من حقي ج الاخير
من حقي ج الاخير
الفصل الخامس والأخير (5)
ظلت “براءة” تصرخ بغضب من مغادرته والآن قد تحولت حياتها للجحيم بعد أن رأت لهفة زوجها على حبيبته وغضبه من رؤيتها مع رجل آخر، بدأت تكسر في كل شيء أمامها بصراخ وغضب حتى شعرت بألم شديد أسفل بطنها لتبكي بوجع وسقطت على الأرض مُنهارة من هزيمتها وخيبتها لتُصدم بظهور بقع حمراء على ملابسها لتفتح عينيها على مصراعيها بفزع وقد خسرت طفلها الآن بسبب غبائها وعصبيتها المُفرطة، صرخت بألم من الوجع واتصلت على “سُليمان” مُتألمة لكنه لم يُجب فاتصلت على “خلود” بفزع وقالت:-
_ ألحقيني يا طنط أنا بسقط
_ يا نهارك أسود
قالها “خلود” بفزع وأغلقت الهاتف بقلق وركضت مسرعة على الدرج مع “نهال” حتى وصلت إلى شقة “سُليمان” وولجت لترى “براءة” مُنهارة والدماء تزداد فوضعت “نهال” العباءة عليها وأخذوها إلى أقرب مستشفى بخوف وبعد الفحص خرجت الطبيبة لهم وقالت:-
_ للأسف حالة إجهاض
أحتدت عيني “خلود” بغضب ودلفت إلى الغرفة لتقول بصراخ:-
_ عملتي اللي في رأسك ونزلتيه يا براءة، طب وعز وجلالة الله ما أنتِ قاعدة على ذمته ليلة واحدة كمان
كانت “براءة” تبكي بقهرة على خسارة طفلها الذي تمنته من الدنيا لتقول:-
_ أنا كمان مش عايزة ابنك، خليه يطلقني
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا براءة زي ما قتلتي ابنه، ربنا ينتقم منك
قالها بحسرة وأخذت “نهال” في يدها وغادرت المستشفى بحسرة على خسارة حفيدها، اتصلت على “سُليمان” لكن الهاتف كان مُغلق، فاتصلت على “عُثمان” وقالت:-
_ أخوك فين يا عُثمان؟
تنحنح “عُثمان” بتوتر وابتعد قليلًا ثم قال:-
_ في إيه يا أمي؟
_ أخوك فين؟ قوله إنه لازم يطلق المجرمة دي، وعزة وجلالة الله لو فضلت على ذمته ليلة واحدة كمان بعد ما قتلت ابنه لا هو ابني ولا أعرفه
كانت تتحدث بغضب شديد وصعدت بسيارة الأجرة التي أوقفتها “نهال” ليُصدمها “عُثمان” الذي صُدم بإجهاض “براءة” وقال:-
_ أنا مش فاهم أي حاجة ولا إجهاض إيه، بس سُليمان هنا في المستشفى مع قلب لأنها في العمليات بتعمل عملية قلب
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة أكبر ولا تُصدق الكوارث التي حلت عليها في هذه الليلة وقالت بتلعثم:-
_ مُستشفى إيه؟
أخذت اسم المستشفى وطلبت من السائق أن يأخذها إلى هناك مُتمتمة بحزن:-
_ يا عيني يا ابني مبتلحقش تفرح وكله على دماغك بلاء
وصلوا إلى المستشفى وكانت الساعة الثامنة صباحًا ورأوا الجميع أمام غرفة العمليات وجلست “خلود” بجوار “همس” تربت على ظهرها بحنان وقالت:-
_ قلبي عندك يا حبيبتي إن شاء الله تقوم بالسلامة
بكت “همس” بقوة على حال ابنتها ونظرت “خلود” على ابنها الجالس في الأرض يبكي بضعف خائفٍ على محبوبته أن تفارقه، ولا زال لم يستوعب أن “قلب” هجرته لإخفاء مرضها عنه وهو لم يخفِ عنها شيء، كيف توقعت أنه سيتخلى عنها بسبب مرضها؟ كيف هجرته بقسوة هكذا؟، فتح باب غرفة العمليات أخيرًا وكانت محبوبته على الفراش وجهاز التنفس على أنفها ويسرع الممرضون بها إلى غرفة العناية المركزة، ركض خلفها بفزع وهو لم يتركها للحظة من الآن، ظلت على وضعها في غيبوبتها لشهرين كاملين، نائمة كالأميرة في فراشها الأبيض.
خرج “سُليمان” من المرحاض ليرى “براءة” بجوارها فانتفض بغضب وهو يقول:-
_ إيه اللي جابك هنا؟
تبسمت بحسرة على “قلب” وقالت بضيق:-
_ هي دي بقى اللي سايبني وسايب بيتك عشانها
_ اطلعي برة يا براءة قبل ما أرتكب فيكي جناية
قالها بحزم وأبعدها عن “قلب” بقسوة فغضبت أكثر من اهتمامه الشديد بفتاة تصارع الموت على زوجته وقالت:-
_ فيها إيه أحسن مني يا سُليمان، ليه محبتنيش كل السنين دي؟
التفت إليها بغضب شديد وكره أكبر بعد أن علم بقتلها لابنه في رحمها وقال:-
_ فيها قلبي يا براءة، قلبي محبش غيرها وروحي مسكنتش إلا هي وبمناسبة إنك تعبتي نفسك وجيتي لحد هنا إنتِ طالق، واللي أخرها عليكِ كل ده إن بس أنا مقدرتش أسيب قلب وأجي أقولهالك
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة قاتلة ألجمتها وكادت أن تشل قلبها في محله فقالت بغضب:-
_ هتطلقني عشان واحدة ميتة زي دي، دي جث..ة قصادك
قاطع حديثها الغليظ بصفعة قوية على وجهها أسقطتها أرضًا أمامه وفزعت من غضبه وقسوته ليصرخ بوجهها:-
_ غوري من وشي قبل ما أرتكب فيكي جناية وأخليكي جث..ة بجد
غادرت الغرفة باكية بانهيار فالتفت “سُليمان” إلى “قلب” وجلس على ركبته على الأرض وقال بحسرة:-
_ وبعدين يا قلب، أخرتها معاكِ إيه، أنا تعبت والله تعبت، أبوس إيدك فوقي بقى، فوقي يا قلب، أنا بموت هنا
جهش في البكاء بجوارها بحسرة ليشعر بصوت أنفاسها الثقيلة وحركة أناملها فرفع رأسه قليلًا، رأى “قلب” تلتقط أنفاسها وحدها بدون الأجهزة وتقاوم لتفتح عينيها ففرح قلبه بسعادة تغمره لأجلها وقال بحب:-
_ قلب
نظرت إليه بتعب شديد وقالت بصوت مبحوح:-
_ سُليمان
ضمها إليها بسعادة تجعل قلبه يتراقص من الفرحة لتربت على ظهره بتعب في كل انحناء جسدها من البقاء في فراشها لمدة طويلة، سعد الجميع بخبر إفاقتها وانشغل “سُليمان” في تجهيز المكان قبل أن تخرج “قلب” من المستشفى حتى هدم الطبيب كل شيء حين قال “فؤاد”:-
_ للأسف التحاليل والأشعة أثبتت إن حالة قلب مفيش أي تقدم فيها
اتسعت عيني “سُليمان” بصدمة ألجمته وقال بتلعثم شديد:-
_ يعني إيه؟
_ ادعولها ربنا يتولاها برحمته ويرحمها من عذابها
قالها بيأس وحزن شديد ثم غادر، نظر “أدهم” إلى “سُليمان” وقال بضعف واهن:-
_ يعني إيه، بنتي هتموت، قدرها خلاص بقى الموت وبس
سقط “سُليمان” على المقعد بحزن تمكن من قلبه العاشق وبكت عينيه من القدر القاسي الذي ابتلى قلبه في الأحب إليه وكأن القدر لم يكتفِ بمعاناته لسنوات بعيدًا عن الحبيبة فيستكمل الآن انتقامه منه، ذهب إلى غرفة “قلب” بعد أن هدأ قليلًا وجفف دموعه، فتح باب الغرفة ليراها جالسة مع عائلتها هادئة جدًا لتنظر نحو الباب الذي فُتح ورأت وجهه، تبسمت “قلب” بخفة لوجوده فغمزت “مروة” إلى أمها و”خلود” ليغادروا الغرفة، اقترب “سُليمان” منها وجلس على حافة الفراش لتقول :-
_ تعبت نفسك يا سُليمان
أخذ يدها في يديه بحنان ثم قال بلطف شديد:-
_ فداكِ سُليمان يا قلب سُليمان
خجلت من كلمته وتنحنحت بحرج محاولة التحاشي للنظر إليه وقالت بلطف:-
_ كان زمان، أنت لسه فاكر؟
رفع يده إلى ذقنها ليرفع رأسها حتى تتقابل عيونهما في نظرة دافئة وقلوبهما تضرب الضلوع بقوة بنبضاتها ليتهما يجتمعان في قلب واحد ليقول بخفة:-
_ أنتِ نفسي وعمري يا قلب، حد ينسى قلبه وعمره عشان يفتكر، تعالي أنا عايزك
أخذها من يدها بلطف ليحملها على ذراعيه بحنان فتشبثت بعنقه بضعف وجسدها ما زال يؤلم وصدرها المفتوح يتألم أكثر مع الحركة، أخذها للخارج إلى حيث سيارته ووضعها بالمقعد المجاور وجلس على مقعد السائق ليأخذها إلى الإسكندرية يحقق لها أمنيتها التي لطالما تمنت أن تحققها معه منذ صغرها، وصل إلى الشاطئ وحملها على ذراعيه واقترب من المياه بسعادة وقلبه يبكي بالداخل على حالة حبيبته والسنوات التي ضاعت منه بعيدًا عنها بفضل قرارها الخاطئ، جلس على الرمال أمام المياه بها لتشاهد الغروب معه، تبسمت بسعادة وهي تقول:-
_ مش بقولك أنت لسه فاكر
ضحك “سُليمان” بخفة على كلمتها وقال :-
_ أنا قلتلك إني مش هجيبك هنا غير وأنتِ مراتي
ضحكت ورأسها تتكأ على صدره بتعب وقالت بخفوت:-
_ ودلوقت أنا مراتك؟؟
أخرج الهاتف من جيبه ليفتحه على فيديو مصور له مع والدها والمأذون بالمنتصف يعقد قرانهما لتفتح عينيها بصدمة وهي لا تُصدق ما تراه وقالت بتلعثم:-
_ كدة من غير ما تسألوني؟
_ أنا بحبك يا قلب سُليمان
قالها بدفء شديد وعينيها تحملق به بقوة ليُهزمها العشق من جديد والشوق الذي يجتاح قلبها الضعيف من فراق دائم لسنوات والآن هي بين أحضانه ملكًا له وحده، حلم تمنيا تحقيقه منذ طفولتهما والآن قد تحقق في نهاية العمر، تحدثت بخفة شديدة:-
_ وأنا بحبك يا سُليمان
ضمها إليه بقوة يتنفسها ويشعر بدقات قلبها الضعيف وكأنه يحفظ أنفاسها ودقاتها من شدة إحكامه عليها حتى لا تفر بعيدًا عنه ولا يجد الهواء سبيلًا بينهما ليتغلغل وسطهما، نظرت إلى الغروب بسعادة وظهرها يتكئ على صدره بضعف ويديه تحيط بها كليًا وقالت:-
_ شمس الغروب جميلة، ياريت كل النهايات بجمال الغروب يا سُليمان
دمعت عينيه بوجع وشمس حبيبته ستغرب عنه للأبد ويا ليتها تكون كشمس الأيام تغرب وتشرق لكن غروبها لا عودة له، تبسمت بلطف أكبر وقالت:-
_ مهما كان الغروب دافئًا لكنه في النهاية غروب حزين أوي يا سُليمان
التفتت إليه بحزن ونظرت إلى عينيه الباكية فرفعت يدها تلمس لحيته التي كبرت من انتظاره لها وجففت دموعها بأناملها الصغيرة وقالت:-
_ متبكيش يا سُليمان، أنا دائمًا جنبك ومعاك، حتى لو جه الغروب أوعدني تفضل قوي وتفتكر دائمًا إني هنا
قالتها وهي تُشير على قلبه العاشق لها وتسكنه بحبها فوضع رأسه على جبينها باستماتة قوية يخشى هذا الوعد لتضع قبلة على وجنته بلطف وأنهت قبلتها الناعمة بعناق تلف ذراعيها حول عنقه بقوة ليتشبث بها بإحكام حتى شعر باسترخاء جسدها فتمتم بخوف شديد:-
_ قلب!!
لم تُجب عليه بل سقطت ذراعاها عنه وعادت رأسها تميل للخلف ليمسكها بإحكام وكانت صغيرته الجميلة مُغمضة العينين وقد غربت شمسها مع نهاية الغروب، فتحدث بتلعثم شديد ووجع يجتاحه من برودة جسدها:-
_ قلب
كان جسدها باردًا كالثلج بين ذراعيه وصغيرته ودعته للأبد بعناقها الناعم وقبلتها الدافئة ليقول:-
_ متسبنيش يا قلب
ضمها بقوة لا يتحمل هذا الفراق وصدمة رحيلها عنه ليقول بضعف:-
_ أنا ماليش غيرك يا قلب
اقترب “أدهم” و”همس” بسرعة جنونية وقد جاءوا بالاتفاق مع “سُليمان” ليروه يبكي بانهيار شديد وفتاتهما الصغيرة بين ذراعيه ج..ثة هامدة وقد فارقت روحها هذا الجسد المريض، فبكت “همس” بانهيار واقترب “أدهم” يأخذ ابنته فصرخ “سُليمان” بجنون بهما وهو يحكم قبضته عليها قائلًا:-
_ لا، محدش هياخدها مني، قلب مماتش، هي بس تعبانة شوية، مش كدة يا قلب، ردي عليا يا قلبي
ربت “أدهم” عليه بحنان وقال بهدوء:-
_ سُليمان، ادعيلها يا ابني
صرخ كالمجنون به ويضمها بقوة أكثر:-
_ لااااااا، قلب مسبتنيش، لااااا
انهار تمامًا مع حبيبته ولم يتمكن أحد من أخذها منه حتى فقد الوعي، فتح عينيه بذعر يصرخ باسمها :-
_ قلب
وجد “عُثمان” بجانبه وكان في فراش أبيض في غرفة في المستشفى بذعر وهو يبحث عن محبوبته :-
_ قلب فين؟ قلب
_ اهدى يا سُليمان، اهدى وهبقى أخدك تزورها
قالها بهدوء لينظر “سُليمان” إليه بضعف وعين باكية وقال بتلعثم:-
_ أزورها!!
_ قلب أتدفنت من ثلاثة أيام ومن ساعتها وأنت في غيبوبة
قالها ليُصدم “سُليمان” أن حبيبته تحت الرمال في قبرها من ثلاثة ليالي وحيدة فخرج من الغرفة كالمجنون و”عُثمان” يركض وراءه وقال بحدة:-
_ اهدى يا سُليمان والصباح له عينين
دفعه بقوة وذهب إلى حيث قبر صغيرته وسقط على الأرض أمامه ويضع يده على باب القبر وجهش في البكاء بانهيار شديد وصراخ يعلو ويملأ المكان بأكمله وقال:-
_ قلب، سيبتيني ليه؟ حرام عليكِ قلبي ده، يارب يااااااارب
ظل يبكي بانهيار وعُثمان خلفه بكى على بكاء أخيه من الحسرة والحزن الذي رآه به وكان الحزن سيقتل أخاه من الفراق وصدمة رحيلها وكل ما فعلته حتى لا يحزن لم يخفف من حزنه بل زاد الوجع أضعافًا وحسرة، كان “عُثمان” على حق عندما ذهبت “خلود” إلى غرفة “سُليمان” بعد أسبوع وجدته قد فارق الحياة في فراشه من الحسرة والحزن على محبوبته الجميلة التي رحلت وأخذت معها الحياة كاملة من عقله وسلبته قلبه من جديد، فأصاب الجميع الحزن على فراق هذا الثنائي الذي ابتلى قلبهم بلاء الحبيب والأحب فصدق أن لا يبتلى القلب إلا فيما أحب، فقد كان بلاء قلب “قلب” هو “سليمان” وبلاء قلب “سليمان” هو “قلب”، الأحب والحبيب.
النهــــــــــــــــايــــة