ المكان.. حكمت غطّت فمها بيدها، وسهام جلست بلا قوة على حافة الكنبة. وأخيراً قال شريف وهو يخرج ورقة أخطر من كل اللي قبلها هذا إشعار رسمي من البنك.. تمّ اكتشاف محاولة تحويل مبلغ 80 ألف دولار من حساب الشركة.. التوقيع المُستخدم مطابق لتوقيع السيدة سلوى لكنه مزوّر.. والتحقيقات تشير إلى أنّ الأستاذ طارق هو من قام بالتزوير. طارق صرخ كذب! ده كذب عشان تخلّص مني! التوقيع المزوّر تمّ تحليله قلت ببرود والبصمة اللي على حافة الورقة بتاعتك.. موجودة في قاعدة البيانات من أول مرة حاولت تاخد قرض بضمان حسابي قبل سنة. هنا انهار.. طارق تهاوى على الكرسي، نظراته تائهة، ما عادش قادر ينكر ولا يبرّر. لقد انتهى الوقت اللي كنتِ فيه أستر عليكِ قلت وأنا أرفع راسي عالية تحمّل نتيجة أفعالك. الجزء الثالث الجزء السابع خرج المحامون ورجال الرسميين.. وسابوني وحيدة معاهم في الصالة الكبيرة. طارق كان قاعد منكس الراس، ما بين الصدمة والخوف. حكمت كانت بتتلفّت حولي كأنّها شايفة شخص تاني غير اللي كانوا بيتريقوا عليه من دقايق. سهام حاولت تكلّمني بصوت ناعم ومتملّق سلوى.. يا حبيبتي.. كل ده كان سوء فهم.. بابا كان متضايق بس.. ما تقوليش حبيبتي قطعتها ببرود أنا مش حبيبتكِ.. وأنا مش خدامة عندكِ.. وأنا مش البنت الضعيفة اللي كنتوا فاكرينها. التفتت لطارق قولي لي.. من أول يوم جوازنا.. كنت بتعاملني كأنّي موظفة عندكِ؟ كأنّي محفظة فلوس تمشي على رجلين؟ أنا.. ما كنتش أعرف إنكِ هتعملي فيّ كده.. همس بصوت مكسور كنا زي العيلة.. عيلة؟! ضحكت بمرارة العيلة بتضرب بعض؟ العيلة بتسرق بعض؟ العيلة بتخطط عشان تسلب بيتهم ومالهم؟ ده مش عيلة يا طارق.. ده عصابة! سكت.. ما لقاش كلام يردّ بيه. عندك 48 ساعة واصلت بكل حزم تخرج من الفيلا.. تاخد هدومك بس.. وتسيب وراك كل حاجة اشتريتها بفلوسي.. والملابس اللي لابسها دي أنا اللي اشتريتها كمان.. بس خلّيها عليّك.. هدية أخيرة. حكمت قامت بجنون مش هيمشي من هنا! ده جوزك! شرعاً وقانونياً البيت بتاعه نصه! القانون قال كلامه يا طنط حكمت.. والبيت مسجل باسمي بالكامل.. ومحاولة التزوير دي كفيلة إنّه يدخل السجن سنين طويلة.. فإما يمشي بسلام.. أو يروح مع الرجالة اللي برة دلوقتي. طارق رفع راسه بترقّع سلوى.. أرجوكِ.. ما تعملينش كده.. لو سابتني.. أنا.. أنا أتغيّر.. تتغيّر؟ قلت بكل هدوء أنا سمعتك بتقول لأمك يوم ما كنت في المستشفى الوجع هين عليها.. بكره ترجع وتخدم زي ما كانت. ده كلام بتقوله حدّ بتحبّه؟ ما ردّش.. عيناه اتملّعت دموع بالكادب بس ما نزلت. القرار اتّخذ قلت بصرامة الساعة 6 مساءً بعد بكره.. الباب يتقفل وراك.. ولو شفت حد منكم هنا قبل كده.. أتصل بالشرطة فوراً. مشيت ناحية السلم.. دراعي كان بيوجعني أوي، كل خطوة بتوجعني، بس كنت حاسة إنّي أطول من كل اللي قاعدين تحت. في أوضتي، قفلت الباب ورايا وانهارت على السرير.. بكيت بصمت.. مش عشانهم.. عشان نفسي.. عشان السنين اللي ضاعت.. عشان الحب اللي كان وهم.. عشان الثقة اللي كسرتها أيديهم. بعد يومين، جاء اليوم الموعود.. كنت قاعدة في الصالة أستنى. الساعة 545.. طارق نزل ومعاه حقيبتان بس.. حكمت كانت واقفة جنبه وعيناها حمراء من البكاء سامحيه يا بنتي.. هو كان بيحبكِ.. بس الغلطة عمّته اللي بيحب ما يأذي يا طنط.. وما يخون.. وما يكذب رديت بهدوء أنا سامحته.. بس مش هنسى. طارق بصلي نظرة أخيرة.. نظرة مليانة خسارة وندم حقيقي أخيراً شكراً على كل حاجة.. وأسف.. آسف جداً. خرج وساب الباب يتقفل وراه.. سمعت صوت السيارة بتاعته تبتعد.. وساد الصمت الحقيقي لأول مرة من سنين. الجزء الرابع الجزء الثامن الأيام اللي جت كانت غريبة.. صعبة ومريحة في نفس الوقت. البيت بقا هادي.. مفيش صوت نغمة، مفيش كلام جارح، مفيش نظرات استعلاء. بس الفراغ كان بيلامسني في كل ركن. كنت مستمرة في شغلي، رجعت بقوة، وكل اللي شافني بيقولوا إنّي اتغيّرت.. صرت أطول، أتكلّم بثقة، عيناي بتلمع ببريق جديد. في العمل، كنت قدّمت بلاغ التزوير رسمياً.. وبناءً على إفادتي والأدلة اللي جمعتها، بدأت الإجراءات القانونية. المحامي شريف قال لي القضية واضحة جداً.. بس هو طلب الطلاق وادّعى إنّكِ اللي هددتيه وابتزّتيه. ابتسمت ببرود الكلام بيقابل كلام.. والتسجيلات معايا. صحيح.. بس المحكمة محتاجة وقت.. وسمعت إنه بيدور على شهود يثبتوا إنّكِ كنتِ عنيفة معاه. الكلام سهل.. الحق صعب إنه يتغيّر. مرّ شهر.. واتّضح إنّ طارق مش ساكت.. بدأ يبثّ الإشاعات بين الأقارب والمعارف سلوى اتجننت أخذت كل حاجة وطردته كانت بتخونه وعايزة تتخلّص منه. كلام مؤلم، وصلني كل كلمة، وكل حد كان بيتجنّب يكلّمني. ذات يوم، كنت راجعة من الشغل، لقيت سهام واقفة قدام الباب.. كانت مكسوفة، عيناها في الأرض ممكن أتكلّم معاكي دقيقة؟ دخلتها.. جلستا في الصالة، سكتت فترة طويلة قبل ما تتكلّم أنا آسفة.. على كل حاجة.. كنت غبية.. صدّقت كلامه وصدّقت كلام ماما.. ما كنتش عارفة إنّه كده. عرفتي إزاي؟ سألتها بهدوء. زارني أمس.. طلب منّي أروح للمحكمة وأقول إنّي شفتك بتضربيه.. وإنّكِ كنتِ مهدّداه تفضحيه لو ما سابلكِ الفلوس.. ساعتها عرفت إنّه لسه بيخدعنا. بكت بصمت كان بيقول إنه بيحبّكِ.. إنه خايف عليكِ.. وطلع بيستخدمنا كلنا. الحمد لله إنّكِ عرفتي قلت برفق ما أكرهكِ يا سهام.. بس لازم نبتعد عن بعض فترة. أنا فاهمة.. وجيت أقولك حاجة تانية.. عندي ورقة كتبها لي قبل ما يخرج.. فيها اعتراف بكل حاجة.. إنه اللي كسر دراعكِ.. وإنه اللي زوّر التوقيع.. وإنه خطّط ياخد الفيلا. قدّمتلي الظرف بيد مرتعشة أنا كنت مخبّاها.. خايفة.. بس النهاردة عرفت إنّ الحق لازم يظهر. فتحت الورقة.. خطّه واضح، توقيعه أسفل الكلام.. اعتراف كامل بكل شيء. شكراً يا سهام.. ده حيفرق كتير. سامحيني.. أرجوكِ. سامحتكِ.. بس امشي في طريقك من جديد.. واختاري صح المرة الجاية. خرجت سهام.. وقفت شويه بعدها أتأمل الورقة.. لم أكن أتوقّع منها شيء، بس الحق كان أقوى من الخوف. في الجلسة الأولى للمحكمة، طارق كان واثقاً بنفسه لحد ما شاف سهام تدخل وتقف جنبي.. وشه اتلوّن، ويداه بدأت ترتعش. سهام أدلت بشهادتها، وسلّمت الورقة للقاضي.. وبعدها جاء دور التسجيلات.. كل كلمة سمعتها المحكمة شماتة، تآمر، إساءة.. كل شيء اتكشف. القاضي نظر لطارق بجدية الكلام واضح والأدلة قاطعة.. ما عندك ما تبرّر به؟ طارق وقف متردداً.. ثم بصلي نظرة أخيرة، وانهار تماماً أنا آسف.. عملت كل ده.. طمع.. وجنون.. كنت فاكر إنّي أقدر أسيطر على كل حاجة.. خسرت كل حاجة.. خسرتها.. وخسرت نفسي. صدر الحكم طلاق فورّي، إدانة بالتزوير والإيذاء، وحكم بالسجن لمدة 3 سنوات مع وقف التنفيذ بشرط ألا يقترب مني أو يتعرّض لي بأي شكل. خرجت من المحكمة والشمس بتضوي في عينيا.. لأول مرة من سنين، تنفّست بعمق. الجزء الخامس الجزء التاسع مرّت السنين بسلام.. البيت اللي كدت أفقده صار ملاذي الحقيقي. غيّرت ترتيباته، زرعت في الحديقة وروداً كنت بحبّها من صغري، ملأت المكان بضحكات صديقاتي وأهلي اللي رجعوا لي لما اتضحت الحقيقة. طارق سافر بعد فترة.. سمعت إنه عمل في شركة صغيرة في محافظة تانية، حاول يبدأ من جديد. لم أتمنّى له سوى أن يتعلّم الدرس. سهام تزوّجت وعاشت حياتها.. تواصلنا بسيط وراقٍ، لم نعد أقارب، بس لم نعد أعداء كمان. وأنا.. كبرت في شغلي، صرت مديرة القسم، وصرت أتكلّم في المؤتمرات وأدرب الشباب على الحقوق والحماية القانونية. لم أتزوّج تاني.. لم أكن أرفض الحب، بس كنت عرفت إنّ الحب الحقيقي بييجي لما نحبّ أنفسنا أولًا. ذات يوم، وأنا في طريقي للبيت، وقفت في محطة وقود.. وشفت طارق من بعيد.. كان لابس بدلة بسيطة، شكله مجهد، بيشتغل هناك كموظف استقبال. لما شافني تجمد مكانه، خفض رأسه بسرعة محاولاً يختفي. قلت للسواق اقف شويه. نزلت واقفت قدامه.. رفع رأسه ببطء، عيناه مليانتان بندم عميق سلوى.. آسف.. ما كنتش عايزة أشوفكِ في المكان ده.. لا بأس قلت بهدوء عامل إيه؟ ببدأ من جديد.. خطوة بخطوة.. ما عنديش حق أطلب منكِ أي حاجة.. بس شكراً.. لأنّكِ ما حبستنيش.. لو دخلت السجن كنت خلاص انتهيت. أنتَ اللي اخترت الطريق ده.. وانتَ اللي بتعمل الصح دلوقتي.. استمر. ابتسم بمرارة كنت غبي.. فكّرت الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.. لحد ما خسرت كل حاجة حقيقية. الوقت فات.. بس لسه فيه وقت تتغيّر. ودّعتته ومشيت.. لم أكن غاضبة.. لم أكن حزينة.. كنت فقط سعيدة إنّي تجاوزت كل ده. في عيد ميلادي ال 38، جمعت أهلي وأقرب صديقاتي في البيت.. وقفت على الشرفة أشوف النجوم وأفكّر في كل ما مرّ بي. جاءتني أمي ووقفت جنبي فخورة بيكي يا بنتي.. صبرتي وقاومتي وانتصرتي. مش انتصاري لوحدي يا ماما.. ده انتصار الحق في النهاية. تعرفي.. لما كنت صغيرة كنت خايفة عليكي من الدنيا.. دلوقتي أنا اللي بخاف منكِ عليّ! ضحكت وحضنتها.. كبرت، نضجت، صرت أقوى ممّا كنت أتخيل. الجزء السادس الجزء العاشر مرّت السنين.. البيت بقي مليء بالحياة والدفء. كل زاوية فيه تحكي قصة صمود وانتعاش. أنشأت جمعية لمساعدة النساء المعنّفات قانونياً ونفسياً.. كل ما أقدر أساعد واحدة تخرج من ظلام مشابه للي مررت بيه. كنت أقول لهن دائماً لا تنتظرنّ أحداً يأتي لينقذكن.. انقذن أنفسكن.. القوة التي تبحثن عنها موجودة فيكنّ من الأساس.. لمّا تكتشفنها، لا أحد يقدر يغلبكنّ. وفي يوم من الأيام، جاءتني فتاة شابة إلى مقر الجمعية.. عيناها مليانتان بالخوف، وذراعها ملفوف بضمادة تشبه تماماً ضمادتي القديمة. جلست قدامي وبكت أنا خايفة.. لو رحت البيت هيرجع يأذيني تاني.. ولو طلبت الطلاق هيدمّر سمعتي. مسكت إيدها بكل رفق أنا عشت نفس الخوف ده.. كنت فاكرة إنّي وحيدة.. وإنّ الحق ضاع.. بس الحق بيظهر في وقته.. وأنتِ مش وحيدة. عندما نظرت في عيناها، رأيت نفسي القديمة.. ورأيت أيضاً مستقبلاً أقوى. سأساعدكِ.. خطوة بخطوة.. سنجمع الأدلة.. سنحميكِ.. وسنخرجكِ من ده. رفعت رأسها وبصت لي ببريق أمل جديد.. وفي تلك اللحظة عرفت إنّ قصتي لم تكن مجرد معاناة.. كانت رسالة. وفي كل عام، في نفس اليوم اللي قررت فيه ألا أبقى صامتة، أجلس في حديقة بيتي، أشرب الشاي، وأشكر نفسي على الشجاعة التي أظهرتها. لا أتمنى لحد ما مرّ بي.. بس أتمنى لكل من يتألم ويصمت أن يجد الصوت الذي يقول كفى. وأن يعرف أنّ الكرامة لا تُعطى.. تُستعاد. وحتى اليوم، لو سألت أحداً عن قصتي، سيقول لك هي لم تنتقم.. بل استعادت نفسها.. وهذه أعظم انتصار. تمت بحمد الله