كنت واقفه بخدم

كنت واقفه بخدم

جاء يوم الجمعة، يوم تفتيش الزي. كان زيّي بلا عيب. لم يكن هناك سبب.

وقف كارديناس خلفي. شعرت بظله قبل صوته.

— الشعر — قال.

— يطابق اللائحة، سيدي الرقيب.

كان ذلك هو الشرارة.

— اللائحة أنا! — زمجر — أمسكوا بها!

عندما بدأت الآلة الكهربائية تطنّ في وسط الساحة، لم يتخيّل أحد أن ذلك الصوت سيكون بداية النهاية للرقيب…

أمسكني جنديان من ذراعيّ. كانت قبضتاهما مشدودتين، لكنني شعرت بارتجافٍ خفيف في أصابعهما. لم يكونا يكرهانني. كانا ېخافان منه.
لم أقاوم. لم أصرخ. لم أطلب الرحمة.

أخرج كارديناس آلةً كهربائية من جيبه كما لو كان يستخرج أداةً عادية من حقيبة عمل. لكن ذلك الطنين، حين انطلق، لم يكن عاديًا. شقّ صمت الساحة كسكينٍ حاد، وتجمّد الصفّ بأكمله. لم يتحرك أحد. لم يجرؤ أحد على النظر مباشرة.

كانت المرة الأولى صدمة حقيقية. شعرت بالاهتزاز يمرّ عبر فروة رأسي. خصلات الشعر تساقطت على الأرض المغبرة، تتناثر فوق الإسفلت الحار كما لو كانت بقايا شيء لا قيمة له.
لم أبكِ.

رفعت عينيّ نحو العلم المكسيكي المرفرف تحت شمسٍ قاسېة لا تعرف الشفقة، وفكّرت في كل النساء اللواتي تحمّلن قبلي، في كل من صمتن لأنهن قيل لهن إن هذا هو «الثمن»… ثمن الانتماء، ثمن القوة، ثمن أن تكوني داخل منظومة لا تعترف بالضعف.

— هكذا تبدين جندية الآن — سخر.

صوته كان مرتفعًا بما يكفي ليُسمع، منخفضًا بما يكفي ليبقى «إجراءً داخليًا». كان واثقًا من حصانته. واثقًا من أن لا أحد سيحاسبه.

حين انتهى، أشار إليّ بازدراء.
— انتهى العرض. اجمعي قمامتكِ وارحلي.

أطلق الجنديان سراحي. لم ينظرا في عينيّ. كان في وجهيهما شيء يشبه الاعتذار الصامت.

مددت يدي ولمست رأسي. قصّات غير منتظمة. جلد مكشوف. حړقة لاذعة تلسعني مع كل نسمة هواء ساخنة. شعرت بثقل نظرات الآخرين فوقي، بعضهم حزين، بعضهم خائڤ، وبعضهم يشيح بوجهه كي لا يتورّط.

انحنيت والتقطت خصلة من شعري. أمسكتها بين أصابعي لثانية واحدة فقط. لم تكن خصلة شعر. كانت دليلًا.

رفعت بصري إليه. نظرت مباشرة في عينيه. لم يعد في عينيّ خوف، بل شيء آخر… يقين.

قلت بهدوء:
— ستندم على ذلك، سيدي الرقيب.

ابتسم بسخرية.
— ليتكِ ندمتِ قبل أن تولدي.

ضحك بعض الجنود بخوفٍ أكثر منه قناعة. وانتهى المشهد كما تنتهي كل مشاهد الإذلال في الأماكن التي تعتادها: بصمتٍ ثقيل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *