مرات اخو جوزي استخدمت بيت جدتي ١
مرات اخو جوزي استخدمت بيت جدتي ١
فتحت هدية فرحها.ووو
سارة مكنتش مجرد متعصبة، صوتها في التليفون كان يرن فيه هيستيريا كأنها بتغرق، الصوت الجاي من الناحية التانية كان كفيل يهد البيت، بس أنا كنت قاعدة بتفرج على الشباك وشايفة انعكاس صورتي في الزجاج بمنتهى الثبات.
— إنتِ اتجننتي؟! إيه الفواتير دي؟! إنتِ باعتالي مطالبة بستميت ألف جنيه؟! إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تعملي حركة زبالة زي دي يوم فرحي؟!
حطيت الموبايل على المكرُوفون، وحطيت الفنجان على الترابيزة بهدوء من غير ما أرد عليها بكلمة واحدة في الأول. الصوت اللي طالع منها كان مليان غرور بيتكسر، والغرور لما بيتكسر بيطلع صريخ.
سألتها بعد لحظة صمت طويلة بصوت أبرد من الثلج:
— الهدية عجبتك؟
— هدية إيه يا مريضة إنتِ؟! إنتِ باعتالي فواتير شركات تنظيف وديكور ولاند سكيب ورصف نجيلة ونباتات مستوردة؟! ده غير خسائر الأثاث؟! إنتِ فاكرة إن حسام أو أنا هندفع قرش واحد من الهبل ده؟! إنتِ بتحلمي!
— أنا مابحلمش يا سارة. أنا بتعامل بالورق والقانون. الشركات دي جاية بكرة الصبح تبدأ شغل، والتكلفة دي هي التكلفة الفعلية لإعادة بيت جدتي للحالة اللي إنتِ استلمتيه بيها.. قرش ينقص قرش لأ.
— ده بيتك! إنتِ اللي استضفتينا!
— أنا ما استضفتكيش، إنتِ اللي جيتي عيطتي وجوزي ترجاني أوافق، وإنتِ بنفسك قولتيلي في التليفون “ده بيتك إنتِ.. إنتِ اللي تنظفيه”. بس أنا مش الخدامة بتاعتك يا سارة، ولا الديكور اللي بتكسريه عشان تعملي بيه لقطة في ألبوم صورك. اللي كسر حاجة، بيلبس ثمنها.
سارة صرخت بصوت أعلى:
— حسام مش هيسكتلك! وأحمد مش هيعديها! إنتِ عايزة تخربي البيت بين إخوات؟!
— حسام يقرأ الفواتير كويس الأول يا حبيبتي، وبعدين يتكلم. سلام.
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة ثانية.
أنا عارفة سارة كويس. سارة من نوعية البني أدمين اللي لما بياكلوا حق حد، وبيتحطوا في زاوية، أول حاجة بيعملوها هي التباكي وادعاء دور الضحية. وفي أقل من عشر دقائق، بدأ المهرجان.
تليفون جوزي، أحمد، بدأ يرن.
كنت قاعدة في الصالة، شايفة اسمه وهو بينور على شاشة تليفونه اللي كان سايبه على الترابيزة عشان بيعمل قهوة في المطبخ. دخل أحمد المطبخ ماسك المجين، وعينيه على التليفون اللي مش راضي يبطل رن.
— ده حسام أخويا.. بيكلمني من الصبح في إيه؟
أحمد رد، وفي خلال ثواني، ملامح وشه اتغيرت تمامًا. اللون هرب من وشه، وعينيه اتسعت وهو بيسمع صريخ أخوه حسام من الناحية التانية.
— إيه؟ فواتير إيه يا حسام؟ استهدى بالله بس وافهمني.. فواتير بستميت ألف جنيه إيه؟!
أحمد بصلي بزهول، وأنا كنت قاعدة بمتص من القهوة بمنتهى الهدوء، وببصلُه بنظرة خالية تمامًا من أي اعتذار أو تراجع.
أحمد قفل مع حسام بعد ما أخوه هدد إن العلاقة بينهم جفت وإن اللي مراتي عملته ده قلة أدب وقلة ذوق. أحمد قرب مني، التليفون في إيده بيترعش من العصبية، وقال بصوت واطي ومكتوم:
— إنتِ عملتي إيه يا ريم؟ إنتِ بعتي لسارة فواتير شركة تنظيف ولاند سكيب باسمها؟! إنتِ بتنزلي من نظري ونظر أهلي عشان شوية زبالة وورد اتقطع؟!
بصلته ورفعت حتفي بصدمة من كلامه، بس اللحظة دي مكنتش لحظة ضعف. وقفت قدامه ورزعت الفنجان على الترابيزة.
— شوية زبالة وورد اتقطع؟! أحمد.. إنت رحت شفت البيت؟
— البيت كان فيه فرح! طبيعي هيبقى مكركب! إيه يعني نجيلة اتداست ولا ورد اتقطف؟! ما هي كده كده جنينة! إنتِ عشان وردة جدتك اللي ماتت بقالك سنين هتقطعي صلة الرحم وتفضحينا قدام أخويا ومراته في أول يوم جوازهم؟!
في اللحظة دي، حسيت إن الس/كينة اللي سارة ضربتني بيها في ضهري، أحمد هو اللي كبس عليها بيدُه.
— وردة جدتي اللي ماتت؟.. البيت ده يا أحمد مش مجرد “جنينة”. البيت ده أملاك خاصة بيا أنا، ورثي ومكاني اللي بقضي فيه أيامي النظيفة بعيد عن القرف. أختك أو مرات أخوك دخلت اقتلعت الورد من جذوره، الورد اللي جدتي كانت بتراعيه بالسنين، الورد اللي مالوش ثمن! سارة شالت الشجر عشان تعمل بيه قوس ورد يوفر عليها عشرين ألف جنيه عند مهندس الديكور! سارة جابت معازيم دخلوا الأوض الخاصة بالدبابيس والسكاكين ودمروا حيطان البيت وشخبطوا على الخشب وخربشوا الصالون!
— بس ده مش مبرر تبعتيلي فواتير وتفضحينا! كنتِ قوليلي أنا وأنا أدفع!
— تدفع منين يا أحمد؟ تدفع من فلوسنا اللي بنحوشها لشقتنا؟ تدفع ستميت ألف جنيه عشان هانم تبان قمر قدام صاحباتها على قفايا؟! وليه تدفع إنت أساسًا؟! هي مش كانت شايفة نفسها بنت ناس ومقتدرة وعايزة فرح على البحيرة؟ تتفضل تدفع ثمن قلة ذوقها وتخريبها!
— سارة مش هتدفع قرش يا ريم! وأنا بقولك اهو، الفواتير دي هتتلغي، وإنتِ هتكلي حبل المشاكل ده وتعتذري لأخويا ومراته!
ابتسمت ابتسامة مكسورة، بس أصلبة من الحديد.
— مش هتنزل يا أحمد. بل بالعكس.. دي مجرد بداية.
طلعت تليفوني، فتحت الجروب العائلي الكبير اللي فيه كل عيلة أحمد.. أمه، وأخواته، وأعمامه، وزوجاتهم. الجروب اللي سارة كانت دايمًا بتحب تنزل عليه صور سفرياتها وخروجاتها عشان تبان السيدة الكاملة المنظمة.
أحمد حاول يمسك إيدي:
— إنتِ بتعملي إيه؟! نزل التليفون ده!
دفعت إيده بهدوء. وبدأت أرفع الصور.
صورة ورا صورة.
النجيلة المحفورة بالتراب.
أحواض الورد الخاوية اللي بقت عبارة عن طين جاف وكأنها مقابر مفتوحة.
أكواب الخمرة والبيرة المرمية فوق الصالون الأنتيك بتاع جدتي.
البقع السودا على السجاد اليدوي.
السيجارة المقفولة اللي مطفية في رخامة المطبخ المعتمدة.
الزبالة اللي متكومة على باب البلكونة البحرية.
وبعد ما نزلت 30 صورة وثقت كل سنتيمتر تدمير في البيت، نزلت التقرير الفني المحرر من الخبير والهيئة الهندسية اللي زارت البيت الصبح، مرفق بيه الفواتير والأسعار التفصيلية لإعادة الشيء لأصله، وتحته رسالة واحدة بس كتبتها بنفس اللهجة الباردة:
“ألف مبروك للعريسين حسام وسارة. بيت البحيرة الخاص بيا استقبل فرحكم بطلبي وبناءً على ترجي أحمد، بس للأسف الاستضافة أتحولت لتخريب متعمد لممتلكاتي وإبادة لذكرى جدتي الراحلة. دي صور البيت زي ما سارة سابتهولنا، ودي الفواتير التفصيلية لإصلاح ما تم تدميره. العلبة الشيك وصلت لسارة على بيتها، وأمام العيلة كلها، قدامكم 48 ساعة لتسديد المبلغ للشركات المعنية.. وإلا التقرير ده والصور والمستندات هيكونوا في قسم الشرطة ببلاغ إتلاف ممتلكات خاصة وإحداث أضرار عمدية.”
الجروب سكت تمامًا.
تخيّل جروب فيه أكتر من 25 بني آدم، بيتحول في ثانية واحدة لصحراء صامتة. مفيش ولا كلمة. مفيش ولا “مبروك”، ولا “إيه ده”، ولا حتى إيموجي واحد.
أحمد كان واقف قدامي، عينيه زايغة بين شاشة تليفونه وبين وشي.
— إنتِ.. إنتِ نزلتي صور الفرح والخراب على الجروب؟ إنتِ فضحتيهم قدام العيلة كلها؟!
— أنا مَفضحتش حد يا أحمد. سارة هي اللي فضحت نفسها بأفعالها. أنا بس عرضت الحقيقة من غير ما أزود حرف ولا أنقص حرف.
تليفون أحمد بدأ يرن تاني، المرة دي كانت حماتي.
أحمد رد وهو حاطط إيده على دماغه:
— أيوة يا أمي.. أيوة شفت.. لا يا أمي استهدي بالله.. ريم..
أمي كانت بتصرخ في التليفون بصوت مسموع من برة السبيكر:
— افتح الميكروفون يا أحمد! افتح التليفون أكلم الهانم دي!
أحمد فتح الميكروفون، وصوت حماتي ملأ الأوضة:
— إنتِ إزاي تتجرأي يا ريم تعملي الحركة دي في يوم دخلة أخو جوزك؟! إنتِ عايزة تخربي البيت؟! هو الورد والزرع أغلى عندك من صلة الرحم وكرامة العيلة؟! سارة كانت عروسة وفرحانة، وشوية كراكيب هيتظبطوا! إنتِ إزاي تبعتي فواتير بالرقم ده وتنزلي صور بالمنظر ده قدام عمام أحمد وأخواله؟! امسحي القرف ده فورًا واعتذري لمرات أخو جوزك!
وقفت قدام التليفون، وقلت بصوت واضح وثابت:
— يا طنط.. الورد ده جدتي زرعاه قبل ما سارة تولد أساسًا. والبيت ده بيتي أنا، مش بيت العيلة عشان سارة تدخل تكسره وتقتلع زرعه وتدير فيه فرح من غير ما تدفع مليم واحد لديكور أو نظافة. سارة دخلت بيتي وقلتلي في التليفون بمنتهى القرف “ده بيتك إنتِ ونظفيه بنفسك”. وأنا مابنظفش زبالة حد. اللي بوظ حاجة هو اللي يدفع ثمنها. والفواتير دي مش هتمسح، والـ 48 ساعة بدأوا من دقيقة واحدة.
— إنتِ بتهدديني يا ريم؟! بتسوقي العوج علينا عشان حتة بيت ورثتيه؟!
— أنا مابهددش حد يا طنط. أنا باخد حقي بالقانون وبكرامتي. وسارة لو فاكرة إنها فوق الكل، فبيت جدتي خط أحمر، واللي يلمسه يتداس.
قفلت المكالمة في وش حماتي قبل ما تنطق بكلمة ثانية.
أحمد بصلي بذهول وكأنه أول مرة يشوفني في حياته.
— إنتِ اتجننتي رسمي يا ريم.. إنتِ بتعدي الحدود معايا ومع أمي وأخويا؟
— الحدود اتعدت لما إنت سمحت لمرات أخوك تتعدى عليا وعلى بيتي، ولما جيت تلومني أنا بدل ما تلوم اللي دمر ذكرياتي. إنت لو مش قادر تقف في ضهري وتجيبلي حقي، أقف على جنُب وما تتدخلش يا أحمد.
في اللحظة دي، تليفوني رن برقم غريب.
رديت.
الصوت كان صوت راجل هادي، بس جاد جدًا.
— ألو، أستاذة ريم؟
— أيوه، مين معايا؟
— أنا الأستاذ سامح، رئيس مجلس إدارة جمعية ملاك كومبوند البحيرة. إحنا وصلنا بلاغات وشكاوى كتير جدًا من الأمن وسكان المجمع المبارح بالليل بسبب الحفلة اللي تمت في فيلتك.
قلبي اتنفض، بس مسكت نفسي:
— شكاوى إيه يا فندم؟
— الحفلة اتعدت السعة المسموح بيها، كان فيه دوشة وموسيقى صاخبة للصبح، وضيوف الفرح كسروا البوابة الجانبية للمجمع بالعربيات، ورموا مخلفات في بحيرة الكومبوند نفسها. ومجلس الإدارة اجتمع الصبح وأقر غرامة خرق قوانين المجمع والتلفيات بمبلغ 150 ألف جنيه على مالک الوحدة، وفي حالة عدم السداد خلال 24 ساعة، هيتم سحب تصريح الدخول والتحفظ الإداري على الفيلا.
غمضت عينيا.
الموضوع طلع أكبر وأبشع مما كنت متخيلة. سارة مش بس دمرت بيتي وجنينتي.. سارة وسخت المجمع كله، ورمت المخلفات في البحيرة النقية اللي جدتي كانت بتقعد قدامها كل يوم الصبح.
أحمد كان سامع المكالمة، ووشه اصفر أكتر.
قلت لرئيس الجمعية بمنتهى الهدوء:
— أستاذ سامح.. الكاميرات مخرجة صور العربيات والأشخاص اللي دخلوا المبارح؟
— أيوة يا فندم، كاميرات البوابة متسجل عليها كل حاجة بالتفصيل، وبأرقام عربيات الضيوف والعريس والعروسة.
— ممتاز. أبعتلي التفريغ والغرامة الرسمية فورًا على الإيميل.
قفلت الخط، وبصيت لأحمد اللي كان واقف مش عارف يتكلم.
طلعت مفاتيح عربيتي من الشنطة، وأخدت الجاكيت بتاعي.
أحمد مسك إيدي:
— رايحة فين يا ريم؟
— رايحة للبيت.. ورايحة أوريهم إن العروسة اللي افتكرت نفسها فوق القانون، هتدفع ثمن كل وردة، وكل شجرة، وكل نقطة مية اتلوثت في البحيرة.. بالورق، وبالشرطة، وقدام مصر كلها.
— إنتِ هتروحي تبلغي عن أخويا ومراته في الشرطة؟!
— أنا مش هبلغ بس يا أحمد.. أنا رايحة أخلي سارة تتمنى لو كانت عملت فرحها في الشارع، ولا إنها تفكر تقرب من حاجة تخصني تاني.
خرجت ورزعت الباب ورايا، وسيبت أحمد واقف في نص الصالة، والتليفونات وراه بتصرخ ومش بتسكت.