بنشتري راجل
بنشتري راجل
”أنا ما هدمتش البيت يا طنط.. ياسين هو اللي كان بيهدمه كل يوم بالتدريج. كل مرة كان بيشتري فيها علبة بيبسي ويضحك، كان بيبني جدار بيني وبينه. أنا صبرت وقلت يمكن يفهم.. يمكن يحس إن كلمته بتجرح، لكن لما البواخة بقت أسلوب حياة، ووصلت إنه ينادي عليا بالاسم ده قدام الغريب والقريب، حسيت إني بدفن كرامتي حية عشان أرضيه.”
ياسين حس بالندم بياكل في قلبه زي النار. افتكر كل المرات اللي كانت سلمى بتبتسم فيها ابتسامة باهتة وتسكت. هو كان فاكرها بتقبل المزاح وبيتهيأله إنها روحها رياضية، ما كانش فاهم إن الابتسامة دي كانت قناع بتداري بيه كسرة نفسها. افتكر يوم ما كان واقف عند البقال وفيه واحد جاره واقف، ويا سين ندى عليها بصوت عالٍ: “هاتي الفكة يا علبة البيبسي عشان نجيب كانز ثانية!”.. افتكر ضحكة الجار الخفيفة ساعتها، وافتكر إزاي سلمى دخلت البيت يومها وما خرجتش من الأوضة بقية اليوم، وهو يدوب دخل ونام ولا فارق معاه.
أبو ياسين زعق في ابنه بصوت هز الصالة:
”أنت تسكت خالص وما تنطقش بنص كلمة! أنت فضحتنا وقللت من قيمتنا قبل ما تقلل من قيمة بنت الناس!”
وبعدين بص للحاج متولي وقال:
”يا حاج متولي.. كرامة سلمى من كرامتنا، واللي يزعلها يزعلنا إحنا قبلها. أنت ليك حق فوق رُوسنا، وقول الشروط اللي ترضيك وترضي بنتك وإحنا ينفذها فورًا.. لو عاوز مهر جديد باسمها، لو عاوز بيت لوحدها، لو عاوز تكتب لها مؤخر يعجز بلد.. إحنا موافقين.”
الحاج متولي هز رأسه بالنفي وهو بيتحرك ناحية الشباك، بص بره وقال بكلام موزون:
”الفلوس ما بترجعش الكرامة اللي اتكسرت يا حاج إسماعيل. الفلوس دي ورق.. إحنا كنا فاكرين إننا بنشتري راجل بالأخلاق، والنهارده الفلوس مش هي اللي هتصلح الغلطة. ياسين محتاج يتعلم يعني إيه قيمة ست، ويعني إيه أمانة اتسلمت له.”
ياسين كان واقف حاسس إن الأرض بتلف بيه. المسألة ما بقتش مهر ولا فلوس، المسألة بقت إنه اتقال عليه “مش راجل” قدام أبوه وأمه ومراته. الجملة دي كانت بتتردد في ودنه زي الجرس: “نحن نشتري رجلاً”. افتكر أول يوم دخل فيه البيت ده، إزاي الحاج متولي رحب بيه وشرب معاه الشاي وقال له: “أنا مش عاوز منك غير إنك تتقي ربنا فيها”. هو خان الأمانة دي، مش بخيانة أو ضرب، بس بقلة قيمة واستخفاف.