قناع العجوز وثمن الخيانه حكايات شروق خالد
قناع العجوز وثمن الخيانه حكايات شروق خالد
حكايات شروق خالد
كريم فضل مبحلق فيا وهو مش مصدق، نزل إيده اللي كان ماسك بيها القناع وبصلي بتركيز، كأنه بيعيد حساباته من أول وجديد.
قرب مني خطوتين وقال بنبرة واطية وفيها حذر: “وإنتي إيه اللي يخليكي تقفي ضد أهلك؟ دول مهما كان لحمك ودمك”.
ضحكت بوجع وقلت له: “لحمي ودمي دول هما اللي باعوني ليك النهاردة عشان يداروا على قرفهم. أبويا وأخويا مازن مبيحبوش غير نفسهم والفلوس. أنا كنت بالنسبة لهم مجرد شيك على بياض دفعوا بيه تمن غلطاتهم. تفتكر بعد اللي عملوه معايا، لسه باقي ليهم عندي خاطر؟”
قعدت على الكرسي اللي قدام التسريحة وكملت كلامي بثقة: “أنا مش هدافع عنهم يا كريم. بالعكس، أنا عاوزه حقي منهم زي ما إنت عاوز حقك بالظبط. الدفاتر اللي معايا فيها تزوير رسمي لسبع مناقصات حكومية، وفيها حسابات سرية في البنك هما مخبينها عن الضرائب وعن الدائنين… الحسابات دي فيها الفلوس اللي أبويا قال إنها ضاعت”.
كريم قعد على طرف السرير، ملامح وشه بدأت تسترخي والابتسامة الباردة اختفت، وحل محلها نظرة إعجاب حقيقية بالذكاء اللي قدامه.
سند راسه لورا وقال: “يعني إنتي بتعرضي عليا تحالف؟”
هزيت راسي وقلت له: “بالظبط. إنت معاك الشروط والضمانات اللي تخليهم على الحديدة في ثانية، وأنا معايا الورق اللي يوديهم ورا الشمس ويثبت حق أبوك الله يرحمه. إحنا الاتنين عاوزين نفس الحاجة… بس عندي شرط واحد”.
رفع حاجب من حواجبه وقال: “وإيه هو شرطك يا ست ياسمين؟”
بصيت في عينيه مباشرة وقلت له: “الجواز ده يفضل على الورق بس وبشروطنا إحنا قدام الناس، ولما نخلص حسابنا معاهم وتجيب حقك وحقي، نتطلق وكل واحد يروح لحاله، وآخد نسبتي من الفلوس اللي هترجع عشان أبدأ حياتي نظيفة ومن غيرهم”.
كريم سكت لثواني، كان بيفكر ويوزن الكلام في دماغه. فجأة مد إيده ليا وقال وعينيه بتلمع بالتحدي: “موافق يا دكتورة ياسمين… من الليلة دي، إحنا شركاء في الحكاية دي، واللعبة هتمشي على خطتنا إحنا وبس”.
مديت إيدي وسلمت عليه، وعرفت في اللحظة دي إن عيلتي اللي افتكرت إنها رمتني للتهلكة، كتبت بإيديها شهادة وفاتها الفنية والمالية، وإن شمس “آل المنشاوي” غربت للأبد.
حكايات شروق خالد
تاني يوم الصبح، صحينا على صوت تليفون كريم بيرن. كان أبويا. كريم فتح السبيكر وبصلي وهو بيغمز بعينه.
أبويا كان بيتكلم بنبرة كلها لؤم وتمسكن: “صباح الخير يا حاج منير يا فندم.. يا رب تكون العروسة عجبتك وبيضت وشنا؟ كنت بس عاوز أطمن على الشيك الأولاني اللي اتفقنا عليه، عشان الشيكات اللي عليا ميعادها النهاردة والمحامي قالب الدنيا”.
كريم غير صوته في ثانية، ورجع لنبرة الراجل العجوز المريض اللي بيكح: “أهلاً يا رأفت يا حبيبي.. كله تمام والعروسة زي الفل. متقلقش، الشيك هيتحول لحسابك خلال ساعة.. بس بشرط، تجيلي إنت ومازن بكره الفيلا عشان نمضي على بقية ورق الضمانات اللي قولتلك عليه.. إنت عارف، كل شيء بالمسطرة”.
أبويا صوته صهلل من الفرحة: “طبعاً يا فندم! تحت أمرك، بكره الصبح نكون عندك أنا ومازن والورق كله جاهز”.
قفل كريم الخط، وبصلي والتكشيرة رجعت لوشه الحقيقي: “أهو بلع الطُعم من غير ما يفكر ثانية واحدة فيكي.. كل اللي همه الفلوس”.
طلعت اللاب توب بتاعي وفلاشة صغيرة من شنطتي، وفتحتهم قدامه: “بص هنا يا كريم.. دي تحويلات بنكية سرية باسم شركة وهمية مازن عملها في قبرص، الحساب ده اتحول عليه تلاتين مليون جنيه من تمن مشروع الإسكندرية بتاع والدك.. يعني الفلوس محصلهاش إفلاس ولا حاجة، هما سرقوها وهرّبوها، وسابوا الشركة هنا تعلن إفلاسها عشان يهربوا من الديون ومن القضايا”.
كريم وعينيه بتطق شرار ثبت نظره على الشاشة: “ولاد الكلب.. يعني أبويا مات بقهرته والفلوس كانت معاهم وطالعين منها زي الشعرة من العجين؟”
مسكت إيده وقلت له بثبات: “اهدى يا كريم.. بكره لما يجوا، إنت هتمضيهم على التنازل النهائي عن الفيلا وبقية أسهم الشركة مقابل الفلوس اللي هتدفعهالهم.. الفلوس دي هتخرج من جيبك وترجع لك تاني في نفس اللحظة، لأن بمجرد ما يوقعوا، أنا هبعت الفايل ده لنيابة الأموال العامة، وهتتقدم بلاغات رسمية بالحجر على كل أرصدتهم ومنعهم من السفر”.
كريم بصلي بنظرة كلها احترام وذهول: “إنتي دماغك دي سم يا ياسمين.. أنا لو كنت دورت تمن سنين مكنتش هعرف أوصل للحساب ده”.
قلت له بابتسامة باردة: “المظلوم لما بياخد وقته في التفكير، بيبقى أخطر من الظالم بكتير.. بكره اللعبة هتنتهي”.
يومها بالليل، جهزنا كل حاجة.. كريم جاب المحامي بتاعه وجاب العقود الجديدة اللي هتمضي على بياض، وأنا قعدت أرتب أوراق القضية اللي هتروح للنيابة.
ولأول مرة من سنين، نمت وأنا مش خايفة.. كنت عارفة إن الشمس اللي هتطلع بكره، هتطلع عشان تحرق كل واحد ظلمني وافتكر إني مليش ضهر.