حبيسة قصر الوحش ج ٥

حبيسة قصر الوحش ج ٥

الفصل السادس والعشرون

التفتت لتتجه للداخل , ولكنها وقفت مصدومه و وضعت يدها علي فمها و تركت مابيدها يسقط ارضا عندما رأت أمامها سيارة حازم
وقفت تتلفت تبحث عنه و قلبها يعلو صوته خوفا منه , وعندما لم تراه أسرعت تحمل الاكياس لتدخل قبل ان يراها , ولكنها لم تخطو الا خطوتين حتي سمعت صوته من خلفها , صوته ملبدا بكل غيوم الغضب منذر بقرب عاصفه حارقه شديدة : حسناء
تصلبت مكانها , ولم تستطع ان تلتفت له او ترد عليه , يابسه , ساكنه , جامدة و لا يتحرك بها سوي العضو القابع داخل صدرها و الذي بدأ يعمل بعنف و اضطراب شديد
اقترب منها هو , ووقف أمامها مباشرة و قال لها بعنف : كنت فين؟
ابتلعت الغصه الغليظة المعلقه بحلقها وقالت بصوت مهزوز : كنت بشتري شويه طلبات
زادت نبرته حده : وليه مقولتليش قبل ما تروحي , ولا طلبتي اوديكي
حاولت ان ترد ولكن نبرته ألجمت لسانها داخل فمها فتابع هو الحديث : ازاي تخرجي من غير استئذان؟ , انتي ازاي تخرجي من غير ما تعرفيني؟
لم تكن يتحرك بها ساكن , تقف بخوف تهتز من الرياح الخفيفه للأمام و الخلف بشكل بسيط
تابع ثانيه بنبره غريبه : انتي بتخرجي كتير من غير ماتعرفيني , انا غلطان اني سبت المفتاح معاكي
انتفضت حسناء من ذلك السؤال و قالت بصدمه : انا عمري ما خرجت من غير ما عرفك , دي أول مره اخرج
لم يرد عليها و لكن نظر لها نظرة مرعبه فعادت تدافع عن نفسها و لكن تلك المره دموعها شاركتها الدفاع : والله عمري ما خرجت ابدا , انا هخرج اروح فين اساسا , …
قاطعها بنبره حازمه و هو يشير بسبابته و كامل ذراعه لمنزلها : طيب ادخلي
حاولت ان تعيد كلامها ولكنه قال بصوت اشبه للصراخ الغليظ : ادخلي جوه من غير ولا كلمة .
قالت ببكاء شديد : حازم والله..
اعاد كلامه ثانيه : ادخلي يا حسناء دلوقتي متعصبنش
ثم حمل الاكياس عنها و سبقها علي منزلها بخطوات و اسعه عنيفه و قال لها : ورايا
تبعته حسناء و دموعها تنساب بغزاره علي وجنتيها , دموع مختلطه برجاء شديد لذلك الوحش الحبيب الذي يعد لها حياتها بأثرها , والذي لم يستمع اليها و لا لعذرها ليتركها تتألم وسط غليان قلقها مخافة من ان تفقده او ان يتخلي عنها , او…. ألا يكون لها و تتحطم كل احلامها معه
فتحت حسناء الباب بمفتاحها فأدخل لها الاكياس للداخل خطوتين فقط ثم تركهم و خرج
كانت مازالت تقف أمام الباب ترتجف بجسدها النحيف من شدة البكاء , قال دون ان ينظر لها : هاتي المفتاح و ادخلي
اعطته المفتاح و صوت بكائها يتزايد
دخلت المنزل , فأغلق هو الباب عليها بالمفتاح و انصرف
ارتمت بثقل جسدها علي الباب و كأنها تحاول اللحاق به, استدارت و هي مازالت ملاصقه للباب و تركت جسدها ينساب تدريجا علي الأرض
ظلت مكانها ملقاه علي الارض تبكي بحرقه , علي حظها التعس , الذي كلما خلقت لنفسها بصيص أمل ضعيف لشئ حلو يعطي معني لحياتها يأتي ذلك الحظ ليسد عنها اي شعاع لضوء الأمل و يترك قلبها يتألم في عتمة الأحزان و ظلمة اليأس
اتجه حازم وهي لا يشعر بلا شئ و جلس داخل سيارته , كان يشعر بأن رأسه سيطير من شدة غضبه , حقاً ان غضبه عمي قلبه في تلك اللحظة , او لربما غيرته الشديده عليها و خوفه عليها من ذلك العالم المتوحش , سابقا استشاط غضبا من اجل ان رجل نظر لها عدة مرات , وضحي من اجل الحفاظ عليها و بدأ في قيادة السيارة و تحامل علي نفسه متغافل خوفه من القيادة فكيف يتخيلها الآن تخرج و تسير و تركب سيارة مع رجل اجنبي و تتعامل مع اخرون وحدها
ضرب عجله القياه بقبضة يده بعنف و قال موبخا نفسه علي زلة لسانه القبيحة و ردة فعله الوحشي معها : ايا كان متوصلش اني اتهمها و اشك فيها بالشكل ده
نظر علي باب منزلها ثم أعاد النظر علي الشرفه التي كان يقف بها من دقائق , و يتخيل طيفها معه داخل تلك الحجره من دقائق
شعر بخنجر سام يدس داخل قلبه , وهو يتذكر كلمته لها و تعنيفه لها بهمجيه , قال بصوت محشرج : لا لا لايمكن تكوني كده يا حسناء , انتي انقي و اطهر انسانه في الوجود كله , انا يتقطع لساني لو قلت كلمة زي دي تاني ليكي , اسف يا حسناء
رنت بأذنه صوتها و هي تقول له برجاء شديد ” حازم , ارجوك و الله….”
كانت تلك المره الأولي التي يسمع اسمه يخرج من فمها , فدائما ما كانت تتحاشي ذكر اسمه اثناء حديثها و ان اضطرت فإنها تناديها برسمية ” يا بشمهندس”
ذبذبات صوتها و هي تنطق بإسمه لم تذهب نحو اذنه بل استقبلها قلبه مباشرة ليترجمها علي شكل نبضات قويه تغذي شرايين جسده , تشعل حبها بقطرات دمه و تفجر حنينه لها داخل خلاياه
شعر بدموعه تتدفق لعنينه بشدة , وضع كفه علي عينيه يخبأ دموعه من نفسه , فما اصعب دموع الرجل , انها اصعب من نزف دماءه , لا تزرف إلا لعزيز غالي صاحب مكانه خاصة جدا في القلب , مكانه لا يصل لها سوي شخص واحد لا يتكرر
مسح دموعه و تنهد بشده ثم خرج من السياره و اتجه نحو المنزل و لا يعلم تلك العيون التي تراقبه من خلف النافذه الخشبيه بصمت
أدخل المفتاح من تحت باب المنزل , وبعدها عاد أدراجه للسياره و هي يعبث بأنامله في شاشه هاتفه يكتب رساله ثم أرسالها لـ .. حسناء
كانت حسناء تراقبه من خلف النافذة المغلقة , وما ان رأته يتجه نحو الباب حتي اسرعت له , توقعت ان يفتح الباب , وضعت يدها علي المقبض حتي تسرع بالفتح و توضح له موقفها و تشرح له سبب ذهابا دون اذنه و تؤكد له انها المره الاولي التي تخرج دون اذنه
التقطت اذنها اصوات خطواته ثم بعدها وجدت المفتاح يدس من تحت الباب و يستقر بجانب رجلها , انتظرت ان يطرق الباب و لكنها سمعت اصوات خطواته ثانية و لكن مبتعده بعيدا
شعرت بأن قلبها يتحجر من شدة خوفها من ان يكون ظن بها سوء و ان يكون مقصده من كلامه سئ , شعرت بالعالم يدور سريعا لا تعرف احزن منه و من كلامه ام تخاف علي احلامها التي تنهار امامها
همت ان تفتح الباب و لكنها سمعت صوت وصول رساله لهاتفها , قالت بنره مليئه بذبذبات البكاء : اكيد هو , واكيد هيتأسف زي كل مره , يطينها و يرجع يتأسف و معندوش ذرة تحكم بأعصابه
فتحت الرساله و لكنها للأسف صدمت للمره الثانية علي التالي اذ وجدت كل ما بها ” المفتاح جنب الباب” فقط
نظرت بخيبة أمل , ترفع احدي شفتيها و قالت : يعني ايه , شايف انه مش غلطان , ثم اكملت بخوف: يعني ممكن يكون يقصد كلامه مش تهور و تعصب , لا انا لازم اوضحله قبل ما يمشي
هرولت تجاه الباب تلحق به ولكنها عندما فتحت الباب لمحته و هو يغلق البوابه و اسرع بعدها و انطلق بسيارته
سارت بخطوات تائهة في الحديقه الخاوية كجزء من صحراء قاحله , وصلت للبوابه الضخمة , نظرت من خلف قضبانها فرأت سيارته ابتعدت كثيرا
عادت ادراجها بخطي مثقلة و صدر مكتوم من كثرة حزنها , رغم صعوبة الكلمة التي القاها علي مسامعها و لكن حبها له أصم اذنها عنها , وقلبها تغافل عن ترجمة تأثيرها عليها و كان كل ما يشغله هو الخوف من ان يغير حازم وجهة نظره عنها و تحرم من أحلامها من أجله
عادت لمنزلها و اغلقت خلفها الباب ,اسرعت بالاتصال عليه حتي توضح موقفها و لكنه لم يرد عليها مما زاد نار قلبها استعارا و ملئ عقلها بالقلق و الخوف , قالت بحسرة : هو مال المواقف كلها ماشية عكس ما بتمني كده , يعني بقول اني بدأت اثبتله اني قد المسؤليه يقولي اني مش هقدر افصل الفستان و يستهزأ بيا و يقول انتي مفكره علشان فصلتي هودم عيال صغير و ودلوقتي يفكرني بخرج من غير اذنه علطول و الله اعلم مخه بيفكر في ايه دلوقتي
جلست علي الكرسي و بدأت تسقي وجنتيها بالدموع , ظلت صامته ساكته لا يتحرك بها سوي عينيها التي تعتصر من وقت لأخر لتزيد من تدفق دموعها الحزينة
سمعت أذان المغرب فقامت لتؤدي فريضتها , وموقف حازم ما زال عالق بعقلها يملأه هواجس مخيفة و توقعات سيئة, وقعت عينيها علي الاكياس التي جلبتها وسببت لها تلك المشكله
وزنت الافكار برأسها ثم قالت بتحدي كبير: عياطي مش هيغير حاجة , اكيد موقف و هيعدي بس لازم اخلص تفصيل الفستان , علشان اثبتله انا كنت خارجه ليه واني كنت خارجه علشان اقف جنبه في زنقته و اساعده مش اني خارجه بهدف غلط
مسحت دموعها , واسرعت تحضر ماكينة الحياكة و جهزت المكان , ثم صلت الفريضة و بدأت عملها و هي تحاول انبات أملها بحازم ثانية ترويه بدعاءها و تسمده بعملها الذي بين يديها الذي هو من اجله خصيصا
……………………………
خرج حازم من الحديقة , لمح حسناء في أخر لحظة فهرب سريعا بوجهه عنها , فكيف له ان يريها وجهه بعدما اطلق في وجهها تلك التهمة البشعة , وكيف يأتي بالجرأه كي يواجهها بعدما مزق قلبها بتلك الكلمة
شعر بشعور متخبط , شعور صعب لم يشعره من قبل ,لكنه شعور صعب التحمل , يكوي القلب و يجلد الروح
شعور ان تعرف انك ظلمت برئ أكبر ظلم , فكيف ان كان المظلوم هو من يسكن القلب , اذن ظلمه يمثل طعنات من خنجر حاد يدس في القلب لكي يصل له
سمع صوت هاتفه , نظر للشاشه فوجدها تتصل , بالتأكيد تريد تبرير موقفها و ازالة التهمة السامة عن عرضها , شعر بألم يجتاح صدره كله , ليصل لقلبة فيؤذية بشدة , اعتصر قبضة يديه بشدة و قال بلهجة حامضية : غبي غبي و هفضل طول عمري غبي, اندفع و إموت اللي قدامي بكلامي علشان مش عارف اتحكم في غضبي , شكلي مش هبطل اندفاع و عصبية و أفوق إلا لما ألاقيني خسرت كل اللي حوليا , مش عارف هوريكي وشي ازاي يا حسناء , ومش عارف هتسامحين ازاي , كلمة اسف بقيت بايته قوي , كل شويه ازعلها و ارجع اقولها اسف , زمانها زهقت , هاأ بقول مش هتحبني بسبب شكلي , فمابالك بقي شكلي و طبعي الوحش و عصبيتي , حرام اظلمها معايا
كان يعيش ليلا و نهارا داخل دوامة افكاره التي تصب جميعها في موقفه مع حسناء و امانيه تجاهها, بالاضافه لمتابعته لتطور شركته و قرب حلمة الذي وضعت حسناء اللبنة الاولي به بعقلها و حكمتها , واتصال محمد و استأذانه بتأجيل الخطبه لمدة اسبوعين بسبب سفره لمؤتمر جامعي خارج البلاد مما اعطي له الفرصه بأن يترك نور تفكر بتأني في اتجاذها لقرارها
ولن يبدو ان موقف نور ليس قراراً بل كانت مطالب رفاهيه متوقف عليها مصيرها
………………………
مر اسبوع مرير علي الجميع , نور قابعه داخل قوقعه احلامها المتهدمة فوق رأسها , فطالما ظلت سنين تحلم بتلك الليله و تجهيزاتها التي ستبهر بها كل صديقاتها و تكيد بها كل من لا تحبه , وهاهو حازم يقلب الامور رأس علي عقب ببخله من وجة نظرها و ها هو اسامة تكتشف اخيرا انه كان يتلاعب بعواطفها و يستغل حبها له ليزيد ازلالاً لقلبها و يضعف ثقتها بنفسها
حازم ظل يصارع احساسه بتأنيب الضمير و جلده لذاته العصبية الاندفاعية , بالاضافه لنار الشوق التي تلتهم قلبه علي حسناء , وقلقه من اجلها كيف تعيش ايامها حبيسة وحدها برفقه دموعها و قلبها المجروح بسبب قذائفه اللفظة الحارقة
كان كل يوم بل كل لحظة يقرر بأن يذهب لها يسترضيها و لكن يبدو ان حبه لها عظم كلمته لها مما اشعره بالخزي و الحرج من مواجهتها
أما حسناء , يبدو انها اكثرهم تعلما من أيام الحياه و اكثرهم تلقنيا لدروسها , فقد علمت ان التفكير لا يعطي حلا نافعا بل العمل و اخذ خطوات فعليه علي ارض الواقع هي الحل الحقيقي بالاضافة للاستعانة بالله و الدعاء له فهو وحده من بيده تيسير الأمور
ظلت قائمة علي حياكتها ليلا و نهارا , بحثت عبر الانترنت عن الفستان الذي حلمت به نور و بدأت تحيكه بنفسها , حتي مر الاسبوع وانتهت مهمتها بنجاح فائق
وضعت الفستان مقابلها , لم تستطع ان تمنع نفسها من تخيلها داخل هذا الفستان الذي يحول الفتاه من وحيدة إلي مرتبطه و مخطوبة ويمهد لها طريق جديد لحياه ملئ بالاحلام السعيدة مع من تحب
قالت و هي تبتسم : هقيسه عليا
حملته واسرعت لغرفة نومها , ثم ارتدته و اسدلت شعرها الحرير علي ظهرها و ضعت بعضه علي رقبتها , وضعت بعض اللمسات الخفيفه من الزينة ثم نظرت لنفسها نظرة اعجاب مبالغ فيها
وقفت مقابل صورتها تأملها بفرحة و قلب مكتظ من كثرة الاحلام التي توافدت عليه دفعة واحده عندما شاهدت نفسها بذلك الفستان
حملت صورة حازم التي كانت تنتظرها كالعادة تحت الوسادة حتي يأتي موعد السهره الخياليه عندما تذهب لسريرها ليلا , رفعته مقابل عينيها و ظلت تصوب نحو نظرات مليئة بالحب و الشوق الشديد و قالت له , شوفت يا حازم , انا عروسة … يااااه امتي يجي اليوم ده , بجد نفسي يجي بقي يا حازم و والبس الفستان ده ليك انت , واكون منتظراك انت تيجي تاخدني علشان نقضي احلي يوم في عمرنا
حضر بخيالها موقفها الاخير مع حازم , وفي الحال تعكر صفو افكارها و غشت احلامها غشاوه ضبابية
قالت بقلق: يا تري حازم هيتفهم سبب خروجي و لا هيفضل شايفني غلطانه
أمسكت بالهاتف و همت ان تتصل به , ولكنها تراجعت , فقد لا يرد علي اتصالها فقررت ان تبعث له برساله و لكن بعد ان تصلي ركعتي قضاء حاجه لله كي يوفق بينهما في الحلال و يزيل من بينهم الحزن
وبعد ان انتهت من صلاتها , بعثت له برساله مبهمة الهدف و لكنها بلغة استنجاد كي تجبره بأن يأتي
” حازم لو سمحت تعالي محتجاك في امر ضروري ضروري جدا , بليز متتأخرش عليا”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *