مرات اخويا 3
مرات اخويا 3
تقدم أحمد نحو شقيقته وأمسك بيدها برفق قاصداً إعادتها إلى الداخل: “ادخلي أنتِ يا سحر ارتاحي، والرجالة هتاخد حقك.” لكن سحر تملصت من يده برفق وأصرت على موقفها، وعيناها مثبتتان على محمود: “لا يا أحمد.. أنا لازم أسمعها منه دلوقتي، عشان أقفل الصفحة دي وأفوق لصحتني وللي باقي من عمري.”
التفت والد سحر إلى محمود وقال بنبرة مليئة بالاحتقار: “سمعت؟ بنتي بايعاك بزهد.. مش عاوزة منك مليم، ولا عاوزة ترفع قضايا.. عاوزة تخلص من وشك وبس. اخلص يا محمود وطلق، ورجّع للراجل ده كرامته اللي داس عليها.”
نظر محمود حوله؛ وجوه كبار عائلته كانت واجمة، ونظرات الخزي تلاحقه من كل جانب. التفت إلى أبي، فوجد أباه يشيح بوجهه عنه، رافضاً حتى النظر إليه. شعر محمود بصغر حجمه، وعلم أن عناده وعجرفته قد أوصلاه إلى نقطة اللارجوع.
بلع محمود ريقه بصعوبة، واقترب خطوة نحو سحر، وحاول أن يتكلم بصوت يملؤه الندم الذي استيقظ فجأة في قلبه: “سحر.. أنا.. أنا كنت خايف عليكي.. والشيطان…”
قاطعته سحر برفع يدها المرتجفة، وقالت بجمود هز كيانه: “ماتنطقش اسمي.. طلقني يا محمود.”
انحبست الكلمات في حلق محمود، وشعر بغصة مريرة. رفع رأسه ونظر إليها، ثم نطق بالكلمات التي خرجت منه كالقذائف التي تحرق ما تبقى من كبريائه: “أنتِ.. طالق يا سحر.. طالق.. طالق.”
بمجرد أن نطق بالكلمة الثالثة، استدارت سحر ببطء ودخلت إلى غرفتها دون أن تلتفت وراءها، وكأن عبئاً ثقيلاً قد انزاح عن صدرها المتألم. أما أحمد، فقد أخرج ورقة بيضاء وقلم وقدمهما لمحمود قائلاً: “امضِ هنا.. إقرار بأن الطلاق تم شفاهة، وبكرة الصبح المأذون يخلص الأوراق ونبعتلك قسيمتك لحد بيتك.”
وقع محمود على الورق ب يد ترتعش، ثم خرجنا جميعاً من المضيفة وسط صمت مخزٍ. في طريق العودة، كان محمود يجلس في السيارة وعيناه زاغتا في الفراغ. لم ينطق بكلمة واحدة، لكن دموعه بدأت تنزل لأول مرة؛ لم تكن دموع غضب، بل كانت دموع الندم الحارق بعد أن أدرك أنه لم يخسر زوجته فقط، بل خسر احترامه لنفسه واحترام عائلته بأكملها.
مرت الأيام، وعاد محمود إلى شقته الفارغة، الشقة التي أصبحت تسكنها أشباح الذكريات. كان ينظر إلى كل ركن فيها، فيتذكر قسوته وعناده. حاول أن يشغل نفسه بالعمل، لكن نظرات اللوم من أهل المنطقة كانت تحاصره أينما ذهب.