ندبه في شمس يونيو حكايات شروق خالد 1

ندبه في شمس يونيو حكايات شروق خالد 1

حكايات شروق خالد

**مرت السنوات كأنها أيام، تاركة ندوبها في القلوب قبل الأجساد، وكان “الوقت الذي يوجع” قد حان.**
في صالة مغادرة فخمة بمطار القاهرة، جلست ماريان تضع لمسات أخيرة على حجابها، وقد زادتها الأيام وقارًا وصلابة. لم تعد تلك الابنة المنكسرة، بل امرأة أعمال تدير جزءًا كبيرًا من إمبراطورية زوجها مصطفى التي توسعت لتشمل فروعًا في الخليج وأوروبا.
بجانبها، وقف شاب فارع الطول، وسيم الملامح، يرتدي بذلة أنيقة تكشف عن جسد رياضي. كان ينهي مكالمة عمل باللغة الإنجليزية بثقة لافتة. إنه “سيف”، وقد أصبح في السادسة والعشرين من عمره، يحمل شهادة الهندسة من أرقى الجامعات البريطانية، ويشغل منصب المدير التنفيذي لفرع الشركة الجديد في لندن.
“جاهز يا بشمهندس؟” سألته ماريان بابتسامة فخر لا تخفى.
التفت إليها سيف، وانحنى ليقبل يدها. “جاهز يا أمي. كل الترتيبات انتهت، والصفقة في جيوبنا.”
لم تكن تلك مجرد صفقة عمل. كانت الضربة القاضية التي خططت لها ماريان لسنوات، ونفذها سيف ببراعة. شركة “مصطفى الجمل” كانت على وشك الاستحواذ الكامل على سلسلة محلات “الهدي”، الإرث الوحيد المتبقي لعائلة والدتها، والذي تدهور حاله بسبب سوء إدارة أزواج خالاتها ورفض مصطفى التدخل سابقًا لإنقاذهم.
في تلك الأثناء، في بيت العائلة القديم الذي غاب عنه الترميم، كانت الهام تجلس على أريكتها، وقد نال منها الزمن والمرض. الحزن والمرارة حفروا أخاديد في وجهها. بجانبها، كانت عبير تندب حظها وتبكي بصوت مكتوم، وبيدها إشعار قضائي بالحجز على المحل وبيعه في مزاد علني.
“قلت لك يا أمي.. قلت لك ماريان مش هتسيب حق ابنها،” قالت عبير وهي تشهق. “مصطفى بعت محامين زي المنشار، أكلوا الأخضر واليابس. جوزي هرب، وولادي مش لاقيين شغل، ودلوقتي هنترمي في الشارع.”
لم ترد الهام. كانت عيناها شاخصتين نحو الفراغ، وعقلها يعيد مشهد ذلك اليوم البعيد. مشهد طفل صغير يمسك طبقًا من الفل، وتتصبب جبهته عرقًا تحت شمس يونيو الحارقة، ويستجدي الدخول إلى التكييف من ألم قدميه. تذكرت كلمات ماريان: “هتدفعوا تمنها غالي أوي في الوقت اللي يوجعكم.”
لقد كان هذا هو الوقت. لم يأخذ مصطفى وماريان حقهما بالضرب أو الشتائم، بل بالنجاح والسطوة. لقد حولوهم إلى أطلال، وجعلوهم يشاهدون نجاح سيف، الطفل الذي طردوه، وهو يبني مجده على أنقاض فشلهم.
في المطار، أعلن عن موعد الرحلة. نهض سيف، وأمسك بيد والدته. “ياللا يا أمي.. المستقبل مستنينا في لندن.”
نظرت ماريان إلى ابنها، ثم إلى هاتفها الذي كان يعرض خبر الاستحواذ على محلات “الهدي”. لم تشعر بالشماتة، بل براحة عميقة، كأن جرحًا قديمًا قد اندمل أخيرًا. لقد نفذت وعدها، وحفظت كرامة ابنها، وأثبتت للعالم أن الحق، وإن طال انتظاره، يعود لأصحابه بكرامة وكبرياء.
ركبا الطائرة، وفيما كانت ترتفع نحو السماء، كان سيف ينظر من النافذة إلى القاهرة، المدينة التي شهدت ظلم طفولته، والتي عاد إليها فاتحًا ومنتصرًا. لم يعد هناك مكان للأسمنت المغلي أو الأطباق الفل، بل حياة جديدة بناها بذكائه وجهده، تحت حماية أم لم تستسلم، وفي ظل إرث أب بنى نفسه من الصفر.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *