وعد وعلي الجزء ١٦

وعد وعلي الجزء ١٦

منى دخلت الزنزانة.
أول ما الباب اتقفل وراها بصوت حديد تقيل، جسمها انتفض ورجعت لورا، خبطت في الحيطة وهي بتدور على أي مساحة تهرب فيها من الرعب.
إيدها المجروحة كانت نشفت،
محدش لمسها،
محدش قال لها “أنتِ كويسة؟”،
ولا حتى شال عنها الوجع.
المكان هنا قاسي.
مش شبه أي مكان عرفته قبل كده.
الشرطة اللي كانت فاكرة إنهم أمان…
طلعوا أكتر ناس يخوفوا.
ليه؟
ليه مش مصدقينها؟
هي عملت إيه غلط؟
كانت عايزة ترجع البيت…
كانت فاكرة إنهم هيحموها…
مش يحبسوا روحها في ضلمة.
ضمت دراعتها على نفسها.
البرد كان داخل عضمها،
جسمها مرهق، متسخ، ومكسور.
زي لعبة اتكسرت واترمَت.
كانت قبلها مسجونة في بيت…
بس كان فيه أمان.
دلوقتي هي مسجونة في الدنيا نفسها.
الدنيا اللي فيها ناس،
بس محدش طيب.
محدش حنين.
كانت عايزة ترجع…
للمكان اللي فيه “على”.
لحد يحضنها.
لصوت يقول لها إنها مش وحشة…
إنها مش غلطانة.
بس هنا…
مفيش غير الحيطان،
والبرد،
وسؤال واحد بيلف في دماغها زي سكينة:
هي عملت إيه عشان تستاهل كل ده؟
جلست منى على الأرض.
حتى الأرض كانت متلجة،
والحيطان أبرد من إنها تستحمل جسمها الرقيق.
المكان مش مناسب لها…
ولا عمره كان.
كانت حاسة إن قلبها هو اللي اتجمد،
مش من البرد،
من الخوف.
من الاحتياج للأمان.
بصوت طالع بالعافية،
كأنه آخر خيط بيمسكها بالحياة،
نطقت اسم واحد بس:
علي…
**************************
أمام المصنع،
كان علي واقف وسط العمال،
شايل معاهم على كتافه،
يرفع البضاعة ويحطها في العربية،
ولا كأنه صاحب مكان…
ولا كأنه واحد الدنيا مستنياله حرب.
قال مدير المصنع:
ـ كده البضاعة اتحملت يا ابني.
رد علي وهو بينفض إيده:
ـ شكراً.
طلع الفلوس ومدهاله:
ـ اتفضل… دي فلوس حج إسماعيل.
الراجل خدهم،
قعد يعد،
وعلي بص في ساعته لا إراديًا.
كان مستعجل.
مش عايز يتأخر.
مش عايز يوصل بعد المعاد اللي قاله لمنى.
كان كاره فكرة إنه يخلف وعده…
خصوصًا معاها.
خلص الراجل العد،
رفع عينه وقال:
ـ كله تمام.
سلّم على علي ومشي.
علي اتحرك فورًا، خرج على الطريق يشق سكون الفجر، مستني أي مواصلة.
الساعة تلاتة ونص، الشارع شبه فاضي، حركة السير تكاد تكون معدومة.
فضل واقف، عينه حمرا من قلة النوم، جسمه مجهد، بس فكرة رجوعه لبيته كانت طوق نجاته.
بعد شوية، عربية ظهرت من بعيد ووقفت.
ركب علي بهدوء، دفع الأجرة، واحتضن الشنطة كأنها آخر ما يملكه، وسند راسه على الشباك بتعب.
همس بصوت واطي:
“مش هتأخر إن شاء الله عليكي يا منى.”
غمض عينه غصب عنه لحظات، لكن أنفه التقط ريحة غريبة…
دخان سجاير تقيل.
فتح عينه وبص قدامه.
السواق والراجل اللي جنبه بيدخنوا بشراهة، بيضحكوا ويرغوا، ومفيش أي تركيز على الطريق.
قلبه اتقبض، وحس إن التعب اتحول قلق.
كان علي بيحاول يتجاهل، رغم إن الدخان خانق ومزعج لكل اللي في العربية.
تنهد بضيق.
فجأة، مطب جامد…
العربية اهتزت بعنف.
علي اتضايق وقال بنبرة مكبوتة:
“ممكن حضرتك تركز في السواقة شوية؟”
السواق رد وهو باصص قدامه:
“مركز أهو يا باشا، هو حد اشتكالك؟”
علي قال بحدة:
“أنا اللي باشتكي. إحنا راكبين نروح، مش ناخدنا في حتة تانية.”
السواق لف وشه بنرفزة:
“في إيه؟ إنت عايز تتخانق وخلاص؟”
علي اتعصب:
“اللي إنت عايزه، بس طالما طريقتك كده يبقى آه.”
الراجل اللي قاعد جنبه مد إيده ومسَكه:
“اهدَى يا ابني.”
علي قال وهو بيحاول يتمالك نفسه:
“أنا هادي، بس طريقته مستفزة.”
السواق رد بسخرية:
“مالها طريقتي؟”
علي انفجر، لكن الراجل شدّه أكتر وقال:
“خلاص يا أسطى، ركّز في السواقة خلينا نوصل على خير.
وإنت يا ابني اهدى.”
سكت علي، حاول يتجاهل الموقف.
مش عايز خناق… مش عايز مشاكل.
كحّ من كتر الدخان اللي دخل صدره، وحس بدوخة تقيلة.
فتح الشباك يجدد الهوا، لكن دماغه كانت بتتقفل.
مش نعاس…
إحساس غثيان، عدم استيعاب، تِقَل في الوعي.
غمّض عينه…
وغِفي غصب عنه، زي واحد متخدّر.
في نص الطريق، العربية مكملة سيرها.
فجأة… كمين.
الراجل اللي جنب السواق زغده بإيده وقال واطي:
“وطي السرعة.”
السواق هدى فورًا، طلع معطّر، ورش العربية بسرعة.
العربية وقفت.
أمين الشرطة قرب وقال:
“رخصك.”
السواق طلع الرخصة وناولها للظابط:
“اتفضل يا فندم.”
الظابط بصله من فوق لتحت، شم الهوا وقال بشك:
“إيه الريحة دي؟”
السواق رد بسرعة:
“معطّر يا بيه.”
الظابط قرب أكتر، نبرته تقيلة:
“إنت هتستعبط هونا بسألك عن عن المعطّر بردو.”
قال السواق بتوتر:
“أمال إيه؟”
الظابط مسح وشه بإيده وقال ببرود:
“فتّشولي العربية دي.”
السواق حاول يعترض:
“يا باشا الناس دي مروّحة بيوتها و—”
الظابط قاطعه بنبرة حادة:
“إنت هتعلّمني أشوف شغلي إزاي؟”
سكت السواق فورًا.
العساكر نزلوا الركاب واحد واحد.
علي كان متسند، بالكاد واقف.
عسكري زقّه وقال:
“إنت يا أخ… انزل.”
علي فاق على الصوت:
“في إيه؟”
“انزل.”
نزل علي باستغراب، رجله تقيلة، رأسه لسه دايخة.
الظابط بصله وقال:
“فتّشوا اللي معاهم.”
الشنط اتاخدت، والناس واقفة مذهولة.
من ضمنهم شنطة علي.
بعد لحظة، عسكري قرب وهو ماسك حاجة:
“لقينا ده يا باشا.”
كانت سيجارة مطفية…
وكيس صغير فيه مادة مجسّمة.
الظابط مسكهم، بص، وقال ببرود قاتل:
“حشيش… يا ريس.”
السواق اتخض وقال بسرعة:
“مش بتاعي والله يا باشا!”
الظابط لف وشه ناحيتهم:
“خدوا الكل… هتشرفوا معانا شوية.”
الركاب بصّوا لبعض في ذهول.
علي حاول يتكلم:
“ممكن تاخدوه هو بس…
إحنا مسافرين عادي.”
لكن الصوت ضاع…
وسط زمجرة العساكر وإغلاق الأبواب.
لفّ له الظابط وقال بنبرة شك:
“هنحلّلكوا… مش ممكن بتشربوا مخدرات إنتوا كمان.”
علي اتضايق، حاول يسيطر على صوته:
“أنا لازم أروح… مينفعش أتأخر. لو سمحت سبني أمشي.”
الظابط بصله شوية، قبل ما يرد.
في اللحظة دي قرب عسكري وقال:
“لقينا الفلوس دي يا باشا.”
كانت الفلوس في شنطة علي.
الظابط مسكها، عدّ بعينه، وقال بسخرية:
“عايز تمشي؟
وسارقهم منين دول؟”
علي شدّ نفسه وقال بثبات:
“أنا مش حرامي.
كنت في سفريّة ودي فلوس صاحب الشغل.”
الظابط ضحك ضحكة قصيرة:
“حد يمشي بخمس آلاف؟ قابض ولا اى،عرفت إنك إنت بالذات… هتقعد معانا.”
قرب منه أكتر وقال:
“لحد ما نشوف صاحب شغلك
وعنده علم بالفلوس دي ولا لأ.”
علي حاول يتكلم:
“بس—”
الظابط قاطعه فورًا:
“خُدوه يا عسكري.”
العسكري مسك علي.
علي زقّه بعصبية:
“ابعد! بقولك لازم أمشي!”
لكن الظابط ما سمعش.
لفّ ضهره،
ورجع قعد تاني
يكمل شغله…
وكأن علي خلاص بقى رقم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *