همسه من الظلام ١ شروق خالد
همسه من الظلام ١ شروق خالد
قمتُ من الكرسي الجلد بنعومة وبدون أن أصدر أي صوت، وحذائي الثقيل يطأ السجاد بحذر. اقتربتُ من المكتب حيثُ وضعتْ المجلد البني. سحبتُ ملف تصاريح التقسيم العمراني وتطوير المرفأ، وفتحتُه تحت ضوء المصباح الخافت.
في الظاهر، كانت الأوراق تبدو رسمية ومختومة بختم المحافظة، ومطابقة تماماً لما اتفقنا عليه. لكن حين داحستُ في التفاصيل الدقيقة وحاشية الصفحات الأخيرة التي لا يقرؤها عادةً إلا المحامون المتمرسون، بدأت الصورة تتضح.
البند الرابع عشر تم تعديله بخبث. التوقيع على هذه الأوراق في السابعة صباحاً لم يكن ليضمن لي السيطرة على خطوط الشحن كما ظننت، بل كان تنازلاً قانونياً كاملاً عن الشحنة القادمة لمصلحة الجهة الحكومية المراقبة—أو بالأحرى لمصلحة الشخص الذي دفع لإبراهيم كي يوقعني في المصيدة.
المكيدة لم تكن فقط سرقة العشرة آلاف جنيه التي أخذها إبراهيم وهرب؛ سرقة المال كانت مجرد تمويه لتشتيت انتباهي، بينما كانت الضرب القاضية تُعدّ هنا في هذا الملف.
نظرتُ إلى خديجة المقيدة تحت بطانية الكشمير.
تلك الفتاة التي تتظاهر دائماً بالغباء الخائف، والتي تنظر إلى الجدار كي لا تلتقي أعيننا، كانت قد قرأت الملف قبل أن تصعد به إليّ. عرفت المخاطرة، وجاءت في منتصف ليلة ممطرة لتسلّمني إياه بنفسها، وربما انهارت من الخوف والإرهاق قبل أن تمكن من تحذيري.
أغلقتُ المجلد بهدوء، وأخرجتُ هاتفي المحمول، واستدعيتُ رجلي الأقرب والأكثر ثقة.
“يا علي.. تجهّز. إبراهيم خاين، والورق اللي معاياه كمين. يلزمنا نغيّر الخطة قبل الفجر.”
أنهيتُ المكالمة، ثم عدتُ ووقفتُ بجانب السرير. كانت خديجة قد هدأت في نومها، وتنفسها أصبح منتظماً.
جلستُ على طرف الفراش بحذر، ولأول مرة منذ سنتين، نظرتُ إلى وجهها بتمعّن دون أن تجبر هي عينيها على الهروب. لم تعد مجرد سكرتيرة خائفة تبحث عن تأمين صحي وراتب منتظم… لقد أصبحت الحليف الوحيد الذي أنقذ رأسي في هذه الليلة.
وابتسمتُ ببرود وأنا ألقي نظرة أخيرة على المسدس الملقى على الطاولة.
السرّ الذي باحت به وهي نائمة، غيّر قواعد اللعبة بالكامل.
#حكايات_شروق_خالد