اهلى ج الاخير

اهلى ج الاخير

على الساعة 6 المغرب، باب العمليات اتفتح، وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة، وشه كان مليان تعب وإحباط. جريت عليه ومسكت في بالطو الدكتور:

— “طمني يا دكتور.. أمي وأخويا.. أرجوك قولي إنهم عاشوا!”

الدكتور بص في الأرض وقال بنبرة حزينة:

— “إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه ونقلنا دم كتير.. لكن والدتك قلبها متحملش الصدمة والنزيف.. وتوفت من نص ساعة. أحمد أخوكِ طلع العناية المركزة، بس حالته غير مستقرة بالمرة، ومحتاجين ندعي له.. الـ 24 ساعة الجايين هما اللي هيحددوا يعيش ولا يروح مننا.”

وقعت على ركبي في نص الممر.. أمي كمان ماتت؟ المطبخ اللي كان مليان ريحة الفينو والجبنة الرومي فجأة فضي؟ السند والضهر تاهوا في لحظة؟ بقيت أبص لكفوف إيدي اللي كانت ماسكة إيد أمي المبلولة من شوية.. إزاي مشيت؟ إزاي سابتني؟

الحزن والكسرة في قلبي اتحولوا لطاقة رهيبة من الصدمة. بقيت لوحدي في المستشفى، معايا جثة أبويا وأمي في المشرحة، وأخويا بين الحيا والموت في العناية، ومراته في غيبوبة في العناية التانية، وعيالهم الصغيرين نايمين في الأوضة ملهمش عائل.

الليل ليل، والمستشفى بدأت تهدى، وأنا قاعدة على الكرسي الخشب في الممر، باصة للفراغ. فجأة، سمعت صوت جهاز ضربات القلب من الأوضة اللي فيها شيماء مرات أخويا بيصفر بصوت مستمر سريع.. والدكاترة والممرضات جريوا على الأوضة وهما بيزعقوا: “حالة العناية 2 بتموت.. هاتي جهاز الصدمات بسرعة!”

الدكاترة جوة الأوضة كانوا بيجروا زي الخلايا، الممرضة ضغطت على زرار الطوارئ، وجهاز رسم القلب بدأ يطلع صوت صفارة واحدة مستمرة.. الصوت اللي بيعلن إن الروح بتنسحب بالبطيء. الدكتور بدأ يعمل إنعاش يدوي لعضلة القلب، كان بيضغط على صدر أحمد بكل قوته، وهو بيصيح في الممرضة: “أدرينالين بسرعة! شحنة 360 على الصدمات!”.

أنا ورا الزجاج كنت بتمزق، دموعي نشفت من كتر الرعب، وبقيت أتحرك يمين وشمال زي المجنونة، بضرب على الزجاج وأصرخ بصوت شرخ الحنجرة: “قوم يا أحمد.. قوم عشان خاطر عيالك.. أنا مسمحاك والله مسمحاك، يغور الصيف ويغور الشاليه، بس قوم افتح عينك!”

جسم أخويا اتنفض مع أول صدمة.. وتاني صدمة.. والدكتور عينه على الشاشة المستقيمة. في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها وقفت، الزمن اتمط، وافتكرت لما دخلت الصالة ولقيته شايل الشماعات وبيرص الحاجه، وافتكرت لما مسح على وشه بضيق وبص في الأرض.. كان حاسس؟ كان قلبه حاسس إنها آخر لِمة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *