جبل وقمر ١
جبل وقمر ١
عبد الرحمن كمل بصوت بيتهدج من الانفعال:
“أنا يمكن راجل بسيط جنب نفوذك، بس بناتي أغلى من روحي. قمر مش بيعة وشروة يا جبل، ولا هي عروسة لعبة هتكسر عين أبوها بيها عشان تاخدها. المأذون ده جاي يفك الغمة دي.. بنتي هتطلق دلوقتي، وهترجع معايا بيتي معززة مكرمة، ولو هبيع هدومي عشان أسددلك أي خسارة هعملها!”
الحاجة رضوى ضحكت بسخرية وقالت:
“عين العقل يا حاج.. خد بنتك اللي ما تليقش بمقامنا، وريحنا من الليلة الكدابة دي!”
”امييييي!”
صرخة مدوية طلعت من جبل خلت السرايا كلها تتهز، والكل سكت كأن على روسهم الطير. عروق رقبته برزت، ولف لأمه بنظرة خلتها ترجع لورا بخوف، وبعدين رجع بص للحاج عبد الرحمن، بس المرة دي ملامحه اتغيرت.. الغضب اتبخر، وظهرت مكانه لمعة غريبة، لمعة عاشق مجنون مستعد يهد الدنيا عشان يثبت حبه.
”طلق؟” جبل نطق الكلمة وكأنه بيدوق طعمها المر، وقرب خطوة من الحاج عبد الرحمن، صوته نزل لدرجة الهمس بس كان مسموع للكل:
“الظاهر إنك مش فاهم يا حاج. أنا ما كسرتكش عشان أذلّك.. أنا عملت المستحيل عشان أطول النجمة اللي في سماك. قمر دي روحي اللي مسلوبة مني بقالها خمس سنين.. إنت فاكر إني ممكن أفرط في روحي بسهولة دي؟”
رفع عينيه وبص لقمر اللي واقفة على السلم بتبكي ومصدومة، عيونهم اتقابلت في نظرة طويلة، نظرة فيها ألف اعتراف واعتذار وشغف. جبل شاور للمأذون اللي كان بيترعش وقال بثبات:
“افتح دفترك يا مولانا.. بس مش عشان تكتب طلاق. إكتب ملحق لعقد الجواز.”
المأذون طلع القلم وهو متلخبط: “مـ.. ملحق إيه يا جبل بيه؟”
جبل بص لقمر، وعينيه ما نزلتش من عليها، وقال بصوت عالي وثابت:
“إكتب إن جبل الهواري بيكتب نص أملاكه، سرايته، وأراضيه، وشركاته باسم حرمه ‘قمر عبد الرحمن’.. مهر متأخر ليها. وإكتب إن العصمة بقت في إيدها.. لو حبت تطلقني وترميني بره جنتها، تقدر تعملها في أي لحظة.”
الصدمة ألجمت الكل. الحاج عبد الرحمن عينيه وسعت بذهول، والحاجة رضوى لطمت على صدرها بصمت، والمأذون القلم وقع من إيده. دي مش تصرفات جبل الهواري القاسي.. ده تصرف راجل متيم، مجنون، مسلم رقبته بكامل إرادته للي ملكت قلبه.
جبل سابهم كلهم، وطلع السلم ببطء لحد ما وقف قدام قمر. مسك إيديها اللي كانت متلجة، وباس باطن إيدها بعمق قدام أبوها والكل، وهمس لها بصوت بيدوب الحجر: