بقالي ١٢ سنه ٢
بقالي ١٢ سنه ٢
في هذه الأثناء، كانت ريهام تقف أمام مرآتها في الشقة، ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات خفيفة من الزينة التي حرمت نفسها منها لسنوات طويلة تحت وطأة الحزن والحرمان. نظرت إلى وجهها لتجد أن ملامحها قد استردت بريقها وشبابها، وأن سن السابعة والثلاثين ليس نهاية المطاف بل بداية جديدة لامرأة عرفت قيمة نفسها واستعادت كرامتها المغتصبة.
خرجت ريهام متجهة إلى مقر عملها، ممتلئة بالثقة واليقين بأن الحق إذا وجد من يدافع عنه بشجاعة لا يمكن أن يضيع. لكنها لم تكن تعلم أن مدحت، بعد أن أغلقت بوجهه كل الأبواب المشروعة وغير المشروعة، يتجهز لإطلاق رصاصة طيش أخيرة، مجنونة وغير متوقعة، ستغير مجرى الأحداث كلياً وتضع الجميع أمام مواجهة لم يحسب لها أحد أي حساب.
وقفت الحاجة فايزة في منتصف صالة منزل أخيها الضيق، تلوح بيديها في الهواء كالمجنونة وصوتها يتردد بين الجدران بالدعاء والوعيد، بينما كان مدحت يجلس على طرف الأريكة، ينظر إلى الفراغ بأعين حمراء غائرة. كانت فكرة الفشل والخسارة الكاملة تأكل رأسه؛ لقد فقد الشقة، وضاعت منه “علا” وألغيت الزواجة، وحُجز على حسابه البنكي وراتبه، وبات مهدداً بالسجن في أي لحظة بسبب دعوى تبديد المنقولات. لم يعد لديه ما يخسره، وفي تلك اللحظة بالذات، ولد في عقله المشتت مخطط خطير وسوداوي.
التفت مدحت إلى أمه وقال بنبرة جافة كالحديد:
“خلاص يا أمي.. النواح والمحاكم مش هيرجعوا لينا حقنا ولا هيرجعوا كرامتي اللي اتعجنت في الطين. ريهام فاكرة إن القانون بيحميها، وفاكرة إن شقيقها والمحامي حيطة سد.. أنا هعرف إزاي أخليها تجيلي بنفسها تبوس إيدي وتتنازل عن كل حاجة.”
في صباح اليوم التالي، خرجت ريهام من بوابتها متجهة إلى مقر عملها في إحدى شركات المقاولات الكبرى. كانت تمشي بقمة ثقتها، مرفوعة الراس، تحيط بها مشاعر الحرية والكرامة بعد سنوات من القهر والتهميش. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن مدحت كان يراقبها من بعيد، يقف داخل سيارة قديمة استأجرها باسم أحد معارفه، يتابع خطواتها وينتظر اللحظة المناسبة.
أنهت ريهام عملها في تمام الساعة الرابعة عصراً، وتوجهت إلى أحد المتاجر الكبرى لشراء بعض المستلزمات لشقتها. أثناء عودتها في طريق جانبي شبه خالٍ يؤدي إلى بنايتها، توقفت السيارة القديمة فجأة بجانبها. فتح مدحت الباب وهبط منها بسرعة كالبرق، يرافقه رجلان من ذوي البنية القوية من أصدقاء السوء الذين استعان بهم ببعض المال المتبقي معه نقدياً.