بعد وفاه بابا
بعد وفاه بابا
النهاردة الصبح، صحيت لقيته داخل البيت محمل كراتين خزين الشهر كله، لحمة وزيت ورز ودواء أمي اللي ناقص في الصيدليات، وجايبه بعد لف وتعب. حط الحاجة على الرخامة، وبصلي بنظرة غريبة عمري ما شفتها في عيونه، نظرة حزن مخلوط بإصرار يخوّف. ولقيته بيقولي بجمود عمري ما عهدته منه: أنا داخل أقعد مع أمك شوية، عاوز أتكلم معاها في موضوع مهم على انفراد، وما تدخليش علينا يا هدى.
قلبي سقط في رجلي، الدنيا اسودت في وشي، ووقفت ورا الباب أفرك في إيديا، والدموع متجمدة في عيني. فضل جوة في الأوضة ساعتين كاملين، ساعتين بالتمام والكمال، والباب مقفول. صوت وشوشة واطي وكلام مكتوم، وأوقات أسمع أمي بتعيط بنحيب يقطع القلب، وهو صوته هادي بس حاسم. وكل دقيقة بتعدي عليا كأنها سنة. الشيطان بيصورلي إنه خلاص بيقول لها كلمتين خشنين، وإنه مش قادر يكمل في الشيلة التقيلة دي. بعد الساعتين، اتفتح اخرج إبراهيم وشه شاحب وعيونه حمرا دم، وكانت الصدمة…
أكيد، نكملها بنفس الجو الدرامي وبقفلة قوية: تكملة قصة هدى وإبراهيم بعد الساعتين، اتفتح الباب فجأة. خرج إبراهيم وشه شاحب، وعيونه حمرا، وفي إيده ظرف بني كبير. بصلي ثواني من غير ما يتكلم. أنا مقدرتش أستحمل أكتر، قربت منه وقلت وأنا بترعش: — إنت قلت لماما إيه؟! هي عيطت ليه؟! إنت زهقت منها؟! بصلي باستغراب، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — إنتِ فاكرة إني قعدت ساعتين مع أمك عشان أقولها تمشي من بيتي؟
نزلت دموعي وقلت: — أمال عشان إيه؟ أنا بقالى ست سنين خايفة من اليوم ده. مسك إيدي وقال: — وإنتِ غلطانة فيا طول الست سنين دول. وبعدين مد إيده بالظرف ناحيتي. — افتحي. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف. طلعت منه أوراق كتير. بصيت فيها، ومش فاهمة. قلت: — إيه ده؟ قال: — أوراق شقة. اتخضيت: — شقة مين؟ قال بهدوء: — شقة أمك. سكت. حسيت إني مش فاهمة الكلام.
— يعني إيه شقة أمي؟ رد: — يعني من النهاردة أمك مش ضيفة عندنا يا هدى. وبص ناحية أوضة أمي وقال: — دي صاحبة بيت. وقفت مصدومة. — إنت اشتريت شقة لماما؟! هز راسه. — من سنة وأنا بحوش جزء من مرتبي، وكل ما ربنا يوسع عليّا كنت بحط مبلغ على جنب. وكنت بدور على شقة تكون قريبة مننا، واسعة ومريحة، عشان لو في يوم تعبتي أو أنا اتزنقت، يبقى عند أمك مكان ملكها.