عشان عيلتي كانت غرقانة في الديون، غصبوني أتجوز راجل عجوز غني عمري ما شفته قبل كده. في ليلة دخلتنا كنت واقفة بترعش وهو بيقفل الباب، همست له: "أرجوك... مأذنيش". ابتسم، ومسك الجلد المكرمش اللي تحت فكه، وقشر قناع كامل كان باين كأنه حقيقي. وظهر وراه شاب وسيم، وبصلي ببرود وقال: "اهدي، إنتي عمرك ما كنتي هدفي... عيلتك هي اللي كانت هدفي، والليلة دي، هيبدأ انتقامي". أول مرة شفت فيها جوزي، كان ساند على عصاية فضة شيك وأمي عمالة توشوشني: "ابتسمي يا ياسمين، الراجل ده بيشترينا وينقذنا من الخراب". أنا كان عندي ستة وعشرين سنة، وهو كان باين عليه داخل في التمانين، وأهلي كانوا بيتعاملوا مع فرحي كأنه صفقة بيع وشراء. شركة المقاولات بتاعة أبويا انهارت بسبب قروض مستخبية، وأخويا الكبير مازن قامر بفلوس الطوارئ وضيعها. ومع ذلك، كانوا بيلوموني أنا عشان رفضت أتجوز ابن صاحب بنك من سنتين. مازن قالي وهو بيربط عقد ألماظ حوالين رقبتي: "إنتي مديونة للعيلة دي، ليلة واحدة تعدي، وإحنا هنحافظ على البيت والشركة". العريس كان مسمي نفسه الحاج منير الجبالي. متكلمش كتير وقت كتب الكتاب، بس حسيت بمسكة إيده اللي لابس فيها جوانتي إنها قوية ومش ضعيفة، وعينيه الزرقا كانت حادة وصاحية زيادة عن اللزوم بالنسبة لوش راجل عجوز. أنا لاحظت ده، بس الخوف خلاني ساكتة. في الفرح، قرايبي كانوا بيشربوا العصير الفاخر المشتري بفلوس مقدم منير الجبالي. أمي بوستني على خدي وقالت لي في ودني: "خليكي مطيعة، الرجالة اللي زيه يقدروا يغيروا ستاتهم في ثانية". الجملة دي قتلت آخر حتة انتماء كانت جوايا ليهم. بعد كام ساعة، في جناح العرسان في الفيلا، منير قفل الباب. أنا رجعت لورا لغاية ما ضهري خبط في الحيطة. همست وأنا بترعش: "أرجوك... مأذنيش". ابتسم، ومسك الجلد المكرمش اللي تحت حنكه، وقشر قناع ناعم خالص. الشعر الأبيض، والخدود المترهلة، وعلامات العجز كلها اختفت في لحظة. ووقف قدامي راجل وسيم في أوائل التلاتينات، شعره أسود وفي تعويرة صغيرة قطعت حاجب من حواجبه. قال ببرود: "إنتي عمرك ما كنتي هدفي، عيلتك هي اللي كانت هدفي. والليلة دي، هيبدأ انتقامي". اسمه الحقيقي كان كريم فوزي. من عشر سنين، أبويا وأخويا مازن سرقوا مشروع تطوير كورنيش الإسكندرية من أبو كريم، بعد ما زوروا تقارير السلامة ورشوا مهندس الحي. والموضوع ده انتهى بإفلاس منظم، وأبو كريم مستحملش الصدمة ومات بسكتة قلبية، وأمه جالها شلل ومفاقتش منه. كان المفروض أصرخ، بس بدل ده سألته: "طب وليه اتجوزتني أنا؟" رد عليا: "عشان عيلتك بتمضي على أي حاجة لما تشوف الفلوس". وراني العقود اللي أبويا مضى عليها قبل الجواز. مقابل خمسين مليون جنيه، أبويا مضى على تنازل عن أسهم الشركة، وعقد الفيلا، وحسابات تانية كتير كضمان. غلطة واحدة منهم وهيتشردوا في الشارع. كريم كان متوقع إني هنهار وأعيط. بس أنا مشيت لحد التسريحة، قلعت عقد الألماظ وحطيته جنبه وجنب القناع بتاعه. وقلت له: "إنت اخترت البنت الغلط عشان تخوفها... أنا معايا نسخ من كل دفاتر الحسابات اللي مازن قالي امسحيها وأعدميها". لأول مرة من أول الليلة، باين على وش كريم الذهول والصدمة. أنا على مدار تلات سنين، كنت بدرس في السر محاسبة شرعية بالليل، ومن خلال منحة دراسية أبويا وأمي كانوا بيتريقوا عليا بسببها. كنت عارفة الفلوس المستخبية راحت فين، ومين اللي زور الإمضاءات، وإيه الجرايم اللي لسه مدتها مخلصتش وممكن توديهم في داهية بالقانون دلوقتي. حكايات شروق خالد كريم فضل مبحلق فيا وهو مش مصدق، نزل إيده اللي كان ماسك بيها القناع وبصلي بتركيز، كأنه بيعيد حساباته من أول وجديد. قرب مني خطوتين وقال بنبرة واطية وفيها حذر: "وإنتي إيه اللي يخليكي تقفي ضد أهلك؟ دول مهما كان لحمك ودمك". ضحكت بوجع وقلت له: "لحمي ودمي دول هما اللي باعوني ليك النهاردة عشان يداروا على قرفهم. أبويا وأخويا مازن مبيحبوش غير نفسهم والفلوس. أنا كنت بالنسبة لهم مجرد شيك على بياض دفعوا بيه تمن غلطاتهم. تفتكر بعد اللي عملوه معايا، لسه باقي ليهم عندي خاطر؟" قعدت على الكرسي اللي قدام التسريحة وكملت كلامي بثقة: "أنا مش هدافع عنهم يا كريم. بالعكس، أنا عاوزه حقي منهم زي ما إنت عاوز حقك بالظبط. الدفاتر اللي معايا فيها تزوير رسمي لسبع مناقصات حكومية، وفيها حسابات سرية في البنك هما مخبينها عن الضرائب وعن الدائنين... الحسابات دي فيها الفلوس اللي أبويا قال إنها ضاعت". كريم قعد على طرف السرير، ملامح وشه بدأت تسترخي والابتسامة الباردة اختفت، وحل محلها نظرة إعجاب حقيقية بالذكاء اللي قدامه. سند راسه لورا وقال: "يعني إنتي بتعرضي عليا تحالف؟" هزيت راسي وقلت له: "بالظبط. إنت معاك الشروط والضمانات اللي تخليهم على الحديدة في ثانية، وأنا معايا الورق اللي يوديهم ورا الشمس ويثبت حق أبوك الله يرحمه. إحنا الاتنين عاوزين نفس الحاجة... بس عندي شرط واحد". رفع حاجب من حواجبه وقال: "وإيه هو شرطك يا ست ياسمين؟" بصيت في عينيه مباشرة وقلت له: "الجواز ده يفضل على الورق بس وبشروطنا إحنا قدام الناس، ولما نخلص حسابنا معاهم وتجيب حقك وحقي، نتطلق وكل واحد يروح لحاله، وآخد نسبتي من الفلوس اللي هترجع عشان أبدأ حياتي نظيفة ومن غيرهم". كريم سكت لثواني، كان بيفكر ويوزن الكلام في دماغه. فجأة مد إيده ليا وقال وعينيه بتلمع بالتحدي: "موافق يا دكتورة ياسمين... من الليلة دي، إحنا شركاء في الحكاية دي، واللعبة هتمشي على خطتنا إحنا وبس". مديت إيدي وسلمت عليه، وعرفت في اللحظة دي إن عيلتي اللي افتكرت إنها رمتني للتهلكة، كتبت بإيديها شهادة وفاتها الفنية والمالية، وإن شمس "آل المنشاوي" غربت للأبد. حكايات شروق خالد تاني يوم الصبح، صحينا على صوت تليفون كريم بيرن. كان أبويا. كريم فتح السبيكر وبصلي وهو بيغمز بعينه. أبويا كان بيتكلم بنبرة كلها لؤم وتمسكن: "صباح الخير يا حاج منير يا فندم.. يا رب تكون العروسة عجبتك وبيضت وشنا؟ كنت بس عاوز أطمن على الشيك الأولاني اللي اتفقنا عليه، عشان الشيكات اللي عليا ميعادها النهاردة والمحامي قالب الدنيا". كريم غير صوته في ثانية، ورجع لنبرة الراجل العجوز المريض اللي بيكح: "أهلاً يا رأفت يا حبيبي.. كله تمام والعروسة زي الفل. متقلقش، الشيك هيتحول لحسابك خلال ساعة.. بس بشرط، تجيلي إنت ومازن بكره الفيلا عشان نمضي على بقية ورق الضمانات اللي قولتلك عليه.. إنت عارف، كل شيء بالمسطرة". أبويا صوته صهلل من الفرحة: "طبعاً يا فندم! تحت أمرك، بكره الصبح نكون عندك أنا ومازن والورق كله جاهز". قفل كريم الخط، وبصلي والتكشيرة رجعت لوشه الحقيقي: "أهو بلع الطُعم من غير ما يفكر ثانية واحدة فيكي.. كل اللي همه الفلوس". طلعت اللاب توب بتاعي وفلاشة صغيرة من شنطتي، وفتحتهم قدامه: "بص هنا يا كريم.. دي تحويلات بنكية سرية باسم شركة وهمية مازن عملها في قبرص، الحساب ده اتحول عليه تلاتين مليون جنيه من تمن مشروع الإسكندرية بتاع والدك.. يعني الفلوس محصلهاش إفلاس ولا حاجة، هما سرقوها وهرّبوها، وسابوا الشركة هنا تعلن إفلاسها عشان يهربوا من الديون ومن القضايا". كريم وعينيه بتطق شرار ثبت نظره على الشاشة: "ولاد الكلب.. يعني أبويا مات بقهرته والفلوس كانت معاهم وطالعين منها زي الشعرة من العجين؟" مسكت إيده وقلت له بثبات: "اهدى يا كريم.. بكره لما يجوا، إنت هتمضيهم على التنازل النهائي عن الفيلا وبقية أسهم الشركة مقابل الفلوس اللي هتدفعهالهم.. الفلوس دي هتخرج من جيبك وترجع لك تاني في نفس اللحظة، لأن بمجرد ما يوقعوا، أنا هبعت الفايل ده لنيابة الأموال العامة، وهتتقدم بلاغات رسمية بالحجر على كل أرصدتهم ومنعهم من السفر". كريم بصلي بنظرة كلها احترام وذهول: "إنتي دماغك دي سم يا ياسمين.. أنا لو كنت دورت تمن سنين مكنتش هعرف أوصل للحساب ده". قلت له بابتسامة باردة: "المظلوم لما بياخد وقته في التفكير، بيبقى أخطر من الظالم بكتير.. بكره اللعبة هتنتهي". يومها بالليل، جهزنا كل حاجة.. كريم جاب المحامي بتاعه وجاب العقود الجديدة اللي هتمضي على بياض، وأنا قعدت أرتب أوراق القضية اللي هتروح للنيابة. ولأول مرة من سنين، نمت وأنا مش خايفة.. كنت عارفة إن الشمس اللي هتطلع بكره، هتطلع عشان تحرق كل واحد ظلمني وافتكر إني مليش ضهر. قناع العجوز وثمن الخيانة حكايات شروق خالد