كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى الفصل الثامن

كامل الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى الفصل 8

وجاءت شهد تتفرج زي عادتها، طلب منها رفيع: “اتصلي بالبنك، يلغي أي تعاملات مع إبراهيم سعيد، وابحثي في الكمبيوتر شوف في تلاعب في الشغل ولا لأ، ولو لاقيتي اطبعي وقدمي بلاغ للشرطة.”

ابتسمت شهد، لأنها من أول يوم وهي مش مرتاحة للشخص ده اللي كان بيرقي بس البنت السهلة اللي تسلم نفسها، أما البنت المحترمة كانت بتفضل مكانها، واتجرأت وقالت على كل اللي كان بيحصل: “يا فندم، إبراهيم دايمًا بيخالف القانون، وكل الناس اللي رقاهم لمناصب كبيرة تابعة له، ومكنش بيعرض ليك اسم إلا لما بيكون مبتز البنت تعمل معه علاقة، غير كده كانت تفضل في الأرشيف زي زي غيرها، وكمان الشباب اللي يخونكم ويلعب كان بيرقيهم.”

انصدم رفيع من كل اللي بيسمعه، وطلب من الأمن إغلاق الشركة، ومفيش حد يخرج، وطلع على مكتب ابنه، وبدأ يتابع الملفات القديمة من الكاميرات، وندم إنه ما سمعش كلام ابنه.

فلاش باك

كنان: “أنا مش مرتاح لإبراهيم ده يا ولدي، أسلوبه وشكله مش مطمني.”

رد رفيع: “أنت بقيت موسوس أوي، إبراهيم معايا من زمان، وهو اللي شال الشركة وقت مرضي.”

ابتسم كنان: “شالها واللي خربها يا أبوي، ده بيعيّن بالكوسة ورشوة، أنا هخرجه من الحسابات، وبعد إذنك كل كبيرة وصغيرة تعدي علي الأول، وهأتتبع كل الموظفين من هنا واللي أحس إنه مشكوك في أمره يخرج.”

ضحك رفيع: “ربنا يسهل، وريني همتك. باك كنت لما تقولي حاجة كنت بتجاهلها، وخصوصًا لما كنت بتشك في بنت، وكنت بقول عشان متعقدة، عايز يمشي كل بنت من الشركة، ومش ناس لما نزلت ووقفت مع الكل وبدأت تصاحبهم، جيت وبلغتني إن إبراهيم عامل كوارث، وأنا فاض صبري منه. ياريت كنت سمعت كلامك وعامل حملة مكثفة وطرد كل حد ليه ولاء لإبراهيم.”

حمل كنان عشق وخرج من المستشفى، كان في انتظاره أسامة، وسأله: “خير يا كنان؟ ومين البنت دي؟”

نظر له كنان، ونظر لعشق، وقال: “عشق، مراتي.”

انصدم أسامة، وبدهشة: “إمتى اتجوزت؟ وليه ما قولتليش؟”

اتنهد كنان: “الموضوع كبير، المهم دلوقتي عايزك تخلص إجراءات جثمان حسين، عشان مات.”

شهق أسامة بحزن: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عشان كده أغمى عليها من الصدمة، متشغلش بالك يا كنان، أنا معاك، المهم الحقها.”

فعلًا كان جه السواق بالعربية، وركب كنان وهو منيم عشق على حجره، كانت عشق ما بين الوعي واللا وعي، كل اللي كانت بتسمعه: “حاضر يا كنان بيه، أوامرك يا كنان بيه.”

اتجه إلى مستشفى أخرى، وجاءت النقلة، ونقلوها على غرفة، قاسوا الضغط وضربات القلب، وكمان نسبة التنفس، وبدوا يسعفوها. وسأل الدكتور: “إحنا هنعمل تحليل دم، عشان البنت ضعيفة جدًا، وواضح عندها أنيميا، وكمان هبوط، إيه السبب في الحالة دي؟”

علقوا لها كانيولا، ووضعوا فيتامين فيها. استمرت عشق غائبة عن العالم لمدة أسبوع، وحرارتها ترتفع، وكان جسمها العنيد يرفض التمرد على كل تعب وحزن كانت بتخبيه جواها، كانت تفوق للحظات، تصرخ، وتغيب عن الوعي.

لحد ما بدأت صحتها تتعافى، وجسمها يتحسن، فاقت عشق، وفتحت عيونها وقالت: “أنا فين؟”

ابتسمت الممرضة: “أخيرًا فوقتي، أنتِ بالك أسبوع غايبة عن الوعي.”

بدأت تعدل نفسها، وتفوق نفسها، وبعد كده افتكرت موت أبوها، دخلت في حالة هستيرية: “بابا مات من أسبوع، وأنا بدل ما أكون واقفة في عزاه وأعمل إجراءات دفنه، موجودة هنا؟” وكانت بتحاول تقوم من مكانها، بس سندها كنان وقالها: “حمد الله على السلامة يا عشق.”

نظرت له بدموع وقالت: “بابا مات يا أيمن، وأنا هنا؟ مين عمل إجراءات دفن بابا، ودفنه واللا لأ؟ إزاي وقعت كده؟”

اعتذر كنان لعشق: “آسف يا عشق، والله العظيم ما كنتش أعرف إن المستشفى اللي أبوكي فيها مش عليها رقابة من وزارة الصحة، والدكاترة اللي فيها ليس عندهم خبرة، واحد فيهم أداكي حقنة، لما غبتي عن الوعي، بس أنا ما سكتش وبلغت عن المستشفى.”

انصدمت عشق وبخوف: “يعني هما عملوا إيه في بابا؟”

بدأ يهديها وقال: “متقلقيش، أنا دفعت ثمن كل واحد غلط، المهم لازم تقومي كده، ارجعي عشق النشيطة، نتيجتك طلعت وجيبتي امتياز، وممكن تتعيني في الكلية.”

نظرت له عشق بحزن شديد: “أنا عايزة أروح، ساعدني يا أيمن، عشان أروح، عايزة أحضر أسبوع بابا، مش ينفع البيت يكون مقفول، ومحدش يعزّي في بابا، وعايزة أروح أزوره في قبره، بالله عليك.”

مسك إيدها كنان، وابتسم في وشها وقال: “حاضر يا عشق، أسندي عليّ، وأنا هأروحك.”

ونظر إلى الممرضة، فهمت على طول، وجهزت هدومها في حقيبة، طلبت عشق تلبس ملابس سوداء، وبالفعل الممرضة ساعدتها، ودخلت الحمام ولبست فستان أسود، وخرجت.

كانت شهد جت، ضمت عشق، وعيونها فيها الدموع: “حمد الله على السلامة يا عشق، قلبي معاكي.”

نزلت دموعها عشق: “أنا هموت يا شهد، أنا عارفة إن مرض بابا خطير، بس كان عندي أمل إنه يكون بخير.”

ربطت على كتفها وقالت: “الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته، وأنتِ بنت جدعة، وما قصرتيش مع أبوكي، وكنتِ بنت مفيش زيك.”

رفضت عشق وقالت: “لا طبعًا، أنا قصرت، أنا وافقت على طول إنه يتنقل لمستشفى، رغم إنه كان كويس في التأمين الصحي، أنا صدقت، وكان لازم أدفع الثمن، أنا قصرت، ومش مسامحة نفسي أو أي حد كان السبب في موت بابا.”

استمع لحديثها كنان وهو يشعر إن المسافات بتبعده، مش بتقربه.

كامل الأوصاف – الفصل الحادي عشر
للكاتبة صفاء حسني

كتب كنان رسالة، وبعتها لشهد زي ما كان بيعمل كده من أول ما تعبت عشق، عشان محدش يشك فيه، وطلب منها: “بعد إذنك يا أستاذة شهد، توصلي الرسالة اللي بعتها ليك مع السواق لأستاذة عشق، ضروري قبل ما تخرج من المستشفى.”

دخل كنان وقطع حديثهم، ومسك إيد عشق مع شهد، عيونه مليانة قلق وحب، “تحبي تروحي على المقابر واللا على البيت الأول؟”

سألته عشق بحزن، صوتها مبحوح من البكاء: “بابا أتدفن فين؟ أنا كنت هأدفنه في البلد، بس لو هنسافر البلد مش عايزة عربية الشركة أو مستر كنان، فلو هأتعبك يبقى شهد تيجي معايا، وهنركب الأتوبيس أو ميكروباص.”

صدمها كنان: “أبوكي أتدفن في مقابر آل رفيع بيه اللي في البساتين.”

نظرت له عشق بصدمة: “نعم؟ إزاي يعملوا كده؟ ده هما ماشيين بمثل، يقتلون القتيل ويمشوا في جنازته، ومين دفع مصاريف المستشفى؟ هنّات.” عشق بدأت تحس بالغضب، وكل اللي حصل معاها ومع أبوها، كان بيطلع على السطح.

تنهدت شهد وقالت: “مستر كنان هو اللي اتكفل بكل حاجة، حتى بعت رسالة ليكي يا عشق لما عرف إنك بخير.”

تذمرت عشق وقالت: “مش هأشوف حاجة، وهأسدد كل حاجة دفعها.”

حاول يقنعها كنان بصفته أيمن: “شوفي الرسالة يا عشق، شوفي قايل إيه، وبعد كده والله العظيم اللي أنتِ عايزاه هأعمله ليكي.” كان كنان بيحاول يهديها، ويفهمها إنها مش لوحدها.

نفخت عشق وقالت: “هاتي يا شهد، هأشوف أخريتها إيه.”

مد أيده أيمن بالرسالة وقالها: “هو بعتها معايا.”

أخدت عشق الرسالة، وقعدت على الكرسي، وقطعت الظرف وفتحت الورقة. كان كاتب كنان:

“بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا الدكتور كنان، أعلم إن دائمًا نتعامل مع بعض من خلال الرسائل، من يوم جيت إلى الشركة. أختصر الكلام الآن، لأني أعلم إنك مريضة، بس سوف نتقابل قريبًا، ويوضح ليكي أي سوء تفاهم. بس الآن أعلم إن حدث خطأ، بس غير مقصود.
عندما علمنا بمرض والدك، كان في حالته الصحية الأخيرة، ودكتور المستشفى التأمين الصحي قال هذا الكلام، وطلب أن يتم حجزه في مستشفى للاسترخاء، ومتابعة، وإعطاء بعض الأدوية اللي ترفع المناعة، والاهتمام بالطعام. ما أنكر إني أبي أخطأ، واعتمدت على مدير عنده، وتم نقله إلى مستشفى جديدة كانت ليس مجهزة بكل التحديث، أو كان يوجد فيها إشراف كامل، بس أقسم بالله إني حققت في هذا الموضوع، وده رقم الطبيب المعالج، والطبيب اللي يشرف على حالة والدك، كان طبيب جيد، وليس يوجد عليه غبارة. وأقسم بالله على النعمة اللي كنت دايمًا أتناولها من يدك، أنا لا أكذب بهذا الشأن. أعلم إن في أشياء كثيرة تم فعلها، وسوف أخبرك بيها يوم ما توافقي نتقابل.
أما بخصوص جثمان والدك، نحن كنا لا نعلم أي شيء عن أسرتك، وأنتِ كنتِ في غيبوبة، وأنتِ تعلمي أكرم الميت دفنه، بس إذا أردتي أن نفتح القبر ونستخرج الجثمان، ما أتأخر في الإجراءات.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *