المطارد ١
المطارد ١
بغرفته صالح وهو جالس أمام النافذة الخشب والمفتوحة على مصراعيها امام الخضرة الجميلة التي أنعشت روحه المنطفئة بعد ان حرم من رؤيتها ورؤية كل شئ محبب اليه منذ زمنٍ طويل، عاد الى شروده ليتذكر الأيام الجميلة حينما كان يركض بحصانه الأسود على طول الشريط الأخضر بين الحقول الممتدة على مرمى البصر ملك عائلة والدته، التي تمتلك معظم مساحة القرية المشهورة بين القرى المجاورة باسم العائلة ايضًا نظرًا لتاريخها العريق والممتد للأسرة المالكة، ابتسم بسخرية مريرة وهو يتذكر حاله سابقًا، حينما كان شابًا انيق الملبس وجميل الهيئة، يأمر فيطاع، يصله الشئ بمجرد أن يشير اليه بيده، ثم انقلاب كل هذا بغمضة عين ، بلعبة شيطانية دنيئة جعلته منبوذ من الجميع، ثم الزج به في غياهب السجن وهو المظلوم وصاحب الحق ايضًا، ولكن من يعلم، وقد اصابه الخرس في الدفاع عن نفسه، من أجل الأ يجرح أعز أحبايه بإفشاء المستور! تنهد بألم يمسح بكفيه على صفحة وجهه، يحاول ان يستفيق مما به، وهو يذكر نفسه انه استعاد ثأره اخيرًا، فهو الاَن لو انقضى عمره الاَن لن يندم على مافعله.
أجفل من شروده على صوت بكاءٍ مكتوم يصدر من جهة قريبة، قرب رأسه أكثر من النافذة لينظر في اتجاه الصوت، وجدها جالسة على صخرة حجرية ومستندة بجذعها على شجرة الجميز، تبكي بحرقة غافلة عن مراقبته لها، ظل يراقبها لعدة لحظات، لا يريد قطع خصوصيتها واختلائها بنفسها عن الجميع، ولكنه لم يتحمل كم الوجع البادى من بكائها، فتكلم :
– لدرجادي انتِ تعبانة؟
انتفضت مفزوعة في جلستها قبل أن تنتبه اليه واضعة يدها على صدرها من الخوف:
– بسم الله الرحمن الرحيم، مش تنحنح ياجدع انت ولا تعمل أي حركة تخليني اَخد بالي .
هز رأسه ببرود غير مبالي، فاأكملت هي :
– ثم انت بالظبط من اداك الحق عشان تفتح شباك الأوضة وتبص على الجنينة كدة وتخلعني كمان؟
تبسم ببرود قائلًا:
– محدش اداني الحق ولا انا نفسي حتى فتحت الشباك، بس اخوكي محمد الله يكرمه هو اللي فتحه عشان اشم هوا منه ، بدل الكتمة اللي كنت قاعد فيها ليل ونهار، وحكاية اني خضيتك، فانا متهيألي كدة انه في المصلحة، بعد مافوقتك من وصله البكاء اللي مرضياش تهدى بقالها ساعة دي.
مسحت بطرف كمها اثار الدموع العالقة على وجنتيها تردف بخجل وهي تشيح بعيناها عنه:
– وانتٍ مالك؟ ابكي ولا اقطع نفسي من البكا حتى، دي حاحة متخصكاش.
رد بخبث:
– اممم هي أي نعم متخصنيش، بس بصراحة خوفت عليكِ وانتِ مندجمة في وصلة البكا دي لاتتلبسي وتحصلك حاجة في الحتة الخلا دي وزي ما انتِ عارفة المنطقة هنا مقربة من الجبل يعني مش مضمونة
– في إيه ياجدع انت؟ هو انت عايز تخوفني من بيتنا بالعافية ؟ ولا فاكريني هاصدق كلامك الفاضي دا كمان!
قالت بإنكار، رغم الخوف الذي بدا على ملامح وجهها ونظراتها التي تشتت يمينًا ويسارًا، فأردف هو :
– والله انتِ حرة بس انا اسمع من زمان الحديت ده وعلى العموم لو مش مصدقة استمري مع نفسك وانا ياستي هاقفل الشباك خالص عشان مازعجكيش وجربي .
– لا وعلى أيه؟ انا أساسًا نفسي اتقفلت، سايبهالك وقايمة.
قالت بصوتٍ مهتز وهي تنهض عن صخرتها واقفة، فاستغل هو هفوتها ليشاكسها :
– نفسك اتقفلت عن البكا! ليه هو أكل هههه؟
انطلقت ضحكاته المكتومة مع الحذر من ألم رأسه، فا أثار غيظها وهي تضرب على الأرض بأقدامها لتغادر من امامه وهي تغمغم متأففة من سماجته كما تصفه دائمًا، نظر هو في أثرها وتوقفت ضحكاته متسائلًا مع نفسه بحيرة:
– وبعدين بقى معاكي يايمنى؟ هاتوصليني معاكي لحد فين بس؟ هو انا ناقص وجع تاني، فوق الهموم اللي شايلها فوق ضهري !
………………………….