دهب اخت جوزي ٢

دهب اخت جوزي ٢

أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلة ومحملة ببرودة خفيفة، لكن الحرارة كانت تجري في عروق مصطفى زي النار. استيقظ من أذان الفجر، يقف عند شباك الصالة، يمسك هاتفه ببدن يرتجف ويفحص شاشات أسواق المال والمواقع الإخبارية. وفي تمام الساعة السابعة صباحاً، نزل الخبر كالصاعقة على الشاشات: “قرارات استثنائية من البنك المركزي وإعادة تحريك سعر الصرف، وقفزة تاريخية غير مسبوقة في أسعار الذهب خلال ساعات الصباح الأولى!”

انفصل الجرام عن شاشة الأمس، وقفز قفزة جنونية أضافت مئات الجنيهات للجرام الواحد في لحظات! الـ 100 جرام اللي كان يحسب قيمتها بالأمس ويئن منها، أصبحت قيمتها الصباحية تطالب بمبلغ إضافي كفيل بمسح كل ما تبقى في حسابه البنكي بالكامل!

سقط الهاتف من يده على السجادة. دخلت عليه الصالة وأنا أحمل كوب الشاي، لقيت لونه شاحب كأنه جثة، وعينيه شاردتان في الفراغ. رفعت الهاتف من الأرض وقرأت العاجل المكتوب، فشهقت وحطيت إيدي على فمي.

“خربت يا سمر.. خربت كُلياً!” قالها مصطفى وهو يضرب كفاً بكف، ثم بدأ يشد في شعره بحسرة: “الساعة تسعة هنكون قدام السايغ، المبلغ اللي جهزته إمبارح في البنك بقا ناقص! الفلوس اللي كانت حيلتي عشان أسدد الدهب وأسيب مبلغ صغير نعيش منه، كده هتتنسح كلها ومش هتفي كمان! السايغ مش هيسلّمنا جرام واحد إلا بسعر اللحظة دي!”

قبل أن يستوعب الصدمة، رن هاتفه. كان المحامي. رد مصطفى بصوت مبشوم: “أيوة يا أستاذ..”

جاءه صوت المحامي حازماً ومباشراً: “يا أستاذ مصطفى، محامي أختك كلمني من ربع ساعة، وبلّغني إنهم منتظرينكم قدام محل الصاغة الكبير في الميدان الساعة تسعة بالظبط، ومعاهم إقرار التنازل المكتوب. بس المحامي أكد عليا إن الشراء هيكون بأسعار الصاغة لحظة التنفيذ، والتأخير مش في صالحك لأن الأسعار بتجري لفوق وكل دقيقة بتدفعك أكثر!”

خرجنا من البيت زي المجانين. مصطفى كان بيسوق العربية بسرعة وعينيه مش شايفه الطريق. أخذنا محطة البنك الأولى، سحب كل ما يملك في حسابه حتى آخر جنيه، وحط الفلوس في شنطة سوداء كأنه يحمل كفنه بيده.

وصلنا الميدان قبل الساعة تسعة بسبع دقائق. كانت الصاغة لسة بتفتح أبوابها الحديدية، والشوارع متوترة والناس واقفة طوابير قدام محلات الذهب بيراقبوا الشاشات الحمراء اللي بتغير الأرقام كل بضع دقائق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *