لمن القرار ٢

لمن القرار ٢

َ………

تعجب سليم من تأخيرها كلما نظر لساعة معصمه… صنع فنجان القهوة خاصته وجلس يرتشفه وهو يراجع أوراق قضيته الجديدة
رنين الجرس أخرجه من عالمه الذي ينفرد به وسط أوراقه
أستعجب من التوقيت.. فمن سيأتي إليه في الصباح
وقف أمامها فطرقت عيناها أرضاً
– أسفه يابيه نسيت المفتاح في البيت
مرت من أمامه بعدما أتخذ بجسده جانباً
– اتأخرتي يافتون.. وأنتِ عارفاني بحب الألتزام في مواعيدي
– أسفه ياسليم بيه
عيناها ما زالت عالقة نحو أصابعها المتشابكة ببعضهما
– ياريت ده ميتكررش تاني يافتون… ولو هتتأخري بعد كده بلغيني او خلي حسن يبلغني
رفعت عيناها نحوه سرعان ما أخفضتهما.. صدمته هيئتها وذلك الجمود الذي يتخذه طريقًا معاها تلاشي تمامًا وهو يقترب منها يمدّ أنامله نحو ذقنها دون أن يُلامسها
– أرفعي عينك يافتون
عادت ترفع عيناها إليه فأزدادت دهشته.. عيناها كانت شديدة الاحمرار وكأنها قضت ليلتها باكية
– أيه اللي حصل خلاكي تعيطي كده.. هو حسن ضربك
– ماما إحسان سافرت وسبتني
أنهارت في البكاء تحت نظراته ترثي له حالها.. لم تكن تشعر بخطواتها ولا كيف ألقت نفسها بين ذراعيه تبكي على قميصه
تجمد في وقفته وهو يراها بين ذراعيه… يداه ظلت ثابتتين في مكانهما
والمشهد يُحرك فيه عاطفته.. عاطفة الشفقة كما يُقنع حاله
لم يتحرك ولم يتحدث بشيء إنما وقف يبتلع لعابه فتحركت تفاحة آدم خاصته إلي أن ابتعدت هي فحرر أنفاسه أخيراً
غير مصدقًا أنه وقف هكذا مسلوب الإرادة مسحور بشيء لا يعرف هويته … الخادمة بها سحر غريب إنها تُجبره أن يكون رجلاً أخر
ومع كل لحظة ضعف كان يخوضها مع نفسه لا يكف عن تمتمت تلك العبارة
” سامحكِ الله ياسيدة ألفت…”
تعالت شهقتها تنظر نحو ما أحدثته دموعها على قميصه تنظر إليه مذعوره.. وكأن هذا ما كان ينقصه تلك اللحظة أن يرى النظرة التي تُشعره أنه يرى طفلة في السادسة من عمرها
– أنا أسفة.. معرفش عملت كده أزاي يا سليم بيه… بلاش تطردني أرجوك مكنش قصدي صدقني
هرب سليم بعينيه ينظر نحو البقعة التي توسطت قميصه ثم طالعها بعدما تمالك نفسه
سار نحو غرفته يُلقي بقميصه على أرضية الغرفة يدور بها عاري الصدر ينفث أنفاسه بضيق
” أنت أيه اللي بيحصلك ياسليم… مش معنى إنك بتشفق عليها تسيبها تنسى نفسها.. ديه خدامة عارف يعني أيه خدامة”
ألتقط قميص أخر يرتديه ولكن كان هناك شئ عالق بأنفه.. ليست رائحة عطر…بحث عن هوية للشئ العالق رائحته بأنفه إلى أن وجد الإجابه.. إنها رائحة صابون إستحمام ورغم رخصه إلا أن رائحته جميلة
………….
وقفت أمام والدها لا تستوعب ما يُخبرها به.. فعن أي عريس هو يتحدث
هرب من نظرتها الراجية.. يؤلمه قلبه عليها فهو خير من يعرف حبها لرسلان كما أصبح يعلم حب رسلان لها ولكن ناهد بتأثيرها الأكبر عليه أجبرته… ومنذ متى وهو يقول لها لا مهما أمتدّ جدالهم فقررها هو ما يكون في النهاية
– عريس أيه يا بابا..
– الأستاذ أحمد المحاسب يا ملك
بهتت ملامحها تتذكر ذلك العريس السمج الذي أتت به خالتها
– بس انا مش عايزه.. ومش عايزه اتجوز دلوقتي
– ادي نفسك واديه فرصة يا ملك
أقتربت ناهد منهما وقد خشيت من تراجع زوجها في قراره بعدما أقنعته
– وماله العريس ياملك.. شاب ما شاء الله عليه ومن عيله محترمة
تعلقت عيناها بوالدها تنتظر منه أي حديث.. والدها يعلم بحبها لرسلان فلما يُجبرها على ذلك العريس
– ملك بلاش دلع بنات… أنتِ دلوقتي أتخرجتي وأشتغلتي وأختك كلها شهور وتخلص جامعتها ورسلان يُخطبها
ألقت عبارتها وتفرست النظر في ملامحها لتجد ما أخفته كاميليا عنها… ملك تكن مشاعر لرسلان ظنتها يوماً أنها مشاعر عادية ولكن رفض ملك للعريس وحديث شقيقتها وتلك النظرة التي تراها في عينيها كانت خير من مُجيب على دواخلها
– رسلان مقلش إنه عايز يتقدم ل مها يا ناهد… فبلاش توهمي البنت بأحلامك
– هو لمح لكاميليا بده يا عبدالله.. وخلينا دلوقتي مع بنتك اللي رافضة تقابل العريس ومش عارفه هتفضل لحد أمتي ترفض كل حد بيتقدملها
صوتهم كان يقتحم عقلها وكأنه أتى من بعيد.. لم تعد تشعر بساقيها اللاتي أصبحت كالهلام.. ثقلت أنفاسها تنظر إليهم
– العريس جاي على بليل.. جهزي نفسك
– ماما…
– لو مطلعتيش تقبلي العريس ياملك قلبي هيكون غضبان عليكي
والعبارة كانت قاتلة بالنسبة لها إنها لا تتحمل خصامهم ولا غضبهم..
طالع عبدالله خطوات زوجته زافراً أنفاسه بتخبط نحو ما يعيشه
– بابا أرجوك أنت عارف أني مقدرش
اقترب منها يضمها بين ذراعيه.. بكت داخل حضنه فما السبيل لديها والكل يسلب منها سعادتها التي مجرد أن تعيشها ينهدم كل شيء فوقها وكأن الأيام تُخبرها أن هذا الحب ليس لها
– قابليه يا ملك وبعد كده أوعدك لو مرتحتيش أنا هتصرف
………
ارتدت ملابسها في عجالة فقد كانت بحاجة لميادة ومعاونتها.. العريس موعده الليلة وهي لن تتحمل أكثر .. تشعر وكأن حبلًا مُلتفًّا حول عنقها.. ميادة دومًا تجد معها الحلول وهي من ستنقذها حتى لو ادعت عدم اهتمامها بها تلك الفترة بسبب مشاغلها
وقفت أمام المكان الذي تعمل به ميادة كمتدربة في إحدى الشركات الخاصة بمجال الحاسوب
أقتربت منها ميادة تتحاشي النظر إليها.. فالذنب يقتلها ولكنها تعلم أن الحقيقة إذا عرفتها ستقتلها أكثر
– ألحقيني يا ميادة ماما مصممه أقابل العريس.. لأول مره تكون مصممة بالشكل ده.. رسلان.. رسلان كمان تليفونه مقفول
– أهدى ياملك وتعالى نقعد في أي مكان ونتكلم
تحركت خلفها تمسح دموعها العالقة بأهدابها
– كل العياط ده عشان العريس وفيها أيه لما تقابلي مش يمكن يا ملك تتفهمه
– أنتِ بتقولي أيه ياميادة ورسلان.. أنتِ عارفه أني بحب رسلان… هو وعدني أننا هنعلن حبنا وهنسافر سوا
– ملك أنتِ ورسلان أطباعكم مش شبه بعض وبصراحة تعلق مها ورغبة خالتو أنه يتجوزها الموضوع بقى معقد أوي
بهتت عيناها لا تُصدق أن من تُحادثها بذلك الثبات هي ميادة صديقتها وأبنة خالتها
– قصدك أيه يا ميادة
– بلاش تخلي رسلان يخسر أهله ولا أنتِ كمان تخسري.. أدى نفسك فرصة مع شخص تاني.. أنتِ طول عمرك مش شايفة غير رسلان فعمرك ماهتعرفي تحددي مشاعرك ناحية راجل تاني
أشاحت ميادة عيناها بعيداً عنها.. لو استمرت بذلك الدور أكثر ستنهار باكية.. ترى الذهول والصدمة في عينين صديقتها فما أبشعه من قرار اتخذته
نهضت ملك بعدما أطالت النظر نحوها تُحرك رأسها يمينًا ويساراً مصدومة .. تعلم أن بها شيء غريب ولكنها لم تظن أن ميادة ستُسمعها ذلك الحديث بتلك النبرة الباردة
سارت من أمامها وعينين ميادة لا تحيد عنها.. قبضت على كفها بقوة وانحدرت دموعها تُطالع خطواتها الضعيفة
وقرار واحد كانت تتخذه لن تستمر بتلك المسرحية الهزلية.. ألتقطت هاتفها تبحث عن رقمًا ما.. فعليها أن تجد حَلًا ويعود شقيقها
…………
عادت لغرفتها خائبة محطمة..خالتها تجلب لها عريس، والدتها تُصِر علي مقابلتها، والدها يُخبرها عليها أن تعطي لها وله فرصة وميادة ترى أن علاقتها برسلان ستكون سبب لمشاكل عدة.. ميادة التي كانت تُشجعها على الدفاع عن حبها وتصبح أنانية لمرة واحدة باتت ترى حبها عائق للعائلة
عقلها يكاد ينفجر من شدة التفكير.. لما الجميع لا يرونها مناسبة لرسلان، لما حبها لا بد أن يُدفن لما هي وحدها حبها صعب المنال
أقتربت من المرآة تنظر نحو نفسها لعلها تجد بها شيء مُعيب فلم تجد إلا صورة عادية بملامح منطفئة ولكنها من البشر
– ست ملك.. ست ملك العريس أعتذر وقال مش جاي حصلت عندهم حالة وفاة.. والله ياست ملك كنت بدعيلك
دلفت الخادمة غرفتها تصرخ بذلك الخبر تنظر نحو سيدتها الشابة التي تُحبها لرقة وطيبة قلبها
أنصرفت الخادمة بعدما أخبرتها بالخبر السعيد كما ترى.. ولكن السعادة كانت بعيدة تمامًا عنها إنها تشعر بالخذلان والضياع وسط أحب الناس إليها وكأنها ليست منهم
……….
– على علاقة بالرقاصة ياحسن.. ومن أمتي ده
طالعه حسن وهو ينفث دخان الأرجيلة في القهوة الجالسين عليها
– من ساعة ما رجب أخدنا الكباريه
– ملقتش غير الرقصات
– مالهم الرقصات يا مسعد.. حاجه تفتح النفس
– سكتك وحشة يا صاحبي.. انت مش شايف رجب حياته عامله أزاي.. ده ضيع فلوسه عليهم
– رجب ده عيل خايب.. أنت عارف صاحبك
طالعه مسعد مستنكراً تلك الثقة التي يتحدث بها وكأنه دنجوان عصره
– والله يا صاحبي مش بيقع غير الشاطر
– يييه بقولك أيه يا مسعد متضيعش الحجرين اللي عملتهم
صمت مسعد يرتشف كأس الشاي وينفث دخان الأرجيلة هو الآخر
– بقولك أيه صحيح قولتلي أنك دفعت فلوس لحماك عشان مشروع المواشي اللي كلمك عنه ودخلت شريك.. متدخلني معاكم في المشروع ده
– أنت باصص في حتة المشروع يامسعد.. يا أخويا أستنى أما أشوف هكسب أيه من وراه الأول
رمقه مسعد وقد أقتنع بحديثه لأول مره
– أومال أنا ليه مضيته على الشيك.. هو اه حمايا بس الواحد مش ضامن وده شقايا ياعم
– يعني هتسجن حماك لو المشروع خسر.. قول كلام غير كده ياراجل
– الحق حق … هما العشر تلاف جنية دول حاجة قليلة.. وبقولك أيه القعده ديه ضيعت حجرين الشيشة انا مروح ولا أقولك ما تيجي نروح الكباريه
………..
طالعت ملامحه المُرهقة مترددة في الإقتراب منه .. حسمت قرارها واقتربت منه تعطيه كأس الماء
– شكلك تعبان يابيه.. ادخل أرتاح في أوضتك
أرتفعت عيناه نحوها يتناول منها كأس الماء.. أرتشفه وعيناه عالقة بها.. حاول أن ينهض ولكن قواه كانت منهكة
ألتقطت منه الكأس تضعه جانبًا وأقتربت منه أكثر تمد له يدها تُقدم مساعدتها
تعلقت عيناه بيدها الممدودة نحوه… وشيطانه يأخذه للنظر نحو شفتيها ” صغيرة هي وفاتنة كما إنها لذيذة وسهلة المنال” هكذا كان الصوت يتردد داخله
مالت نحوه حتي تتمكن من مساعدته بعدما تراجع للخلف.. والصوت يتردد مُجددًا داخله ومع تلك الحرارة المنبعثة من جسده كان شيطانه يشتهي لمس تلك التفاحة المحرمة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *