اهلى ج الاخير

اهلى ج الاخير

الدكتور ضغط تالت مرة، وفجأة.. الخط المستقيم بدأ يتموج، وجهاز ضربات القلب رجع يصفر النبضات البطيئة المتقطعة. الدكتور رفع إيده ومسح جبهته وبصلي من ورا الزجاج، هز راسه بإرهاق شديد كأنه بيقولي: “رجعناه.. بس الوضع لسة على شعرة”.

أنا سجدت في الأرض، لزقت وشي في بلاط المستشفى الساقع وبكيت بكاء هستيري، بكاء شكر وخوف ومذلة لربنا.. “يا رب متختبرش طاقتي أكتر من كده.. يا رب أنا عبدتك الضعيفة”.

عدت الساعات تقيلة ومريرة كأنها سنين، لحد ما نور الفجر بدأ يشق عتمة الممر. ومع أول خيط ضوء، لقيت حد بيحط إيده على كتفي برفق. لفيت وشي وأنا مخضوضة، لقيت محمود جوزي واقف قدامي.. لسة بشنطة سفره، وشه شاحب وعيونه مليانة دموع، هدومه مبهدلة من جِري المطارات والطريق.

أول ما شفته، رميت نفسي في حضنه وقعدت أصرخ بكل الوجع اللي كتمته: “ماتوا يا محمود.. أمي وأبويا مشيوا وسبوني.. سابوني وأنا زعلانة منهم يا محمود.. الكسرة موتتني”. محمود حضنني بقوة وبقى يطبطب عليا ويدمع: “وحدي الله يا صابرين.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. ادعيلهم بالرحمة، هما في مكان أحسن، وأنا جنبك ومش هسيبك، طول ما فيا النفس هكون سندك وسند عيال أخوكي”.

وجود محمود رجعلي عقلي اللي كان طار. مسح دموعي وقام معايا، خلص بقية الإجراءات الرسمية، وبدأت أصعب صباحية في حياتي.. صباحية الجنازة.

الساعة عشرة الصبح، كنا واقفين في مدافن العيلة. الشمس كانت حامية، بس قلبي كان جواه برودة الموت. شفت أبويا وأمي وهما نازلين القبر ورا بعض.. الاتنين اللي طلعوا من البيت مع بعض فرحانين، رجعوا مع بعض في كفن. الناس كانت بتعزيني وأنا مش سامعة حاجة، مفيش في ودني غير صوت كلاكيت العربية وصوت ضحك العيال وهم بيركبوا قبل الحادثة بكام ساعة.

بعد ما الدفن خلص، محمود أصر نرجع المستشفى فوراً عشان العيال وأحمد وشيماء. أول ما دخلنا الاستقبال، لقيت دكتور العناية اللي بيعالج شيماء بيدور عليا، أول ما شافني قرب وقال بنبرة فيها أمل ضعيف:

— “مدام صابرين.. زوجة أخوكي بدأت تفوق من الغيبوبة.. هي لسة تحت تأثير الصدمة ومش قادرة تتكلم، بس عمالة تفتح عينيها وتبص حواليها وبتشور بإيدها كأنها بتدور على حد.. ادخلي لها، يمكن وجود حد من العيلة يهدّيها ويساعدها تسترد وعيها تماماً”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *